تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
س وج مع هانيا الشلقامي | كيف تكون الحماية الاجتماعية قاطرة للنمو؟

س وج مع هانيا الشلقامي | كيف تكون الحماية الاجتماعية قاطرة للنمو؟

كتابة: بيسان كساب 7 دقيقة قراءة

أجرينا هذا الحوار مع هانيا الشلقامي٬ أستاذة الأنثروبولوجيا والأستاذة المُشاركة بمركز البحوث الاجتماعية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، بعد جلسة نقاش حول سياسات الاستجابة الحمائية للعمالة غير المنظمة أثناء جائحة كورونا والتي نظمها مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية والملتقى العربي للحماية الاجتماعية من كوفيد.

في هذا الحوار٬ قدمت الشلقامي رؤية للتفكير في الحماية الاجتماعية في مصر من منطلق ما كشفت عنه تجربة التداعيات الاقتصادية لتفشي فيروس كورونا. الشلقامي٬ التي صممت برنامجي تكافل وكرامة للدعم النقدي المشروط والمُطبّق منذ العام 2014، تتحدث عن هذين البرنامجين، فضلًا عن برنامج آخر هو المساعدات المؤقتة للعمالة غير المُنتظمة المتضررة من تفشي كورونا، لتخلص إلى ضرورة تخيّل برامج حماية اجتماعية تقوم على فكرة الدمج، وبالتالي تمثل قاطرة في النمو.

مدى مصر: ما الذي كشفت عنه جائحة كورونا فيما يتعلق بالحماية الاجتماعية؟ 

هانيا الشلقامي: من وجهة نظري، كشفت جائحة كورونا عن قصور التفكير في الحماية الاجتماعية. ما أقصده هنا هو قصور التفكير لا التنفيذ٬ يحدث التفكير في الحماية الاجتماعية في مصر باعتبارها مجرد احتياج مؤقت لا كمنظومة اجتماعية تمكن من حماية حقيقية لتخطي المشاكل التي ستحدث بشكل حتمي. فما كشفت عنه الجائحة هو أن التفكير السائد في الحماية الاجتماعية هو ضرورة أن تكون مؤقتة بالإضافة طبعًا إلى النظر إليها في الكثير من الأحيان باعتبارها تمثل هدرًا أو ما شابه. وفي المقابل، فقد حقق برنامجا كرامة وتكافل كنموذج على الحماية الدائمة نجاحًا واضحًا في التخفيف من أثر الجائحة، فهناك حاليًا 15 مليون فرد يحصلون على تحويلات نقدية لم يكونوا يحصلون عليها في السابق. جائحة كورونا كشفت عن الحاجة إلى هذا النمط من المساندة بلا شك.

مدى: ماذا عن نظام المساندة المُستحدَّث مؤقتًا للعمالة غير المنتظمة؟

الشلقامي: أحب أن أوضح أولًا أن العمالة المؤقتة ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي عمالة تتمتع بإنتاجية عالية ومرونة تسمحا لها بانتهاز الفرص المُتاحة في الاقتصاد المصري. لا يمكن النظر للعمالة غير المنتظمة كمشكلة بكل ما تتمتع به من قدرات على المواءمة لدرجة أن يقضي أحدهم يومًا كاملًا أو يبيت في الشارع ليعمل كسائس للسيارات فقط لأنه يرى في هذه الوظيفة فرصة. في واقع الأمر أن المشكلة هي مشكلة الاقتصاد المصري في صورته الحالية٬ والذي لا يتيح فرص عمل تستوعب إنتاجية الناس. لكن في المقابل، لاحظت أن ثمة آراء رائجة تنظر إلى أن الأولوية الآن والحل هو تحويل العمالة غير المنتظمة نحو العمل الدائم المنتظم بآلياته وسُبل حمايته. من وجهة نظري، هذا فكر عقيم. العمالة غير المنتظمة واسعة الانتشار جدًا، ويستخدمها مثلًا القطاع الخاص الرسمي من خلال شركات إلحاق العمالة مثلًا. الأولوية الآن يجب أن تكون حماية المشتغلين. هذه الحماية لا يمكن أن تتحقق إلا بالتوقف عن التفكير في «تسليع» الحماية الاجتماعية، هذا التسليع الذي يتجلى في ربط الحماية الاجتماعية بحجم الاشتراكات التي يدفعها العاملون، وبضرورة دفعها أصلًا.  

مدى: ما الذي يجب فعله إذًا بالنسبة للعمالة غير المُنتظمة؟ 

الشلقامي: الدولة من مصلحتها أن تدفع مقابل اشتراكات العمالة غير المُنتظمة ضمن نظام يؤسس لهذا الغرض. ومن مصلحة الدولة أيضًا أن تتيح آليات تمويل وحماية للمدخرات تشجع العامل على الادخار. مثلًا، يجب أن يُتاح للعامل المؤقت الادخار بشكل مرن وقتما يستطيع٬ لأن عمله غير دائم، وأن يكون الحافز على دفع الاشتراكات هو أن تساهم الدولة بقدر ما يدخر [العامل] بحد أقصى يُتفق عليه ضمن منظومة للحماية الاجتماعية. وعلى هذا الأساس، ينبغي ألا تنظر الدولة لهذه المنظومة الحمائية باعتبارها «فلوس رايحة في الأرض» بل يجب أن نشجع الادخار على النحو الذي يناسب العمالة غير المستقرة والموسمية وغير المنتظمة عبر تحفيزها.. ادخارك مثلًا يعني بوليصة تأمين واشتراكات تدفعها الدولة وخطة صحية وتأمين صحي كحزمة حمائية. مصلحة الدولة نفسها أن يعمل الجميع، وبالتالي محاولة لتحفيز الناس على العمل، لا أن يبقى أحد يعيش عالة على أسرته أو على المجتمع.

أود أيضًا الإشارة إلى أن هذا النظام يمثل قاطرة للنمو، لأن الدولة ستتكلف أكثر بكثير مما يمكن أن تنفقه على هذا النظام الحمائي حين تلجأ إلى ارتجال أنظمة للحماية في وقت الأزمات. كل مَن سيضطر إلى تسريب أطفاله من المدارس مثلًا لتوفير نفقاتهم، يمثل عبئًا تنمويًا، ستواجهه الدولة في النهاية. كما ستواجه الدولة تدهورًا في مؤشرات الفقر والتنمية البشرية، إن عاجلًا أم آجلًا، فقط لأنها لم تلتفت إلى ضرورة تأسيس نظام حمائي دائم في الوقت المناسب.

بالإضافة إلى كل ما سبق، هناك جانب من الأمر يجري إغفاله عادة: توفير البنية الأساسية التي تتيح نوع من الحماية الاجتماعية أمر مكلف ويستغرق وقتًا طويلًا، كما هو الحال فيما يتعلق بالبنية المعلوماتية مثلًا. ففي حالة «كرامة» و«تكافل» هناك قواعد معلوماتية عن الفقر، ومَن ينطبق عليهم هذا الوصف وفقًا لمعايير معينة استغرقت وقتًا طويلًا لتحديدها، لكن باكتمالها تمكنت [الحكومة] من استخدامها في مواجهة تداعيات جائحة كورونا للسماح بضم مزيد من الأسر واستهدافها على نحو صحيح وتعديل معايير الفقر بما يكفل ذلك. أعتقد أن العكس هو ما حدث فيما يتعلق بالنظام المؤقت لدعم العمالة غير المنتظمة، فالبنية المعلوماتية حول هذه العمالة غير متوفرة أصلًا. اعتمدت الدولة في استهداف تلك العمالة على سجلات وزارة القوى العاملة في كل محافظة وهي سجلات فقيرة جدًا، ثم فُتح باب التسجيل في مكاتب العمل أو في مكاتب البريد، في ظل زحام شديد بالتزامن مع تفشي كورونا. كما أمكن التسجيل عبر مكتب شكاوى تابع لرئاسة الجمهورية. لم يستطع الكثيرون التسجيل بطبيعة الحال. بعدها قررت الدولة اللجوء لشركات المقاولات الكبرى التي تعتمد على تشغيل العمالة [غير المنتظمة] مقابل أجر يومي، واستندت [الحكومة] إلى قواعد بيانات هذه الشركات، فبالتالي يحق لنا أن نسأل كم امرأة إذًا استفادت من تلك التحويلات النقدية للعمالة غير المُنتظمة أو الموسمية، لأن الاستناد إلى قواعد بيانات شركات المقاولات يعني ضمنيًا استبعاد النساء بشكل شبه كامل كون هذه الشركات لا تعتمد إلا على تشغيل الذكور. أعتقد أن عدد النساء المُستفيدات من تلك المساعدات عمومًا قليل للغاية أو معدوم لكن المعلومة الرسمية غير متوفرة. كل هذا يدل على أن بناء نظام حماية اجتماعية يجب أن يتم قبل وقوع الأزمات، لا بعد انتظار حدوث تلك الأزمات. وفي واقع الأمر، لابد أن يتعدى مفهوم الحماية الاجتماعية مفهوم الكفاية وصولًا إلى مفهوم الدمج الاجتماعي.

مدى: هل يمكنك تقديم تعريف للدمج الاجتماعي؟ 

الشلقامي: الدمج الاجتماعي هو الاحتياجات الآنية والمستقبلية، ويتجاوز فكرة توفير الحد الأدنى من الكفاية. على المدى الطويل٬ حين يتم التجاوز عن التعامل مع التعليم كسلعة، هذا دمج اجتماعي. وكذلك  الحال بالنسبة للصحة، إتاحة لقاح فيروس كورونا مجانًا بشكل معمم يمثل نمطًا من الدمج الاجتماعي. منظومة الحقوق الأساسية حين تتوفر بشكل غير تسليعي هذا هو الدمج الاجتماعي. إذا جرت التفرقة بين الناس لدرجة اتساع هوة كبيرة للغاية في توفر الحقوق الأساسية بسبب تسليعها سيتجلى ذلك في انفصال الأغنى والأكثر شعوريًا إلى حد عدم الإقبال على الإدلاء بصوتهم في الاستحقاقات الانتخابية، لذلك فالنظام السياسي -من وجهة نظري- يحتاج للدمج الاجتماعي.

مدى: هل يمكن القول إن الدمج الاجتماعي هو أنماط من الدعم المُعمم تسمح بالمساواة بين أفراد المجتمع في الحصول على بعض الحقوق التي تتجاوز الحقوق المُتعلقة بالبقاء على قيد الحياة؟ 

الشلقامي: التعريف الأدق هو إتاحة حقيقية للحقوق الأساسية. كمثال على ذلك، كما تستثمر الدولة في الابتكار مثلًا عليها الاستثمار في تعليم الأقل حظًا ووصول الاستثمار في الابتكار إلى المناطق المحرومة لأن وظيفتها تتخطى توفير الحد الأدنى من الكفاية وصولًا إلى الدمج. هذا ما حدث فعلًا في برنامج تكافل، بسبب ما يتمتع به مستحقوه من إعفاء من المصروفات الدراسية على سبيل المثال. هذا دمج اجتماعي لأسر كان يمكن أن تكون غير مهتمة بالتعليم، وهو دمج تمّ لأن البرنامج كان ينظر للحماية باعتبارها تتجاوز تحسين الوضع المادي للأسر. انعكس هذا المفهوم بشكل واضح على تلك الأسر في وقت الجائحة، لأن أوضاع تلك الأسر المُصنفة كأسر فقيرة أصبحت في كثير من الأحيان أفضل من أسر أقل فقرًا لا تتحصل على هذا الدعم بعدما فقدت [الأسر الأقل فقرا] مصادر رزقها بسبب الجائحة، بالإضافة إلى تحملها المصروفات الدراسية، بعكس الأسر المتمتعة بالتحويلات النقدية. لذلك، فأي نظام جديد للحماية الاجتماعية يجب أن يتضمن مميزات غير مادية.

يفترض أن التأمين الصحي الشامل سيقوم بهذا الدور [الدمج] فيما يتعلق بالصحة. ينبغي أيضًا ألا ننسى أن الدعم التمويني أيضًا يشمل جوانب للدمج الاجتماعي، فالدعم يصل إلى شرائح أوسع نطاقًا بكثير من الشرائح التي تحتاج هذا الدعم للبقاء على قيد الحياة. هذا النظام أثبت كفاءة كبيرة كطوق نجاة في وقت الجائحة، وبدلًا من النظر له على هذا الأساس، يُنظر له في أحيان كثيرة كنظام مكلف يتعرض للنقد الدائم، ولا نسمع أي أصوات تطالب بتطويره لإتاحة سلع مغذية للأطفال مثلًا.

في واقع الأمر، تطوير أنظمة الدمج الاجتماعي، والتوقف عن النظر إليها كعبء ينبغي التخفف منه هو أمر لن يتوقف من وجهة نظري إلا بضرائب تصاعدية عادلة، تمثل تمويلًا مستدامًا لتلك الأنظمة، وإلا سنبقى دائمًا في حلقة التساؤل حول آليات تمويل الحماية والدمج الاجتماعي.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن