شروط إسرائيلية تؤخر موافقة مصر النهائية على صفقة الغاز
قال مصدران مطلعان إن مصر تؤخر الموافقة النهائية على صفقة الغاز الإسرائيلية، في ظل سعيها للتفاوض على تعديل شرطين أضافتهما الحكومة الإسرائيلية، قد يُخضعان أمن مصر الطاقي لسيطرة إسرائيلية.
وينص أحد الشرطين على بند طوارئ يسمح للحكومة الإسرائيلية بتقليص أو تعليق إمدادات الغاز إلى مصر في حالة إذا استمرت فجوة في الإمدادات المحلية لمدة 28 يومًا. أما الشرط الآخر فيتيح، اعتبارًا من المرحلة الثانية للاتفاق بدءًا من عام 2036، إمكانية خفض الكميات الموردة بنسبة تصل إلى 60%، لمدة قد تمتد إلى عام كامل، وفق إفصاح للمساهمين نشرته شركة «نيوميد إنرجي»، 17 ديسمبر الماضي، وهي إحدى الشركات العاملة في حقل «ليفياثان» البحري المسؤول عن إنتاج وتوريد كامل الكميات.
أحد المصدرين اللذين تحدثا إلى «مدى مصر» بشرط عدم الكشف عن هويتهما، وهو مسؤول أمني مطلع على شؤون الطاقة، اعتبر أن الشرط الأول «أشد خطورة»، كونه يتيح تعليقًا «فوريًا» لإمدادات الغاز إلى مصر بموجب الاتفاق، فيما قال المصدر الثاني، وهو مسؤول سابق بوزارة البترول، إن مصر تسعى لإدخال تعديلات على الاتفاق تحدّ من احتمالات تعرضها للمخاطر.
وبحسب إفصاح «نيوميد» كانت الشركة تنتظر الحصول على الموافقة النهائية من مصر بحلول 31 ديسمبر الماضي كحد أقصى لبدء تنفيذ الصفقة، إلا أن الرغبة المصرية في استمرار التفاوض على هذه الشروط -على ما يبدو- تسببت في تأجيل الموعد مرة أخرى حتى نهاية يناير الجاري، وفق إفصاح ثانٍ نُشر يوم انتهاء الموعد السابق.
ولم يتضح بعد ما إذا كانت مصر ستضطر في النهاية لقبول الشروط في صورتها الحالية أم ستنجح في الضغط لتعديلها. وحاول «مدى مصر» التواصل مع مسؤول المكتب الإعلامي بوزارة البترول، محمد داود، والمتحدثة الرسمية باسم الوزارة، عبير الشربيني، دون تلقي رد. غير أن المصادر تستبعد أن تدفع الشروط الإسرائيلية مصر إلى رفض الصفقة بالكامل.
كانت وزارة الطاقة الإسرائيلية منحت في ديسمبر الماضي موافقتها على تصدير 130 مليار متر مكعب من الغاز إلى مصر على مدار 15 عامًا، في صفقة تُقدر قيمتها بنحو 35 مليار دولار، لكنها أرفقت القرار بسلسلة شروط جديدة تمنح الوزارة صلاحيات واسعة لتقليص أو وقف الإمدادات مؤقتًا في ظروف مختلفة.
ومن بين هذه الشروط، إمكانية تفعيل شرط التقليص بنسبة تصل إلى 60% من الكميات الموردة بدءًا من عام 2036 إذا تجاوز الطلب المحلي الإسرائيلي على الغاز حجم العرض، شريطة إخطار مصر بالقرار قبل عام على الأقل. وبحسب الإفصاح، فإنه «استنادًا إلى تقييمات وزارة الطاقة من تاريخ منح الموافقة، من المتوقع حدوث مثل هذه الفجوة [في الإمدادات] بالفعل».
من جهته، قال المصدر الأمني إن هذه الشروط الجديدة «تجعل الداخل الإسرائيلي مُتحكمًا فعليًا في تصدير الغاز لمصر»، لافتًا إلى أن مصر تحاول تغيير هذه الشروط التي تحول الصفقة من تجارية إلى سياسية وأمنية بشكل صريح. وأضاف أن إسرائيل إذا توسعت في الاستيطان، على سبيل المثال، فذلك يعني نموًا في طلبها على الغاز لتوليد الكهرباء، ما يتيح لها بموجب الشروط الجديدة، تقليص كميات الغاز المُوردة إلى مصر.
وفي ظل مخاوف من احتمال استخدام إسرائيل لاتفاقية الغاز كورقة ضغط سياسية على مصر، يصر المسؤولون المصريون على أن الصفقة «اقتصادية بحتة»، حيث أكد رئيس الوزراء أن مصر لن تسمح لإسرائيل باستخدام الصفقة لإجبارها على قبول مقترحات تتعلق بتهجير الفلسطينيين من قطاع غزة.
وأشار المصدران، إلى جانب مسؤول مصري سابق مطلع على العلاقات الإسرائيلية المصرية، إلى قلق القاهرة من أن الاتفاق الحالي لا يضمن حدًا أدنى من الإمدادات، ولا يتضمن أي شروط جزائية تلزم إسرائيل بتعويض مصر إذا تخلفت عن توريد الكميات المتفق عليها، الأمر الذي يجعل من الصعب على مصر اللجوء للتحكيم الدولي، خاصة أن الاتفاق -سواء صفقة 2018 الأصلية أو الممددة لـ2040- يتيح لإسرائيل التذرع ببند «الظرف القاهر»، الذي يسمح بخرق العقد في حال وقوع «ظروف غير متوقعة» من بينها الحرب، حسبما قال المصدر الأمني.
وسبق لإسرائيل أن خفضت أو علقت إمدادات الغاز إلى مصر مؤقتًا في خمس مناسبات منذ عام 2023، سواء خلال «طوفان الأقصى» في 7 أكتوبر، أو عند إغلاق حقول الغاز قبيل شن ضربات جوية على إيران تحسبًا لردود انتقامية إيرانية.
وبحسب إفصاح «نيوميد إنيرجي»، فإن أي خفض مؤقت في كميات الغاز الموردة إلى مصر لن يؤثر على إجمالي كميات الاتفاق الجديد، إذ يمكن تسليم الكميات المؤجلة في وقت لاحق، لكن المسؤول السابق بوزارة البترول أكد أن مصر تسعى للتفاوض من أجل شروط تضمن حمايتها من أي خفض أو تعليق من وزارة الطاقة الإسرائيلية، وتكفل حدًا أدنى من الإمدادات.
يرى المصدران، إلى جانب مسؤول حالي بوزارة البترول، أن الموقف التفاوضي لمصر بات أقوى اليوم مقارنة بما كان عليه سابقًا، في ظل امتلاكها بدائل متعددة، من بينها البنية التحتية التي تستأجرها، والقادرة على تغويز شحنات الغاز المسال بطاقة تصل إلى 2.7 مليار قدم مكعب يوميًا.
وخلال الأسابيع القليلة الماضية، وقّعت مصر اتفاقيتين مع الولايات المتحدة وقطر، لتوريد 104 شحنات من الغاز المُسال، تتسلمها مصر على مدار العام الجاري، بأسعار تفضيلية لمصر، كما ألمح الجانب القطري إلى إمكانية توفير إمدادات إضافية طويلة الأجل لمصر. وتشير المصادر كذلك إلى الأعمال الجارية لربط البنية التحتية المصرية بحقول الغاز البحرية القبرصية، بما يعزز تدفق الإمدادات لمصر مستقبلًا.
ورغم أن هذه البدائل تقلل من اعتماد مصر على إسرائيل، فإن القاهرة تسعى في نهاية المطاف إلى تأمين الإمدادات الإسرائيلية، لانخفاض أسعارها بشكل كبير مقارنة بالغاز المُسال المستورد، بحسب المصادر.
ويرى المصدر الأمني أن مصر تُعول على استمرار الضغوط الأمريكية على إسرائيل للتوصل إلى تسوية بشأن الشروط التي ترفضها القاهرة. وكانت مصادر تحدثت سابقًا إلى «مدى مصر» أشارت إلى أن الولايات المتحدة مارست ضغوطًا كبيرة لتأمين موافقة إسرائيل على التصدير أواخر العام الماضي، مدفوعة بمصالح اقتصادية مباشرة، ممثلة في دور شركة «شيفرون» الأمريكية في تطوير وإدارة حقل «ليفياثان».
وأضاف المصدر الأمني أن إتمام الصفقة سيتطلب تقديم تنازلات من الجانبين، مُرجحًا إتمامها في نهاية المطاف، «فإسرائيل ليس لديها منفذ آخر للغاز إلا مصر».
كانت شركات تشغيل حقل «ليفياثان» وهي: «شيفرون» الأمريكية و«ريشيو إنيرجيز» و«نيوميد إنيرجي»، أجلت الموعد النهائي لاستيفاء متطلبات إتمام الصفقة حتى نهاية يناير الجاري، وفق إفصاح نشرته «نيوميد» نهاية ديسمبر الماضي. وتنص الشروط الأولية للصفقة على إتمامها واتخاذ القرار النهائي للاستثمار بحلول مارس كحد أقصى، وهو ما يتطلب موافقة مصر، بما يشمل التزام الشركات باستثمار 2.5 مليار دولار لتوسعة الإنتاج في «ليفياثان»، وهو ما سيؤدي إلى تفعيل تنفيذ الصفقة فورًا.
تقارير ذات صلة
بعد رفع أسعار الوقود.. متى تتخلى الحكومة عن دعم غاز المصانع؟
الاعتراض الأول على خطط التحرير سيأتي من المستثمرين الخليجيين بكبرى شركات الأسمدة في مصر
مجددًا.. حرب إيران تهدد الاقتصاد المصري الهش بعد أشهر من الاستقرار
قوة التداعيات على الاقتصاد بكل مستوياته مرهونة بالأمد الذي قد تصل إليه الحرب
سوق الطاقة الشمسية يستعيد «صافي القياس» بشروط جديدة
هدد قرار وقف العمل بـ«صافي القياس» بقتل الطلب على بناء وتركيب وحدات طاقة شمسية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن