تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
غزة: التمثيل والخيال والسلطة

غزة: التمثيل والخيال والسلطة

كتابة: محمد صبحي 9 دقيقة قراءة

 أعادت حرب غزة تشكيل الفضاء البصري للنضال الفلسطيني، بضخها أيقونات وصورًا جديدة، لها أثرها على المخيلة الجمعية. من الباراشوت إلى لقطة درون السنوار والنهر الجاري بينهما، تفتح الصور نقاشًا عن الخيال المقاوِم، عن إلهامه المحفز أو تخديره الموضعي أو تحوله لأيقونات مجانية. ما هو خيال الصور الموّلدة من رحم «7 أكتوبر»، في زمن عُملته الصور الدوارة على الشبكة العنكبوتية؟

هنا يحاول الكاتب تأمل الديناميكيات بين الخيال النقدي والسُلطة وعلاقات القوة المتفاعلة بينهما، ويتساءل هل يمكن إلغاء الخيال كليًا بإخضاعه لتوجيهات السلطة، متخذًا من رُعب الصور القادم من غزة منطَلقًا في التحليل. 

ماذا يعني أن تمثل؟ ربما، عندما نتحدث عن التمثيل، من الضروري أيضًا استحضار الخيال في المقام الأول. تلك القدرة الفردية والجماعية، التي نبني منها علاقات بين الصور، والتي يمكننا من خلالها خلق العالم وإصلاحه وإعادة ترتيبه. عبر الخيال، يظهر لنا الآخرون بطريقة معيّنة، وبالتالي نتمكّن من تفسيرهم/ تأويلهم وربطهم بصورة ذهنية وإدراكية ما. لكن الخيال في حدّ ذاته ليس مَلَكة معزولة، بل مندمج في علاقات قوة تحدّد إمكانياته. لا يقتصر الأمر على تحديد السلطة بشكل مطلق إمكانيات الخيال، بل أيضًا تحديد الموارد التي يعمل منها/ عبرها.

إذن، لدينا الآن على الأقل عنصران يمكن التفسير بهما.. الخيال والسلطة. هذه الأخيرة، كما قال ميشيل فوكو، ليست مجرد مسألة خارجية عن الأجساد والذاتيات، بل قوة ذاتية وخلاقة، منتجة للأجساد. ومن هذا المنظور، يبدو أن مشكلة التمثيل مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالطريقة التي يمكن أن تتفاعل بها علاقات القوة مع قدرات الخيال. فهل يمكن إلغاء الخيال كليًا بإخضاعه لتوجيهات السلطة؟

هل نستطيع العيش في مجتمعات لا يحكمها سوى إرادة القلة، النخب، المعبَّر عنها من خلال شبكة من علاقات القوة؟ ربما هذه التصوّر الرهيب ما أراد جيورجيو أجامبين تسليط الضوء عليه عندما استخدم مفهوم الحياة العارية، أي الحياة المتروكة بالكامل تحت رحمة علاقات القوة، الأمر الذي يمكن أن يفضي في نهاية المطاف إلى حياة لا تُسلَّم فحسب إلى قوى قسرية قاهرة، وإنما أيضًا إلى الإبادة/ الفناء. هنا يستخدم أجامبين المصطلح الألماني Muselmann (ويعني مسلمون، استخدم لوصف سجناء الحرب العالمية الثانية في معسكرات الاعتقال النازية للدلالة على هؤلاء المساجين الذين يعانون من أعراض المجاعة والإنهاك وتُركوا ليلاقوا موتهم الوشيك) الذي استخدمه في الأصل مواطنه بريمو ليفي (1919-1987): «جسدٌ عاجز، استسلم تمامًا لقوة خطّطت لتدميره مسبقًا».  

جادل أجامبين بأنّ معسكر أوشفيتس، الذي يمثّل بالنسبة إليه رمزًا للهولوكست اليهودي، مكان تتدهوّر فيه الطاقة الإنسانية تمامًا ويُدمّر البشر قبل إبادتهم، منتبهًا لتركيز ليفي على قضية كرامة الإنسان أو بالأحرى فقدانها تحت وطأة الاحتلال. ويركّز أغامبين كثيرًا من تحليله على شخصية موسلمان والذي كما يقول ليفي «يلامس القاع»، أي فقد الوعي الواعي لنفسه وبيئته، فقد وعيه بنفسه ككائن مفكّر ومدرك، وسقط تحت مستوى ما نعتبره إنسانيًا وأصبح كتلة حيوية خاملة تقريبًا.

لكن، أليست شخصية الجسد المهزوم والمستسلم للإبادة نوعًا من الحلم المثالي للحاكم الفاشي أو الاستعماري؟ أليست الأحلام الاستشراقية -عن شعوب بلا تاريخ، جاهزة ومنفتحة تمامًا للدخول تحت جناح/إمرة فاتحيها/ غزاتها- تتجلّى بطريقة ما في ذلك الجسد العاجز المفعول به؟ أليس موسلمان شخصية محتملة بين كثيرين آخرين، مثل شخصية اليهودي المقاوم في الجيتو اليهودي بوارسو؟ وبالتالي، ألا تتحقق إمكانية التحرّر وانتشار أشكال المقاومة في الوقت نفسه مع وقوع الإبادة المؤكدة؟

وهنا يظهر سؤال أساسي للتفكير في مشكلة الخيال. لأن هذه المَلَكة اللافتة تبدو وكأنها لا تمتلك القدرة على الاستقبال السلبي فحسب، بل تمتلك أيضًا القدرة على إعادة ترتيب عناصر الثقافة ونقلها وإعادة تموضعها. ما أودّ اقتراحه، إذن، أن الخيال يعمل كقوة تفاعل مع سلطة لا يمكن إبادتها (القوة) حقًا إلا عندما تتخذ السلطة طابع الإبادة الجماعية، أي عندما تنطفئ الحياة، وبالتالي لا يمكنها التخيُّل.

ولذلك، فإن ما يحدث في غزة يُعدّ نموذجيًا. فحيث وجدت القوة طرقًا فعّالة لإبادة آلاف البشر، بدأ الخيال في الانتشار على نحو لم يسبق له مثيل. وقد انتشر، بطبيعة الحال، بين الفلسطينيين أنفسهم، الذين تحدّوا، عبر أشكال مختلفة من المقاومة السلمية والعنيفة، خطاب الهيمنة للتمثيلات التي خلقتها إسرائيل. التمثيلات المستندة إلى ثنائيات تبسيطية ومضلّلة، حيث الخير والشرّ مجرد أفكار مثل الديمقراطية والحرية والأمن، والتي عندما تتدخّل فيها علاقات القوة من جانب النخب، تصبح مجرد مفاهيم فارغة. ولهذا السبب تنتشر المقاومة، والخيال أيضًا، خارج عالم الفلسطينيين أنفسهم، وخاصة في المجتمعات الغربية، حيث يُظهِر الترويج للتمثيلات القائمة على هذه الثنائيات أيضًا المسافة الهائلة بين خيال الشعوب وممارسة السلطة من جانب دولهم.

ولن يكون مستغربًا أن يبدأ الصدع الذي شقه النموذج الفلسطيني في الاتساع، وينتهي به المطاف إلى التشكيك في مفاهيم الديمقراطية الليبرالية، والدولة، والأمن، والتي بالكاد تتماسك في ظلّ حالة مستعصية من العمى الأخلاقي يداوم على مساواة القاتل بالقتيل. وبطبيعة الحال، هذا مجرد احتمال واحد، لأن السلطة تبحث دائمًا عن أدوات وموارد لمكافحة أشكال مختلفة من علاقات الصور التي يبنيها الخيال النقدي. ولكن ما نتعامل معه على وجه التحديد هو التفكير في هذا الصدع.

***

لا ينبغي تجاهل أن الصدع أو الشقوق التي انفتحت في الخطاب، مرتبطة بالانتشار الهائل للصور التي تصل إلينا كل يوم، ليس عبر وسائل الإعلام التقليدية بالطبع، بل من خلال شبكات التواصل الاجتماعي. هذه الأخيرة، والتي غالبًا ما ننتقدها كثيرًا بسبب الاغتراب المستمر الذي تنتجه لدى البشر المعاصرين، أصبحت أيضًا مجالًا للصراع حيث من الممكن ظهور صور إشكالية  بسبب علاقات السلطة، فضلا طبعًا عن التشكيك في موثوقيتها، خصوصًا أننا نعيش، بشكل أو بآخر، في عصر ما بعد الحقيقة. ومن المهم، بهذا المعنى، التفكير في هذا النوع من سيولة/ تدفق الأُطر التي من خلالها مثّلت هذه الوسائط التقليدية الإنساني واللا إنساني بطريقة ثنائية.

وبينما تحاول الصحافة التقليدية الغربية إظهار تصريحات منقّحة/ مُحرّرة للقادة الإسرائيليين، حتى نعتقد أن العقلانية والدفاع عن القيم الغربية، مثل الديمقراطية والحرية، تكمن في هذا الجانب، في الوقت نفسه، تُظهر لنا وسائل التواصل الاجتماعي، هؤلاء القادة أنفسهم، في مساحات من الثقة الواضحة بخطابٍ لا يتردّدون فيه بوصف الفلسطينيين بالحيوانات البشرية، أو التحريض علانية على تدمير غزة وجعلها مكانًا لا يصلح للعيش. وهكذا ينشأ بون شاسع  بين الخيال المبني عبر صور وسردية وسائل الإعلام التقليدية، وما ينشأ عبر انتشار الصور من وسائل الإعلام غير الرسمية. المسافة بين العالمين لا يمكن أن تكون أكثر جذرية. وبطبيعة الحال، هذا لا يعني بأي حال من الأحوال أن الشبكات الاجتماعية مجرد مساحات فوضوية للمعلومات، لأنها  محكومة في المقام الأول بنماذج خوارزمية تخلق فقاعات شخصية من المعلومات. ومن ناحية أخرى، لم تتوقف هذه الوسائط غير التقليدية نفسها، بأي حال من الأحوال، عن الانتماء إلى رؤوس أموال كبيرة حاولت في الواقع السيطرة على الصور والمعلومات المنتشرة عبرها.

***

منذ بدء حرب الإبادة الجارية وردت تقارير عديدة حول الرقابة، سواء على الحسابات أو على المعلومات المنشورة، تكشف عن محاولة حقيقية للسيطرة على المعلومات على الشبكات الاجتماعية من قبل رؤوس الأموال الكبيرة، التي لا تزال خطاباته الأساسية تشبه خطابات القوى العظمى، المُدافعة بالأساس عن مصالحها، مهما طرّزت رطانتها بالحديث عن قيم ومبادئ ومُثل. لكن خيال الحرية والأفقية الذي تجلبه الشبكات الاجتماعية إلى المشهد، والذي يجعل الشركات الكبرى مربحة في نهاية المطاف، هو ما يمنعها من قتل البيزنس السائر جنبًا إلى جانب توجيه ضربة لأفكار الحرية تلك. وفي فضاء التردّد هذا، الذي لا نعرف يقينًا ما إذا كانت سيستمر لفترة طويلة، تتسلّل عناصر تتردّد السلطة في السيطرة عليها، حتى لا تبدو رقابتها فاحشة للغاية. وهذا يصبح في النهاية معلومات مضادة تسكن المساحات نفسها التي تنشر فيها السلطة وظائفها.

هناك على الأقل صدع، تبدأ منه تخيّلات جديدة في الانتشار، دون أن تتمكّن السلطة من السيطرة عليها بالكامل. والحقيقة يمكن القول بذلك، نظراً للظهور الفعّال لصور حول فلسطين منفصلة بوضوح عن الخطابات المهيمنة، وفي الواقع يكبر الشرخ، ويهدّد بشكل علني الخطاب المهيمن، الذي كرَّس الكثير من الجهد لتصنيف البشر إلى حيوات ذات أهمية وحيوات يمكن الاستغناء عنها. والآن، مع استمرار ارتباط الشبكات الاجتماعية برؤوس أموال كبيرة، وبقاء اعتمادها على خوارزمياتها القمعية والتضليلية والإلغائية، فإن مسألة الشبكات الاجتماعية كفضاء للنضال تظهر حدودها أيضًا. ولهذا السبب، وعلى ضوء صعوبة أو استحالة التخلي عنها كليَا، فإن المهمة السياسية لجيلنا هي جعل الصدوع تتكاثر في مساحات أخرى، وفي مجالات أخرى من النضال.

سحابة الحرية التي تبدو وكأنها تمنحنا إياها شبكات التواصل الاجتماعي، تجعلنا ننسى في كثير من الأحيان أن حياتنا لا تعتمد على الإطلاق على قضايا فردية بحتة. وتتفاقم هذه المشكلة بسبب وجود الشركات في نسيج حياتنا، والتي تحاول، كما هو معروف بالفعل، ربط الاستهلاك بالحرية بشكل كامل. وكلا المسألتين تحجبان العلاقات الاجتماعية والسياسية المعتمد عليها وجودنا في نهاية المطاف. ومن المفارقة أن فكرة الدولة، التي تنكرها إسرائيل على السكّان الأصليين لفلسطين، تُقدَّم لنا الآن ليس كحقيقة متعالية، بل كبناء مشروط يجب علينا أن ننشئ فيه شقوقًا جديدة تضع أشكال التمثيل وتوليد المتخيلات المرتبطة بالسلطة موضع تساؤل.

في رأيي، تظلّ الدولة الميدان الأساسي للنضال السياسي في عصرنا، وبالتالي، هناك سلسلة من الإجراءات المشتركة الواجب توجيهها نحو تحويلها ونحو استجواب الخيالات التي تشكّلها هذه الدول، سواء من خلال العلاقات التي تحافظ عليها مع الدول الأخرى، أو تلك التي تنقشها في مجتمعات تحاول في نهاية المطاف تمثيلها. إذا كانت المسيرات الجماهيرية، التي جرت في أوروبا وأفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، بشأن الإبادة الجماعية في فلسطين لم تسفر عن أي ثمرة سوى المشاركة الجماهيرية، فإن ما قد يكون واضحًا أنها نتاج صدع انفتح داخل الشبكات الاجتماعية ومساحات المعلومات المضادة، ولكننا لا نستطيع التحدث عن صدع داخل التمثيلات ذاتها المنبثقة من الدولة. وهذا يعني أن الصدوع التي تنفتح داخل الشبكات الاجتماعية لا تملك بعد القدرة على التشكيك في هياكل السلطة الحقيقية التي تقوم عليها مجتمعاتنا.

لذا فالمقاومة الساعية إلى الذهاب أبعد من ذلك، يجب على الأقل أن تعيد توجيه تصرّفات الدول نفسها، والتي، في هذا السياق المحدّد، يبدو لي أنها ليست اتجاهًا آخر سوى قطع العلاقات الدبلوماسية والعسكرية مع دولة الاحتلال، الفاعل المنفّذ للإبادة الجماعية. ومن الضروري أيضًا تمثيل السياسة والمقاومة من جديد. لأن الظروف نفسها، التي سمحت بظهور التصدعات في الخطاب المهيمن، هي تلك التي فسّرتها الفاشية الجديدة لإعادة خلق خيال رمزي قائم على الثنائيات، في عالم يبدو غير مفهوم على أساس الأضداد البسيطة، حيث الخير والشر محدّدان في جملة واحدة. ومن ثمّ، فإن مهمة المقاومة الضرورية دائمًا تتضمن بناء خطابات تستفيد، من ناحية، من الشقوق الموجودة في الخطاب المهيمن، وفي الوقت نفسه لا تقع في صيغ تبسيطية. خطابات قادرة على المزج بين غضبٍ يتجلّى في الشوارع والخواطر، ودوافع الفكر نفسه وتعقيد التحليل الدقيق الذي لا يتوقف أبدًا عن نقد نفسه.

***

إن غزة تمثل لحظة حاسمة بالنسبة للإنسانية. لحظة تساءلت فيها، كما حدث قبل أكثر من نصف قرن، عن إمكانية الإنسانية نفسها. لن يعود شيء كما كان بعد غزة، لأن رعب الصور لم يعد ملكًا لأي وسيلة إعلامية، بل إنها تدور في اتجاهات مختلفة. ويبدو أنها لم تعد تسألنا ببساطة عن تحديد أي الحيوات يجب أن نحزن عليها، وأيها لا ينبغي، بل إنها تشير إلى اللحظة التي نتحرّك فيها أخيرًا أم لا، نقاوم أم لا. ومن وجهة نظري المتواضعة، فإن عدم المقاومة اليوم يعني ببساطة التواطؤ، ليس فقط في الإبادة الجماعية، بل وفي تدمير العالم، الذي يسبقه بالطبع إفقار الخيال.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن