تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«أنا أربح وأنت تربح».. قمة مصرية تركية على خلفية إقليم مشتعل

«أنا أربح وأنت تربح».. قمة مصرية تركية على خلفية إقليم مشتعل

كتابة: سارة سيف الدين، ناجح داود، إحسان صلاح 6 دقيقة قراءة

من خلف عجلة قيادة السيارة الكهربائية، ظهر الرئيس عبد الفتاح السيسي مبتسمًا وإلى جواره الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي أهداه السيارة التركية الصنع خلال لقائهما أمس، بحسب صور احتفائية نشرتها رئاسة الجمهورية المصرية.

وقاد السيسي السيارة الجديدة، مصطحبًا ضيفه من قصر الاتحادية إلى فندق الماسة بمدينة نصر، حيث انعقد منتدى الأعمال المصري التركي، في إطار الزيارة الثانية لأردوغان إلى مصر خلال عامين.

بشكل عام، اتسمت أجواء الزيارة بدفء وتقارب واضحين، عقب مراسم استقبال رسمية وعزف السلامين الوطنيين المصري والتركي، والتقاط صور تذكارية للرئيسين وقرينَتبهُما، بعد أكثر من عقد من القطيعة بين البلدين.

وجاء اللقاء في سياق إعادة ترتيبات جذرية تشهدها المنطقة على وقع حرب الإبادة الإسرائيلية في فلسطين، والتحولات في سوريا واليمن بشبه الجزيرة العربية، وليبيا غربًا، والسودان جنوبًا، وصولًا إلى الصومال في القرن الإفريقي، في لحظة حساسة لحسابات مختلف القوى الإقليمية.

وترأس الرئيسان الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي المصري التركي رفيع المستوى، الذي شهد توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم في مجالات عسكرية واقتصادية، شملت قطاعات الأدوية والمستلزمات الطبية، والخدمات البيطرية، والشباب والرياضة، والحماية الاجتماعية.

اتسمت الزيارة، بحسب السيسي، بـ«بدرجة عالية من التفاهم»، بينما أكد أردوغان أن مصر تعد أكبر شريك تجاري لبلاده في إفريقيا، معربًا عن تطلعه لرفع حجم التبادل التجاري بين البلدين إلى 15 مليار دولار، أي ما يقرب من ضعف مستواه الحالي، الذي بلغ 5.6 مليار دولار خلال أول عشرة أشهر من العام الماضي، بحسب بيانات التجارة الخارجية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

ورغم أهمية العلاقات الاقتصادية والتجارية، فإنها لم تكن على رأس أولويات الزيارة، فقبل اجتماع مجلس التعاون، عقد الرئيسان لقاءً ثنائيًا ناقشا خلاله القضايا الإقليمية ذات التأثير المُشترك، وفي مقدمتها التطورات في قطاع غزة والسودان والصومال ومنطقة القرن الإفريقي، بحسب بيان صادر عن الرئاسة المصرية. ووصفت صحيفة الأهرام الزيارة في عنوانها الرئيسي اليوم بأنها «قمة إعادة ترتيب أوراق الإقليم». ويبدو هذا الوصف دقيقًا، فزيارة الأمس تجاوزت كونها مجرد زيارة من رئيس دولة إلى أخرى بعد خلافات طويت صفحاتها.

وشكلت تطورات اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، أحد محاور النقاش، لا سيما مع بدء المرحلة الثانية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية، إلى جانب ترتيبات إدارة القطاع بما يتوافق مع خطة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، الذي أعلن عن تشكيل مكاتبها ومجالسها الشهر الماضي.

في السياق، قال مصدر مقرب من الرئيس التركي، لـ«مدى مصر» أن إسرائيل تسعى إلى استبعاد تركيا من ترتيبات ما بعد الحرب في القطاع، ضمن محاولاتها لعرقلة الخطة الأمريكية بشكل عام، مضيفًا أن «تركيا تمثل صمام أمان لخطّة ترامب»، نظرًا لقدرتها على التأثير في القيادة السياسية لحركة حماس في قطر، ولهذا تتفق عدة دول، من بينها مصر على «ضمان التواجد التركي في خطة ترامب بغزة».

بالتوزاي، تجرى نقاشات بين القاهرة وأنقرة حول اتفاقية ثلاثية محتملة تضم ليبيا، لترسيم الحدود البحرية، وهو ملف شكل مصدر توتر بين الأطراف طوال الأعوام الماضية، وفقًا للمصدر نفسه ومصدر سياسي مصري، طلب عدم ذكر اسمه. غير أن مسؤولًا مصريًا آخر أشار إلى أن إتمام الاتفاقية يحتاج مزيدًا من الوقت.

وتظل الخلافات بين مصر وإسرائيل وقبرص وليبيا وتركيا في حوض شرق المتوسط، شديدة التعقيد، فقد أعادت إسرائيل، خلال الأشهر الأخيرة، طرح مشروع تصدير غازها إلى أوروبا عبر قبرص واليونان، إلا أن تحقيق ذلك يظل مرهونًا بالتوصل إلى اتفاق مع تركيا بشأن ترسيم الحدود البحرية لقبرص، وهو ما يواجه المرور عبر المنطقة الاقتصادية الخالصة لقبرص، محل النزاع، بين الجزيرة وتركيا لسنوات.

غير أن التعاون المصري التركي الأكبر فيما يخص القضايا الإقليمية يتمحور حول السودان، فقد كشف تحقيق لـ«مدى مصر»، نُشر في نوفمبر الماضي، أن القاهرة أعادت مراجعة سياساتها تجاه السودان، خاصة بعد سقوط مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي بيد قوات الدعم السريع، المدعومة بسلاح وعتاد ترسله الإمارات عبر مسارات مختلفة أبرزها ليبيا، ما أثار مخاوف مصر وأطراف أخرى من أن تتمكن «الدعم السريع» من «ركوب موجة» هذا الانتصار وتسيطر على السودان بأكمله. لتقرر مصر تجاوز الأطر الدبلوماسية المتاحة، والتي أثبتت عدم فعاليتها، وعلى رأسها اللجنة الرباعية الدولية التي تضم إلى جانب مصر، السعودية والإمارات والولايات المتحدة.

مسؤول مصري تحدث إلى «مدى مصر» أواخر 2024 قبيل انعقاد أول اجتماع لمجلس التعاون الاستراتيجي المصري-التركي، أوضح أن التنافس بين الحليفين الرئيسيين للقاهرة، السعودية والإمارات، أدى إلى «مفارقة لافتة»، تمثلت في تقارب المصالح المصرية في المنطقة مع قطر وتركيا، الخصمين السابقين لحكومة الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وكشف أربعة مسؤولين مصريين، إلى جانب إلى عدة مصادر عسكرية سودانية في الخطوط الأمامية، لـ«مدى مصر» في نوفمبر الماضي، عن تنسيق عسكري مشترك بين مصر وتركيا والجيش السوداني، يشمل تعاونًا عملياتيًا ميدانيًا وإمدادات بالسلاح والذخيرة.

«ضباط الجيش التركي سيُشرفون على العمليات الميدانية باستخدام مدافع آلية متقدمة تركية الصنع، مع تكثيف الهجمات الاستراتيجية على نقاط تجمع الدعم السريع باستخدام المسيّرات»، وتُستخدم المسيرات في استهداف طرق إمداد السلاح بدعم من قواعد جوية مصرية وسودانية، بحسب أحد المصادر.

ويمتد التوافق المصري التركي إلى ملف الوساطة لمنع الهجمات الأمريكية المحتملة على إيران، واستئناف المفاوضات، إذ يتفق الطرفان على ضرورة تجنب اندلاع حرب جديدة في المنطقة. وكانت تركيا سعت لاستضافة المفاوضات في إسطنبول، والتي كان مقررًا عقدها غدًا بحضور أطراف عربية أخرى من بينها مصر والإمارات، قبل أن تُنقل إلى مسقط لأسباب لم تتضح. وفي هذا السياق، أجرى السيسي، قبل أيام، اتصالًا هاتفيًا بالرئيس الإيراني، طلب خلاله الأخير ضمانات أمريكية بعدم شن هجمات على إيران في أثناء المفاوضات، بحسب تقارير إعلامية.

ورغم خطورة القضايا الإقليمية المدرجة على جدول أعمال الرئيسين، ظلت الصورة الأبرز هي إهداء أردوغان سيارة تركية الصنع إلى السيسي، في تقليد اعتاده الرئيس التركي خلال لقاءاته مع زعماء دول أخرى.

اقتصاديًا، تحظى العلاقات التجارية بين البلدين بأهمية متبادلة، مع ميل واضح في الميزان التجاري لصالح تركيا، إذ بلغ متوسط الواردات المصرية منها نحو ثلاثة مليارات دولار سنويًا خلال العقد الماضي، وبلغت ذروتها عام 2022، حين سجلت 3.8 مليار دولار، بحسب بيانات التجارة الخارجية للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

في المقابل، شهدت الصادرات المصرية إلى تركيا تحسنًا واضحًا منذ عام 2015، لترتفع من 1.2 مليار دولار إلى قرابة أربعة مليارات في عام 2022، قبل أن تعاود التراجع تدريجيًا إلى نحو 2.6 مليار دولار.

تزامن ذلك مع زيادة في الاستثمارات التركية، خاصة في قطاع المنسوجات، بفعل أزمة التضخم في البلدين، وارتفاع الحد الأدنى للأجور في تركيا مقارنة بمصر، ما شجع بعض المستثمرين على نقل أنشطتهم إلى مصر، للاستفادة من العمالة الأرخص. لكن بشكل عام، تشير بيانات الاستثمارات الأجنبية المُباشرة الصادرة عن البنك المركزي إلى استقرار الاستثمارات التركية عند نحو 175 مليون دولار سنويًا، منذ منتصف 2021 وحتى يوليو الماضي. 

في النهاية، تبدو العلاقات المصرية التركية قائمة على مبدأ «أنا أربح وأنت تربح»، وهو مبدأ يميز علاقات تركيا الخارجية، بحسب المصدر التركي، الذي أشار إلى أن «مصر تحتاج تركيا في مجالات الصناعات الدفاعية والاستقلالية الدفاعية، بينما تحتاج تركيا إلى مصر في ملف شرق المتوسط. لذا أعتقد أن الأمر متكافئ، ويبدو أن الدولتين نجحتا في إذابة الجليد بين وإغلاق الملفات الشائكة»، بحسب تعبيره.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن