تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
صورة غزة

صورة غزة

كتابة: سارة رفقي 8 دقيقة قراءة

أعادت حرب غزة تشكيل الفضاء البصري للنضال الفلسطيني، بضخها أيقونات وصورًا جديدة، لها أثرها على المخيلة الجمعية. من الباراشوت إلى لقطة درون السنوار والنهر الجاري بينهما، تفتح الصور نقاشًا عن الخيال المقاوِم، عن إلهامه المحفز أو تخديره الموضعي أو تحوله إلى أيقونات مجانية. ما هو خيال الصور المولّدة من رحم «7 أكتوبر»، في زمن عُملته الصور الدوارة على الشبكة العنكبوتية؟

هنا تتأمل الكاتبة صورة أخرى لغزة، مضادة لصورتها المكرسة بفعل الإبادة، من خلال التجول في أرشيف المصور كيغام جغليان الذي قدم صغيرًا إلى غزة، طالبًا اللجوء، إثر نجاته من الإبادة الأرمنية عام 1915.

امرأة تستلقي على العشب، تذكّر قليلًا بوضعية أوداليسك، لكنها ترتدي فستانًا وتدرأ أشعة الشمس عن عينيها. وفي صورة أكبر، امرأة داكنة الشعر بقميص تزينه نقوش من الزهور، وتشقّقات بامتداد الصورة. صبي يقف في فسحة الطبيعة يثبّت نظره على عدسة الكاميرا، محدّقًا بثبات. على شاطئ البحر، يتمدد رجل أنفاسه تتصاعد من النرجيلة. مراهقة بنطالها بثنيات، تبتسم بلا اكتراث، تتكئ على مكتب الحرس الوطني. رجالٌ يأكلون فيما يحدّق صبي في الكاميرا، يداه وفمه ممتلئان بالأرز. تشي جيفارا محاطٌ بحشد صغير. قارب يبحر.

قابلات -تحت التدريب- تحتضنَّ دمية رضيع. ممرضتان يتوسطهما وليد. ممرضة عجوز تحمل مولودًا وصل لتوّه، إلى جانبها صبي تشع من وجهه ابتسامة عريضة. شبان يتضاحكون ويمرحون بقذف رضيع نحو السماء. رجل يعزف على البيانو في استرخاء. وثبات راقصين في لقطة. وفي الصف، فتيات تتأملن صورة فوتوغرافية. حسن البنا يقف شابًا في بدلته المكويّة وسط الحديقة. فوق الرؤوس تأزُّ الطائرات.

المسجد العمري الكبير شامخ. صورة لزفاف: فتحة الصدر لفستان العروس ورجل يعتمر عمامة يرتدي نظارات داكنة. وجوه وقورة يتداخل بعضها ببعض، الصور متراكبة، تتماهى حدودها. لقطات باهتة، ألبومات لاكها الزمن، نيجاتيف مهترئة، طباعة لامعة. صور قديمة بالأبيض والأسود وعليها تجاعيد الزمن وحفره، حِدتُ عنها بخطوة أتفادى انعكاس وجهي على زجاجها. تحلُّق الأطفال حول رأس خس يضحكون. صبي يقف مباعدًا بين ساقيه يرنو إلى الأمام، خلفه طائرة ثنائية الأجنحة تابعة للأمم المتحدة. طفلان يتشبثان بطاحونة هوائية؛ وثلاثة بزيّ الكاوبوي. جمل، ثم فتاة تقف بثبات فوق قارب، يدها إلى السماء. جمعٌ في أبهى زينته استعدادًا لحفل تنكري: ممرضات، وراهبات، ومرتدو الكيمونو، وراقصة شرقية. رجالٌ بثياب النساء، ونساءٌ بثياب الرجال. يول برينر يبتسم.

إطارات من بهجة لا تعبأ بالوقار. ظلال عشاق ووحيدين تتلاشى في غروبٍ غائم بدرجات الرمادي. موائد منمقة تلمع فوقها كؤوس من الكريستال الفاخر، وتُرفَع نخب احتفالٍ ما.

رجل وامرأة بصحبة ستة أطفال يتحلقون حول مفرش تكسوه المربعات، مستغرقون في حل الواجبات. قوات الاحتلال الإسرائيلي تتقهقر في شارع عمر المختار. جنود بزيّ رسمي، ربما فلسطينيون، يتخذون وضعية التصوير فوق سكة الحديد. آخران يقفان أمام سيارة جيب تابعة لـ«الأونروا»، بزيّ مكويّ ووجوه جامدة.

تصاحبني صورة لرجل، مشرأبٌّ وعيناه تحملقان في السماء، يبتسم ابتسامة رقيقة. جميلة بغير التفات، تجد ركنًا في ذاكرتي وإن بدت سهلة النسيان.

caption

انتهى المطاف بكيغام جغليان في غزّة، طفلاً لاجئًا إليها من سوريا -وناجيًا من الإبادة الأرمنية عام 1915. كسب رزقه بالتقاط الصور ونقش الوشوم على جلد البريطانيين، قبل أن يستقر في غزّة مع زوجته زيارِت نكاشيان. وظلّ يصوّر بالاستوديو الخاص به -كيغام- حتى وفاته عام 1981.

الإرث، كما يروي حفيده، اتخذ هيئة معرض متنقّل -خاتمة لتاريخ لم يُدَوَّن. بلغت مأساة ضياع الاستوديو وتدمير معظم أرشيفه ذروتها حين قُتل آخر الأمناء: مروان ترزي، في 19 أكتوبر 2023، إبان الإبادة المستمرّة. سقط ترزي وزوجته وحفيدته حين قصف الاحتلال كنيسة الروم الأرثوذكس. يقدم المعرض -في مقطع مصوّر- «ترزي» كمدخل لعالم استديو كيغام.

أغضب بينما يروي لي كيغام عمّا واجه من مشاقَّ وتردد من المتاحف الإقليمية ورفضها المساعدة في إنقاذ أرشيف استوديو كيغام أو حفظه. المعرض ليس سوى جزء صغير مما تبقى، يقول لي، فالعرض بأسره، الذي يبدو لي غامرًا، جاء من ثلاث علب تحوي شرائط نيجاتيف، عُثر عليها أثناء تفتيشه خزانة العائلة في القاهرة. العلب الحمراء، معروضة أيضًا، إلى جانب الكاميرات القديمة والوثائق. إحداها لفتت انتباهي: رسالة كتبها جدّ كيغام إلى الحاكم العام لغزّة في 9 نوفمبر 1956. تضمنت هذه الرسالة قائمة بالأشياء التي تضررت أو فُقدت من الاستوديو بعد أن اقتحمه الجنود الإسرائيليون عنوةً «بحجة طلقة خرجت منه» يوم الجمعة 2 نوفمبر.

caption

في زيارة قريبة إلى مخيم اليرموك في سوريا، شاهدت لأول مرة وبنفسي، هذا الدمار الواسع. كأني بالمخيم صورة ممتدة، أنقاض، وحطام، وبقايا السقالات -لا يسجل عقلي سوى الرمادي. وهذا ما ترآته غزة لي. لقد تلمست هذه الصورة يوميًا وأنا أتلمّس آلاف الصور، لما يزيد عن 400 يوم. لم تمحُ الهدنة الصورة المستمرة للأزمة الإنسانية، لكنها قدّمت وقفة للتفكير في كيف يمكننا تصويرها مع انحسار العنف.

الحرب في غزة هي أكثر إبادة جماعية موثَّقة في التاريخ الحديث. التعرّض المتكرر لمشاهدها يُنتج شكلًا من أشكال التناقض. تصبح الإعادة الآلية لمشاركة الصور في النهاية مزعجة. تشيع صور العنف، فنألفها. الطريقة الوحيدة لتخيل غزة هي من خلال تصوير دمارها. الصورة، كما يخبرني قلبي، ضرورية -فهي تركّز الانتباه على الإبادة الجماعية. تصوير الأزمة الإنسانية في غزة هو تمثيل للمقاومة الاستثنائية ونضال الشعب الفلسطيني. إنها توثّق الكفاح المستمر من أجل إقامة دولته وتحصِّن ذاكرة الفقدان في مواجهة النسيان. «أعظم حرب شنها الفلسطينيون بوصفهم شعبًا هي حرب بخصوص حقهم الشرعي في استحضار ذاكرة تخصهم، ومع ذلك الحضور، حقهم في الامتلاك وحقهم في استرداد واقع تاريخي جمعي أقله منذ أن بدأت الحركة الصهيونية...» إدوارد سعيد. صورة غزة هي استلابها.

يخبرنا إيال ويزمان وأريلا أزولاي، في «أهون الشرور الممكنة: العنف الإنساني من آرنت إلى غزة»[1]، أنّ الأنقاض تصبح مواقعًا يتجمع حولها الناس، مع الدمار في المركز. هذه الفضاءات الجمعية -«الأنقاض»، كما تقول أزولاي- تصبح علامات على القوة الاستعمارية. يظل الاستعمار والعنف، وإنْ غاب المستعمِر، حاضرين دائمًا في الصورة الإنسانية/الإغاثية (the humanitarian image).

caption

تعود تاريخ الصورة الإغاثية لغزة إلى منتصف القرن العشرين، تقريبًا من 1948 إلى 1968، حين كانت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين «الأونروا» تنكب على توثيق ما يجري في غزة، لأغراض جمع التبرعات في المقام الأول. كان التركيز الفوتوغرافي منصبًا على التهجير القسري، وغالبًا ما كان يُعرض خارج سياقه: مخيمات، وفلسطينيون نازحون داخليًا يصطفون للحصول على حصص الطعام والمؤن، ومدارس ومشافي وبُنى تحتية مدمرة بسبب القصف. الأرشيف الأشمل الذي نعرفه هو أرشيف «الأونروا»، ويركز على العمل المجتمعي والرعائي. أما الأرشيف الرقمي الحي الذي يوثق الإبادة الجماعية المستمرة فيواصل النمو يومًا بعد يوم، في امتدادٍ لخط «الأونروا».

لكن هناك تاريخ من الممارسات النقدية في صناعة الصور تقاوم صراحةً الصورة الاغاثية لغزة. بعد زيارتي لمعرض «Unboxing» [فتح صندوق]، التفت إلى كتاب «غزة على الشاشة»[2]، الذي جاء من رحم مهرجان سينمائي في جامعة كولومبيا في نيويورك عام 2019. الكتاب، وأوصي بقراءته به بشدة، ومساهماته بأقلام صناع أفلام وباحثين غزيين يقدم حجة نقدية حول كيفية تفكيرنا في صور غزة بما يتجاوز وظيفة التوثيق ولتصبح أساسًا لتحفيز وإدامة التضامن، مع فتح المجال للإمكانات ولمستقبل مختلف.

أريد أن أتخيل غزة، ولكن ليس كصورة. غزة قريبة، لكنّها كانت تبدو لي دائمًا باعتبارها تجريد. لم أزر فلسطين -لـ الآن. لكن حين حاولت أن أتخيل غزة -قبل الحرب- لجأت إلى مقال علاء عبد الفتاح، «غزة: أن تكون حبيس انتصارك». زار علاء غزة في تلك اللحظة الانتقالية القصيرة حين كانت الحدود مع غزة مفتوحة، إبان فترة حكم جماعة الإخوان المسلمين القصيرة. على عكس بيت لحم والقدس، لم تكن غزّة ملهمة/أيقونة. يصف علاء وصوله إلى القطاع «بمنطق السائح»، بحثًا عن خراب الحرب، المباني المدمرة، والتدمير النمطي. يقول علاء: «لا نرى الأنقاض لأن أهل غزة مشغولون بالحياة، يفكون الحديد المسلح من أنقاض المباني ويفردونه، يطحنون الأنقاض ليستخدموها في صناعة أسمنت وطوب جديد... أتبحث عن الأنقاض والحطام والركام وتتجاهل من رأيتَهم بنفسك يفردون حديدا لوته القنابل ليبنوا بيوتا جديدة؟»

caption

الأهمية السياسية لمعرض مثل «Unboxing» لا تحتاج إلى إيضاح. إذ يقدم صورة مضادة صارخة لغزة التي اعتدنا أن نراها -غزة المستعمَرة، المدمرة، والتي سُطِّحَت إلى صورة أزمة إنسانية ودمار لا يمكن إصلاحه. «Unboxing» يقطع هذه السردية. ويعيد تأهيل المتلقي، لكن الأهم من ذلك أنّه يقدم شيئًا ثوريًا: صورة لغزة عادية: غزة اللحظات اليومية، الحيوية والمليئة بالحياة- مدينة كوزموبوليتانية، نشطة سياسيًا، متنوعة ثقافيًا، مشمسة كالعادة، مفتوحة على البحر الأبيض المتوسط.

وتركيز الأنظار هذا على غزة في تلك اللحظة التاريخية المفصلية بين عامي 1947-1948، ينبّهنا إلى ما وصفه داريل لي بـ«مفارقة الانتصار الصهيوني في 1948»، حيث تدفقت جموع النازحين الفلسطينيين غربًا واستقرت في القطاع، تحدهم صحراء سيناء بتضاريسها القاسية. بيد أنّ استحضار غزة ما قبل عام النكبة بات ضرورة ملحة من الناحية السياسية. وهنا يرتفع صوت غسان كنفاني محذرًا من اختزال النضال الفلسطيني في لحظة إقامة إسرائيل، وكأن في ذلك محوًا لامتداده التاريخي. يغتال روح القضية ويطمس عقودًا من الهيمنة الاستعمارية -سواء أكانت بريطانية، أم استيطانية صهيونية، أم تلك التي تلطَّت لاحقًا خلف قناع التدخل الإنساني.

أما مقاربة فلسطين بمنطق الضحية، وتضخيمها عبر صور الدمار المتناثرة في كل مكان، فيكثّفها  كمجرد صورة إنسانية لأزمة. وفي غياب الصورة المضادة، يتعرض الكفاح الثوري للشعب الفلسطيني لخطر الذوبان في بحر الشفقة وظلال التعاطف الباهتة، بدلًا من أن يكون شرارة تشعل التضامن الحقيقي -أو بالأحرى، صوتًا يصدح بالحقيقة. وفي أعماق وعينا، ندرك هذا الأمر-فحين أطل علينا قائد حركة حماس الراحل، يحيى السنوار في وثائقي «الجزيرة» الأخير، يمشي بين الركام، ملتحفًا عباءته، مبتسمًا كأنّه نبوءة قديمة، أسرتنا تلك الصورة، وأثارت اهتمامًا نقديًا وتحليليًا. نتلهف إلى تلك الصورة المضادة.

لقد لاقت دعوة غسان كنفاني إلى أدب وفن يتفاعل مع المقاومة -ضاربٍ جذوره في تاريخ يعود إلى ما قبل 1948- في معرض «Unboxing» صدىً واضحًا. المعرض، في حميميته الهادئة، الخالي من التظاهر الاستعراض، يشدِّد على غزة، وبالتبعية، على فلسطين كلها عميقة الجذور وعصية على الإنكار.

caption

*تشكر الكاتبة أحمد دومة على مساعدتها في إيجاد بعض الألفاظ المناسبة.

هوامش

1 Weizman, Eyal. 2011. The Least of All Possible Evils : Humanitarian Violence from Arendt to Gaza. London: Verso.

2 Yaqub, Nadia G., ed. 2023. Gaza on Screen. Durham: Duke University Press. https://www.degruyter.com/document/isbn/9781478093602/html.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#القضية الفلسطينية

غزة: التمثيل والخيال والسلطة

 أعادت حرب غزة تشكيل الفضاء البصري للنضال الفلسطيني، بضخها أيقونات وصورًا جديدة، لها أثرها على المخيلة الجمعية. من الباراشوت إلى لقطة درون السنوار والنهر الجاري بينهما، تفتح الصور نقاشًا عن…

محمد صبحي 9 دقيقة قراءة
#فنون بصرية

صورة النصر

محاولة لفهم أثر مشهد السنوار الأخير عليه وعلى كثيرين

مَحمد هُوجْلا-كَلْفَتْ 11 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن