تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«صور الجثث لا تفارق أذهاننا».. مشاهد من سقوط الفاشر

«صور الجثث لا تفارق أذهاننا».. مشاهد من سقوط الفاشر

كتابة: حسان الناصر، مشاعر إدريس 9 دقيقة قراءة

حتى في ظل أمان نسبي خارج المدينة، تقول ملاذ إن الصور لا تفارق ذاكرتها: المجازر، البيوت المحروقة، مدينة الفاشر التي يلتهمها الدمار. 

كانت ملاذ من بين من فرّوا من هجوم قوات الدعم السريع الذي أسفر الأحد الماضي عن سقوط الفاشر، آخر المدن الخارجة عن نفوذها في إقليم دارفور. لكن الحقيقة، كما تقول ملاذ، هي أنه «لا مكان آمن من بطش الدعم السريع»، حتى في مناطق النزوح.

كان على الفاشر الانتظار نحو سنتين ونصف لتواجه نفس مصير مدينة الجنينة، غرب دارفور، حيث قتلت «الدعم السريع» بمساعدة حلفائها من المليشيات العربية ما بين 10-15 ألف شخص، معظمهم من مجموعة المساليت الإفريقية، بين أبريل ويونيو 2023.

ومع اجتياح قوات الدعم السريع، بقيادة عبد الرحيم دقلو، نائب القائد العام، للمدينة، 26 أكتوبر الجاري، بعد حصار طويل بدأ في مايو 2024، كانت المدينة المعروفة بلقب «فاشر السلطان» على موعد مع مذبحة، ما زالت جارية حتى الآن، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية، الدماء المُراقة في طرقاتها. 

جاءت مذبحة الفاشر، التي يواصل العالم التنديد بها، بعد 18 شهرًا من حصار خانق استخدمت فيه قوات الدعم السريع تجويع السكان كسلاح حرب، وأحاطت المدينة بسواتر ترابية لمنع الدخول والخروج، مع قصف مدفعي يومي، في خطة ممنهجة أدت إلى إفراغها من معظم سكانها، إذ انخفض عددهم إلى نحو 250 ألفًا من أصل أكثر من مليون كانوا يعيشون فيها سابقًا. 

مع بدء الاجتياح، شهدت المدينة أسوأ خمسة أيام وأكثرها وحشية في تاريخها الحديث، ولم يبق في السودان من لم يكن على دراية بالمقتلة، إذ وثقت بفخر عناصر من «الدعم السريع» جرائم قتل جماعي لنساء وأطفال ورجال عزل، ومداهمات للمنازل. 

وفي اليوم التالي للمذبحة، انضم العالم إلى السودانيين في مشاهدة ما حدث، بعدما نشر مختبر الأبحاث التابع لجماعة ييل الأمريكية صور أقمار صناعية، تظهر الدماء تسيل في شوارع المدينة، وهو ما أكده ناجون تحدثوا إلى «مدى مصر»، حيث عبروا تلك الطرقات المضمخة بدماء أهاليهم إلى «طويلة» ومناطق أخرى شمال دارفور.

فرضية الإبادة الجماعية تؤكدها شهادة أحد عناصر «الدعم السريع» يُلقب بـ«أبو لولو»، صوّر تنفيذ عمليات إعدام جماعي في الفاشر، قائلًا إنه قتل نحو ألفي شخص، وإنه سيعيد الكرة لأنه «أخطأ في العد». ورغم محاولات مناصري الدعم السريع وصفه كحالة فردية، جاءت عشرات المقاطع المصورة الأخرى لتُظهر أن هناك عشرات مثله نفذوا عمليات قتل جماعي وضعت الفاشر في طريق إبادة جماعية. 

ومع ذلك، لا تكشف الشهادات المتاحة سوى القليل مما جرى في المدينة، تحدث «مدى مصر» إلى 11 مصدرًا من المدينة، بينهم عاملون صحيون، وأفراد من القوة المشتركة والجيش، ومدنيون، فروا بعد أن واجهوا كارثة إنسانية تفاقمت على مدار أيام خلال هذا الأسبوع. 

***

بدأت موجات النزوح من الفاشر حتى قبل إعلان «الدعم السريع» سيطرتها عليها الأحد الماضي، خلال حملة عسكرية استمرت ثلاثة أيام.

تقول ملاذ، الطالبة في كلية الطب بجامعة الفاشر، إن بعض السكان بدأوا في الفرار فجر السبت الماضي، مع أول اقتحام لقوات الدعم السريع، بعد أن وصلوا إلى بيت الوالي على مقربة من مقر الفرقة السادسة مشاة، وسط المدينة. 

نزوح ملاذ وعائلتها لم يكن الأول، إذ سبق أن نزحت مع عائلتها منذ بدء حصار المدينة ثلاث مرات: من شرق المدينة إلى شمالها، ثم جنوبها ومنه إلى غربها السبت الماضي، إذ غادرت حي الهجرة متجهة إلى حي أبو شوك، حيث الطريق المؤدي إلى مدينة كتم.

تصف ملاذ رحلتها قائلة: «كانت الرحلة من جنوب المدينة إلى غربها أشبه برحلة في العصور المظلمة. الشوارع تغلي بالنيران والدخان، والركض بين المنازل المدمرة كان الوسيلة الوحيدة للبقاء على قيد الحياة، بسبب كثافة المدفعية والرصاص الطائش في كل اتجاه»، وتضيف «كانت العربات المدرعة التابعة للدعم السريع تمرّ بلا رحمة، والرصاص ينهمر من كل اتجاه. البيوت المحترقة والأسواق المنهوبة كانت شاهدة على ما جرى، والجثث كانت متناثرة على الطرقات، رجال ونساء وأطفال لقوا حتفهم أمام أعين من نجا».

وتؤكد ملاذ ارتكاب «الدعم السريع» مجازر واسعة في الأحياء الغربية المكتظة بالسكان، حيث أوقفت القوات المدنيين وقتلت بعضهم على الفور، بينما أُجبر آخرون على الركض بلا توقف، وسط استهداف القناصة لكل من حاول الفرار، وتضيف: «كانت أصوات صراخ وبكاء الأطفال والنساء تملأ الأجواء، والدماء تسيل على الطرقات الفرعية، وكل لحظة تأخير كانت تهديدًا مباشرًا للحياة».

«لم يتوقف الرعب عند الفارين، إذ كانت المجموعات المسلحة التابعة للدعم السريع تقتحم البيوت، وتقتل كل من يقاوم، وتنهب الممتلكات»، تقول ملاذ، وتضيف أنها لن تنسى مشهد الجثث المتناثرة على طول الطريق بين الفاشر وطويلة، حيث يسير الفارون مسافات طويلة بلا توقف. 

ورغم خروج ملاذ وعائلتها من المدينة، فإنها لا تشعر بالأمان، «لا أعتقد أن هناك مكانًا آمنًا، فكل قرية يمكن أن تكون هدفًا لوحشية الدعم السريع». 

ما تقوله ملاذ تقابله أهوال أخرى واجهها محمد شالا ومئات النساء والأطفال والرجال من عناصر الدعم السريع التي أراقت الدماء -وما زالت- في الفاشر. 

شالا، الذي وصل إلى محلية طويلة بعد يوم من سقوط الفاشر، يقول لـ«مدى مصر»: «كنت أنا وبعض الجيران في المطابخ المجانية (التكايا) حين بدأ الرصاص والقذائف من كل جانب، لم يكن هناك أي مكان آمن داخل الفاشر، فاتجهنا نحو المعسكر في اليوم التالي باعتبار أن الدعم السريع كانت في هذه المنطقة سابقًا، لكنهم لاحقونا»، ويتابع «في البداية حاولنا الاختباء خلف الجدران المتهالكة والأكواخ الصغيرة، لكن القصف أصبح شديدًا، فاختبأنا في خندق محمي بأكياس الرمل. وبعد انقضاء المعركة وسيطرة الدعم السريع المدينة دخلت القوات إلى مناطق متاخمة للمعسكر ونهبت كل شيء، وقتلت من حاول المقاومة، ولم يميزوا بين شاب أو شيخ أو طفل. جمعونا في ساحة مفتوحة وهددونا بالقتل، قبل أن يأمرهم قائد ميداني بإطلاق سراحنا بعد ساعتين من الاستجداء»، مضيفًا «أمرنا القائد الميداني بمغادرة المعسكر لأنه لن يستطيع حمايتنا من تصرفات الجنود». 

وتابع شالا أنه أدرك أن البقاء يعني الموت المحتم، فقرر الخروج مع مجموعة صغيرة من الناجين، «كان الفجر بزغ، والمعسكر مغطى بالدخان والنيران، الشوارع مليئة بالجثث، بعضها نصف محترق، وأخرى مسفوحة الدم. لم نشاهد أي جثث لجنود من القوات المشتركة أو الجيش، كانوا مدنيين وأغلبهم رجال هزيلو الأجساد بسبب الجوع، تتراوح أعمارهم بين 50-60 عامًا»، يقول شالا، مضيفًا «كنا نحمل بعضنا البعض، نحاول تجاوز الخيران والأودية، ومشاهد الجثث لا تغادر أذهاننا، معظم الشباب الذين خرجوا كانوا يسقطون من التعب والجوع. لم أتمالك نفسي عندما شاهدت مناطق تجمع النازحين في طويلة، سجلت أسماءنا في قوائم النازحين، لكن تبقى أمامي البحث عن أهلي الذين فقدت الاتصال بهم منذ أيام». 

قال مكتب حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، لـ«مدى مصر» إن نحو 30 ألف شخص فروا من المدينة خلال يومين، واتجهوا إلى مناطق تندفاي وعشوش في غرب ولاية شمال دارفور ومحلية طويلة، عبر أودية وخيران معدومة الماء والغذاء. 

ناجية أخرى وصلت إلى بلدة مليط روت ما شاهدته من فظائع في أثناء فرارها، الاثنين الماضي، مؤكدة أن «الدعم السريع» أعدمت المئات في الخنادق التي حفرتها حول المدينة، وأضافت أنها شاهدت عناصر من تلك القوات يطلقون النار على جثث قتلى، وعلى بعض الرجال المصابين الذين يرتدون الزي المدني في الطريق المؤدي إلى مليط، مشيرة إلى أنهم خضعوا لعمليات تفتيش دقيقة، وتعرض بعضهم للنهب.

قال خاطر عدلان، وهو أحد الفارين مع أسرته إلى مدينة طويلة، إن الانتهاكات بدأت عقب سيطرة «الدعم السريع» على مقر الفرقة السادسة مشاة، حيث أجبر سكان الأحياء الشرقية من المدينة على مغادرة منازلهم التي نُهبت بالكامل بعد تفتيشها، ويضيف أن بعض الأسر حاولت مغادرة المدينة لكن الاشتباكات المستمرة حالت دون ذلك، ما عرضهم لقذائف المعارك التي تواصلت حتى صباح اليوم التالي لسقوط مقر الفرقة. 

من جانبها، قالت منسقة الأمم المتحدة في السودان، دينيس براون، في مقابلة صحفية الأربعاء الماضي إن عدد الفارين الذين كانوا يقطعون نحو 50 كيلومترًا للوصول إلى منطقة طويلة قلّ بشدة، ما يشير إلى أن «قوات الدعم السريع شددت الخناق على المدينة، ومنعت الناس فعليًا من المغادرة».

وبحسب ثلاثة مصادر من القوة المشتركة، فإن قوات الدعم السريع نفذت عمليات تصفية لأكثر من ألفي مدني في مدينة الفاشر، فيما لا يزال مصير الآلاف مجهولًا بسبب انقطاع الاتصالات داخل المدينة، وأوضح مصدر بحركة العدل والمساواة أن التقديرات الميدانية تشير إلى أن عدد القتلى تجاوز 3000 حتى الآن، بينما يُعتقد أن أكثر من عشرة آلاف في عداد المفقودين. 

وطالبت منظمات حقوق الإنسان بفتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين والجرحى، لكن مصادر محلية أكدت أن أيًّا من هذه الممرات لم يُفعّل حتى الآن. 

ومن المتوقع أن يزداد الوضع سوءًا بعد أن هاجمت الحكومة المنظمات الإنسانية إثر سقوط المدينة، إذ أعلنت الخرطوم، الأربعاء الماضي، طرد كبار مسؤولي برنامج الغذاء العالمي، في خطوة وصفتها المنظمة في بيان صحفي بأنها جاءت «في وقت حاسم»، وذلك بعد أن أبلغت وزارة الخارجية السودانية المنظمة الإغاثية بأن مديرها في السودان ومنسق الطوارئ أصبحا شخصين غير مرغوب فيهما «دون أي تفسير».

***

كان الوضع في الفاشر قد تدهور قبل أيام قليلة من سقوطها بيد «الدعم السريع»، إذ كانت المدينة تعيش وضعًا مأساويًا تحت حصار خانق فرضته الجماعة شبه العسكرية منذ منتصف عام 2024. وخلال هذه الفترة، انقطعت طرق الإمداد بشكل شبه كامل، وتناقص مخزون الغذاء والدواء، فيما أصبحت المستشفيات تعمل بأقل من 20% من طاقتها. 

وقال مصدر طبي فر من المدينة لـ«مدى مصر» إن «الدعم السريع» استمرت طوال فترة الحصار في قصف المراكز الطبية البديلة التي اتخذتها اللجان الميدانية التي تعمل على الإغاثة الطبية، خصوصًا في آخر أسبوع قبل سقوط المدينة. وأوضح أنه مع اشتداد قصف المستشفيات في الأسبوع الأخير، كان من المستحيل أن يتلقى المواطنون العلاج في أي مرفق طبي، مضيفًا أنه مع تزايد موجات الهجوم، الأحد الماضي، وتوافد أعداد كبيرة من الجرحى، لم يكن هناك أي معينات طبية يمكن أن تقدم، في ظل نفاد وحدات الدم ببنك الدم، بالإضافة إلى غياب التعقيم.

وأضاف المصدر أن مع انهيار الخطوط الدفاعية في المدينة، اضطروا إلى ترك نحو 200 مصاب من المدنيين والعسكريين في أحد المقرات بحي الدرجة الأولى، لكن «الدعم السريع» قصفت المقر بمن فيه، مما أدى إلى مقتل الجرحى والمرضى والمرافقين.

استهداف المستشفيات أكده المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، قائلًا إنه يشعر بالصدمة بعد أن أفادت التقارير بمقتل أكثر من 400 شخص في مستشفى الولادة في الفاشر، وهو ما أكده تقرير لمختبر الأبحاث الإنسانية التابع لجامعة ييل الأمريكية، حيث أظهرت صور الأقمار الصناعية عمليات قتل جماعي نفذتها قوات الدعم داخل المستشفيات وفي محيطها.

ويصف بابكر من داخل معسكر أبو شوك للنازحين الوضع في الفاشر بأنه «ميؤوس منه»، موضحًا أن «الدعم السريع» استولت في الأساس على أطلال مدينة مدمرة، لا تصلح للحياة، في ظل الانهيار التام للبنى التحتية ونزوح عشرات الكوادر الطبية. وأضاف «لا توجد أصلًا أسواق لتنهب أو تستعاد، ومن الصعب أن يعود السكان إلى الفاشر مرة أخرى. نحاول الآن أن نحشد الموارد المتبقية من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه».

وفي تعليق على جرائم «الدعم السريع» في الفاشر، قال رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي، جيم ريش، الثلاثاء الماضي: «الفظائع في الفاشر لم تكن صدفة، بل كانت جزءًا من خطة قوات الدعم السريع منذ البداية. القوات ارتكبت جرائم مروعة بينها الإبادة الجماعية، ضد الشعب السوداني».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن