تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
طوفان غزة على باب مصر

طوفان غزة على باب مصر

كتابة: مدى مصر 8 دقيقة قراءة
فلسطينيون يتدفقون إلى سيناء بعد هدم السور الحدود في 2008

توقف معبر رفح بين مصر وغزة بعدما قصفت طائرات إسرائيلية الجانب الفلسطيني منه ثلاث مرات خلال أقل من يوم: الأولى مساء أمس، وتسببت في تعطيل العمل به مؤقتًا، قبل استئنافه صباح اليوم، حتى جاءت الثانية لتتسبب في إغلاقه من الجانب المصري حتى إشعار آخر، تبعتها ضربة ثالثة.

المعبر كان ممر الخروج الأخير الذي يمكن للفلسطينيين استخدامه للخروج من القطاع الذي يتعرض لحرب إسرائيلية شرسة منذ أيام بعد الهجوم المباغت الذي بدأته كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس، صباح السبت الماضي. فاجئ الهجوم جميع الأطراف، وأسفر عن مقتل نحو ألف إسرائيلي حتى الآن، واختطاف ما يقرب من 150، تبعته غارات إسرائيلية غير مسبوقة على القطاع أسفرت عن مقتل 830 فلسطينيًا، وفرض حصار شامل يشمل قطع المياه والكهرباء والوقود كلية عن القطاع المأزوم.

يفرض توقف المعبر عن العمل وتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة أسئلة ملحة ومعقدة أمام صناع القرار في مصر بشأن دورها وتبعيات تدهور الأوضاع في قطاع غزة، في ظل ظرف سياسي واقتصادي حرج وحساس تعيشه مصر.

خمسة مصادر سياسية ودبلوماسية مصرية رفيعة، اشترطت جميعها عدم الكشف عن هويتها، تحدثت إلى «مدى مصر» خلال اليومين الماضيين شرحت تفاصيل هذه الأسئلة، وصعوبات الإجابة عليها في لحظة دقيقة تشهد انفجارات كبيرة متوالية، وتتطلب تعاملًا حاسمًا في وقت قصير.

حددت المصادر سؤالين رئيسيين يواجهان مصر الآن. السؤال الأول يتعلق باحتمال تدفق عشرات الآلاف من اللاجئين تجاه حدود مصر الشرقية في محاولة للهرب إلى سيناء. السؤال الثاني يتعلق بقدرة مصر بالأساس على احتواء الموقف عبر مبادرات وساطة في ظل قلق من تهميش دورها الإقليمي التاريخي فيما يخص القضية الفلسطينية، وهو أحد الملفات الدبلوماسية القليلة الذي تمتعت فيه مصر بتأثير كبير حتى وقت قريب، ويخضع الآن لتهديد كبير. يرتبط السؤالان، في رأي المصادر، بتحديات الوضع الداخلي، والتخوف من استغلال الأزمة الراهنة لممارسة ضغوط على النظام المصري لانتزاع تنازلات مختلفة. 

يبدو السؤال الأول أكثر إلحاحًا: كيف يُفترض بمصر أن تتصرف إذا انهار الوضع في غزة تمامًا؟ خصوصًا مع استمرار الحديث عن غزو بري إسرائيلي للقطاع، وتوجه عشرات الآلاف من النازحين تجاه الحدود المصرية.

إلحاح السؤال يأتي بسبب تطورات متسارعة حدثت خلال اليومين الماضيين. طالب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، سكان غزة بالخروج منها إذا أرادوا النجاة. لم يتضح كيف يمكن للفلسطينيين الخروج من القطاع المُحاصر أساسًا منذ ما يقرب من عقدين، خصوصًا بعد أن أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي، عقب تصريحات نتنياهو، فرض حصار كامل يشمل قطع المياه والكهرباء والوقود، وتناقلت وسائل إعلام عبرية تهديد إسرائيل لمصر باستهداف أي مساعدات تسمح مصر بدخولها للقطاع.

مصدر حكومي مصري نفى لـ«مدى مصر» تهديد إسرائيل لمصر باستهداف المساعدات المصرية، لكنه أكد أن إسرائيل رفضت طلبات مصرية متكررة بإدخال مساعدات للتخفيف من الكارثة الإنسانية في القطاع.

أمام الرفض الإسرائيلي، اضطرت مصر إلى إرجاع شاحنات المساعدات التي كانت قريبة من الحدود بالفعل متوجهة إلى غزة، بحسب المصدر.

يجعل ذلك من سؤال النزوح الجماعي للفلسطينيين أكثر إلحاحًا، بحسب المصدر.

الإجابة المنطقية الوحيدة هي الخروج إلى مصر عبر معبر رفح بين غزة ومصر، المعبر الوحيد المتبقي أمام الفلسطينيين.

تأكد هذا في تصريح أحد متحدثي الجيش الإسرائيلي مساء أمس، حين سُئل عن مصير النازحين الفلسطينيين، أشار فيه إلى أن بإمكانهم التوجه إلى مصر. وتناقلت وسائل الإعلام حول العالم التصريح الإسرائيلي، ما تسبب في مضاعفة القلق المصري. 

تبع ذلك تصريحات نقلتها وسائل إعلام مصرية وعربية عن مصادر «سيادية» و«أمنية» مصرية مجهّلة، وهو أمر غير معتاد، خصوصًا لوسائل الإعلام المصرية التي تنتظر عادة البيانات الرسمية. نقلت قناة القاهرة الإخبارية أمس عن «مصادر مصرية رفيعة المستوى» تحذير من محاولة دفع فلسطينيّ غزة تجاه الحدود المصرية، وأكدت أن «السيادة المصرية ليست مستباحة» وأن «سلطة الاحتلال مسؤولة عن إيجاد ممرات إنسانية لنجدة شعب غزة»، وليست مصر.

تصريحات أخرى جاءت اليوم من مصادر قالت لشبكة «سكاي نيوز عربية» إن «هناك مخطط لتصفية الأراضي الفلسطينية وتخيير الفلسطينيين بين الموت والنزوح»، وأن مصر ستتصدى «لمساعي إسرائيل لتوطين أهالي غزة في سيناء».

بدا الأمر تمريرًا لرسالة محددة حول عدم قبول القاهرة نزوحًا جماعيًا من فلسطينييّ غزة إلى سيناء. هذا ما عبرت عنه تصريحات مسؤولين مصريين، اليوم، دون التورط في مواقف رسمية معلنة، على الأقل حتى الآن. التلميح الوحيد جاء من الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي أكد اليوم أنه «لا تهاون أو تفريط فى أمن مصر القومي تحت أي ظرف». بحسب المصدر الحكومي المصري، اتخذت القاهرة «استحكامات أمنية مشددة لضمان سلامة حدودها».

تزامنا مع هذه الرسائل، وبعد الدعوى الإسرائيلية للاجئين للتوجه لمصر، أصدرت إسرائيل توضيحًا بأن معبر رفح مغلق، ثم تأكيدًا أنه «لا توجد أية دعوة إسرائيلية رسمية لتوجيه سكان قطاع غزة نحو الأراضي المصرية».

مع إغلاق المعبر، كيف يمكن للنازحين الفلسطينيين المحتملين الخروج إذًا؟ السيناريو الوحيد الذي يتبادر إلى الذهن حدث مرة واحدة قبل 15 عامًا، حين اقتحم آلاف الفلسطينيين الجدار الفاصل بين مصر وغزة، واندفعوا إلى سيناء للحصول على مؤن من الغذاء والوقود، نتيجة الحصار الإسرائيلي للقطاع بعد سيطرة حماس عليه عام 2007. مصدر حكومي مصري أكد لـ«مدى مصر» أن القاهرة لن تسمح بتكرار هذا السيناريو مرة أخرى. هذا هو المقصود بما صرحت به المصادر المصرية لوسائل الإعلام حول «السيادة المصرية».

وعلى الرغم من الموقف المصري، إلا أن استبعاد هذا الاحتمال أمر مستحيل، خصوصًا إذا ما تحرك عشرات الآلاف من النازحين بالفعل تجاه مصر. بدأت مصر بالفعل الاستعداد اللوجيستي، وإعداد خطة جاهزة للتطبيق في حال صدور تعليمات بذلك من الرئاسة المصرية، تتضمن نصب خيام في مدينتي الشيخ زويد ورفح المصرية، مع فرض كردونات أمنية تمنع التسلل إليها، مع التشديد على عدم دخول فلسطينيين إلى مدينة العريش تحت أي ظرف. يعني هذا أنه في حالة عبور الفلسطينيين إلى مصر، لن يتبقى أمامهم سوى المنطقة العازلة في رفح.

بالنسبة لصناع القرار في مصر، وعلى الرغم من الاستعدادات اللوجستية الضرورية والحفاظ على نظام عبور دقيق، لا يبدو خيار السماح بنزوح فلسطيني جماعي غير منظم أمرًا مقبولًا، على الأقل حتى الآن. لكن إذا حدث هذا، ما الذي يمكن فعله؟

في المعتاد، تمتلك مصر ثقلًا كبيرًا في ملف الوساطة بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية بسبب نجاحها السابقة في احتواء المواقف والضغط على مختلف الأطراف. وفي المعتاد، تستطيع مصر الضغط على إسرائيل ومختلف الأطراف الدولية لمنع تدهور الأوضاع في غزة إلى هذه الدرجة.

لكن ليس هذه المرة. بحسب المصادر، تتعرض مصر إلى ضغوط شديدة من الحكومة الإسرائيلية وحلفائها في أمريكا وأوروبا، الذين وجهوا اللوم إلى مصر لعدم استخدام نفوذها لمنع حماس من التصعيد.

بحسب المصادر، يدعم الشعور المتزايد بضعف دور القاهرة الإقليمي وانحسار تأثيرها التاريخي في القضية الفلسطينية، أحد أهم القضايا المشتعلة في المنطقة؛ تسارع دول إقليمية أخرى في تولي هذا الدور. تجلت آخر مظاهر هذا التسارع في المحادثات السعودية الإسرائيلية لإتمام اتفاق سلام برعاية أمريكية، وكان مُنتظرًا قبل اندلاع الأحداث الأخيرة، والذي أوضح مصدر حكومي مصري لـ«مدى مصر» قبل أسابيع إن القاهرة غير مرتاحة له. قبل السعودية، كانت هناك الإمارات، والتي أبرمت اتفاقات أبراهام مع إسرائيل قبل ثلاثة أعوام. هذا إلى جانب قطر وتركيا وإيران، كلٌ حسب أجندته. كل هذا وغيره حدث بعيدًا عن المظلة المصرية، والتي اعتادت منذ إبرام معاهدة السلام مع إسرائيل في أواخر السبعينيات أن تكون بوابة الدول العربية للتعامل مع إسرائيل، واكتسبت مساندة أمريكية استراتيجية ثقيلة بسبب هذا طوال عقود.

في هذه اللحظة، تجلى الشعور بهذا الضعف، بحسب ثلاثة مصادر، في حجم وطبيعة الاتصالات التي انخرطت فيها مصر خلال الأيام الماضية. على سبيل المثال، تشير المصادر إلى أن الإدارة الأمريكية لم تتواصل مع الرئاسة أو المخابرات العامة، وهي المؤسسات التي تتولى في المعتاد إدارة هذا الملف، ما يجعل التواصل الوحيد حتى الآن دبلوماسيًا فقط.

في المقابل، تحاول مختلف القوى الخليجية، خصوصًا قطر والسعودية والإمارات، لعب دور في خفض التصعيد بين إسرائيل وحماس، أو تحقيق أي تفاهم فيما يتعلق بملف الرهائن الذين أسرتهم حماس خلال عملياتها.

يتزامن بروز الدور الخليجي في ملف القضية الفلسطينية مع تقارب مصري إيراني حذِر خلال الأسابيع الماضية، جاءت أبرز تجلياته في لقاء جمع وزير الخارجية المصري، سامح شكري، مع نظيره الإيراني، حسين أمير عبد اللهيان، الشهر الماضي. تُوج هذا اليوم بمكالمة تلقاها شكري منه اليوم لمناقشة التطورات.

مصدر دبلوماسي مصري، تحدث إلى «مدى مصر» وقتها، أشار إلى أن هناك حركة في اتجاه تطوير العلاقات المصرية الإيرانية، لكنه استدرك أن القاهرة في «انتظار بعض الأمور» وأنه «لم يتم تحديد موعد بعد». أحد هذه الأمور هو تأثير هذا التحسن على العلاقات المصرية السعودية، وكذلك المصرية الأمريكية، التي تشهد توترًا منذ فضيحة السيناتور الأمريكي، روبرت منينديز، المتهم بتلقي رشاوى لدعم مصر، بحسب الدبلوماسي.

لكن، على عكس إيران التي يمكنها دعم الفصائل الفلسطينية المسلحة علنًا وسرًا، تواجه مصر موقفًا أكثر تعقيدًا «يحمل تبعات سياسية وأمنية مكلفة»، بحسب ثلاثة من المصادر.

يحدث هذا على خلفية وضع سياسي واقتصادي دقيق في مصر. بعد أقل من شهرين، تخوض مصر انتخابات رئاسية جديدة، يترشح فيها الرئيس السيسي وسط غضب شعبي كبير، بسبب معدلات تضخم غير مسبوقة وأزمة ديون لم تعرفها مصر من قبل.

يطرح هذا علامات استفهام حول قدرة مصر على مواجهة الضغوط. تشير المصادر إلى أن الأجهزة السيادية المصرية تخشى أن يتسبب ضعف الموقف المصري في أن تطرح إسرائيل، بدعم أمريكي، مخطط إعادة توطين الفلسطينيين في سيناء، وهي القضية التي رفضتها مصر مرارًا طوال العقدين الأخيرين، خصوصًا إذا ارتبط هذا الطرح بإغراءات من قبيل شطب جزء كبير من الديون المستحقة عليها، أو أي إغراءات اقتصادية أخرى. بحسب المصادر، يُخشى أن ترى الإدارة المصرية في هذا تكرارًا لنموذج حرب الخليج 1991، عندما وافق الرئيس الراحل حسني مبارك على التدخل العسكري مقابل إسقاط جزء كبير من الديون المستحقة على مصر، خصوصًا إذا ما انضمت دول الخليج إلى هذه المطالب ومارست ضغوطًا على مصر. الفارق هذه المرة أن هذا الطرح ترفضه الأجهزة السيادية والرأي العام المصري على السواء، بحسب المصادر.

يضع كل هذا مصر في مساحة ضيقة للمناورة، خصوصًا مع الغزو الوشيك لغزة واحتمال انهيار الأوضاع لتتسبب في كارثة إنسانية قد لا يسهل التعامل معها.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن