تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
قانون جديد لـ«تكافل وكرامة».. الدولة بين فتح «حنفية الدعم» وإغلاقها

قانون جديد لـ«تكافل وكرامة».. الدولة بين فتح «حنفية الدعم» وإغلاقها

كتابة: بيسان كساب 14 دقيقة قراءة

من المنتظر أن يتم تمرير قانون «الضمان الاجتماعي والدعم النقدي»، خلال الأيام المقبلة، ليقنن عمليًا أوضاعًا مستقرة، وذلك بعد نحو عشر سنوات من إطلاق برنامجي تكافل وكرامة.

يهدف القانون الجديد إلى الانتقال من النظام الحالي الذي يعتمد على قرارات صادرة عن رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ملحقة بقانون الضمان الاجتماعي، إلى قانون قائم بذاته، يلغي قانون الضمان الاجتماعي نفسه، بحسب مسؤول بارز في وزارة التضامن الاجتماعي على صلة مباشرة بنظام عمل «تكافل وكرامة» وبعملية إعداد القانون. «الوزارة ألغت عمليًا أي وجود لمعاش الضمان الاجتماعي عبر تحويل كل الحاصلين عليه إلى معاشي تكافل وكرامة»، يقول المسؤول.

يذكر أن برنامجي تكافل وكرامة يقدمان دعمًا نقديًا موجهًا لفئات محددة. يعد «تكافل» نظامًا مشروطًا يوفر المعاشات للأسر التي تعول أطفالًا في سن الدراسة مقابل انتظامهم في الحضور بالمدرسة، بالإضافة إلى توفير الرعاية الصحية لهم، فيما يستهدف «كرامة» الفئات الأكبر سنًا والمعاقين. أما معاش الضمان الاجتماعي، الذي أُطلق عام 2010، فيهدف إلى تقديم مساعدات شهرية واستثنائية للفقراء، دون تحديد فئات بعينها. 

ارتبط برنامجا تكافل وكرامة ببدء تطبيق إجراءات تقشفية الطابع، ضمن ما يعرف بإجراءات الإصلاح الاقتصادي، والتي بدأت برفع أسعار المواد البترولية عام 2014، في محاولة للتخفيف من تأثيرات تلك الإجراءات على الطبقات الفقيرة، وفقًا لورقة بحثية صادرة عن الجامعة الأمريكية في القاهرة. 

لكن، الورقة نفسها، التي صدرت عام 2019، أشارت إلى أن قطاعات كبيرة من الفقراء لم تشملهم تلك المساعدات لأسباب تتعلق بمعايير الاستبعاد. ما يثير تساؤلات حول قدرة القانون الجديد على مواجهة تحديات الفقر بشكل عام، سواء من خلال آلية الاستهداف أو حجم الدعم. 

ينص القانون الجديد بالفعل على أن لكل مواطن تحت خط الفقر القومي ولا يتمتع بنظام التأمين الاجتماعي، الحق في التقدم للحصول على الدعم النقدي سواء بصفة دائمة أو مؤقتة. في الوقت نفسه، نص القانون الجديد يُخفف من أي التزام بتغطية جميع مستحقي الدعم حتى إذا استوفوا الشروط، في حال عدم توافر الموارد الكافية. يرتبط ذلك بمستوى حجم الدعم نفسه، فالقانون لا يلزم الحكومة برفعه وفق معايير أو إلى مستويات محددة، بل يترك قرار رفعه إلى رئيس الوزراء. 

وفي العام المالي الحالي، تستهدف الحكومة تغطية نحو 22 مليون فرد بتلك المعاشات، أي ما يعادل 20.5% من السكان تقريبًا. 

في الوقت نفسه، تشير تقديرات مستشارة الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، هبة الليثي، في دراسة مستقلة، إلى أن نسبة الفقر ارتفعت لتصل إلى 35.7% في عام 2022/2023، وارتفاع خط الفقر إلى 1478 جنيهًا شهريًا للفرد، وارتفاع خط الفقر المدقع، المرتبط بالعجز عن توفير الطعام، إلى 1069 جنيهًا شهريًا.

من جهته، أوضح المصدر في وزارة التضامن الاجتماعي أن القانون الجديد لا يستهدف تحقيق أي تغطية مشابهة لتغطية دعم السلع التموينية والخبز، والتي تشمل أكثر من ثلثي السكان، كما لا يهدف أصلًا إلى تغطية جميع الفقراء في مصر، بناءً على معايير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المرتبطة بخط الفقر القومي، «فالوصول إلى تغطية الفقراء في مصر وفقًا لهذا المعيار سيعني أن معاشات تكافل وكرامة ينبغي أن تصل إلى ما يتراوح بين 30% إلى 40% من السكان، وهو أمر صعب للغاية» يضيف المصدر.

ضعف التمويل المخصص للبرنامجين، بحسب مسؤول سابق في وزارة التضامن الاجتماعي، يظهر في طول الفترة التي يستغرقها الفرد أو الأسرة للحصول على الموافقة، بسبب تطابق أوضاع المتقدمين مع شروط البرنامجين، دون توافر موارد مالية كافية. 

حنان*، ربة منزل وزوجة لرجل أربعيني يعاني من إعاقة في يده ويستفيد من معاش كرامة، تقول لـ«مدى مصر» إن التقدم بالأوراق والموافقة على هذا المعاش استغرقا نحو سنة. 

تقول حنان، التي تسكن وزوجها وثلاثة من الأبناء في غرفة واحدة يبلغ إيجارها الشهري 150 جنيهًا، إن الإعاقة التي يعاني منها زوجها في أصابع يده لا تسمح له إلا بممارسة أعمال محدودة متقطعة، وهو ما يمنحه صفة «أرزقي»، ما يجعل وجود دعم نقدي ثابت كمعاش كرامة تغييرًا إيجابيًا كبيرًا للأسرة. 

بالنسبة لحنان وأسرتها، كان الحصول على هذا الدعم مفتاحًا لتلقي الدعم التمويني بدءًا من عام 2020، بعد أن أصبح نظام تكافل وكرامة يمهد الطريق للحصول على الدعم التمويني. ومع ذلك، فقد اقتصر الدعم التمويني على فردين، هي وزوجها، بواقع 50 جنيهًا لكل منهما، في حين باءت محاولاتها لإضافة أبنائها بالفشل. كما سمح الحصول على معاش كرامة لحنان بإعفاء شبه كامل من المصروفات الدراسية لأبنائها الملتحقين بمدرسة تجريبية. القانون الجديد يقنن هذا الوضع: الحصول على التموين، والإعفاء من المصروفات الدراسية ورسوم مجموعات التقوية المدرسية والمصروفات الدراسية بالجامعات الحكومية. 

تحصل الأسرة حاليًا على دعم من «كرامة» قدره 700 جنيه، بزيادة 250 جنيهًا تقريبًا عن قيمته حين حصلت عليه للمرة الأولى، «بس وقتها كانت الدنيا حلوة [الأسعار أقل]»، تقول حنان، مضيفة «كنت لما بقبض زمان بجيب فرختين، دلوقتي فرخة واحدة». 

تراجع القدرة الشرائية للمعاش تزامن مع تراجع القيمة الحقيقية للدعم التمويني الذي ظل ثابتًا منذ حصولها عليه. «كنت في الأول بجيب بتاع أربع أزايز زيت وتلات أكياس مكرونة، دلوقتي إزازتين زيت وكيس مكرونة»، تضيف حنان التي تواجه أيضًا ارتفاع أسعار الخبز المدعم، «وده فارق معايا كتير»، على حد قولها.

الحل بالنسبة لحنان بسيط: «يا إما يضيفوا العيال على التموين، يا إما يزودوا المعاش».

لكن المسؤول الحالي في وزارة التضامن الاجتماعي يقول لـ«مدى مصر» إن «الوزارة لا تستهدف تعديل نمط زيادة قيم معاشات تكافل وكرامة، وإنما سيستمر العمل بالوضع الحالي وهو الاعتماد على الزيادات المرتبطة برؤية الحكومة في الأوقات التي يرتفع فيها التضخم، لكن دون ارتباط مباشر بمؤشرات التضخم السنوية، بحيث ترتفع قيمة المعاشات تلقائيًا مع صدور تلك البيانات».

وينص القانون على أن يصدر قرار من مجلس الوزراء، بناءً على عرض الوزير المختص ووزير المالية، بتحديد قيمة الدعم النقدي الشهري والحد الأدنى والأقصى له، وتتم مراجعة قيمة الدعم كل ثلاث سنوات بعد صدور نتائج بحث الدخل والإنفاق للسنة السابقة. 

يُجرى بحث الدخل والإنفاق من خلال مسح واسع النطاق للأسر ومستوى إنفاقها ومعيشتها، مع تصنيفها إلى عشر شرائح، للوصول إلى عدد واسع من البيانات أهمها قياس مستوى الفقر. كشف آخر بحث صدر عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، في ديسمبر 2020، أن نسبة الفقر بلغت 29.7%. ورغم أن هذا البحث يفترض أن يُجرى كل سنتين، فإن نتائج البحث الجديد لم تُعلن حتى الآن. 

تنتقد الليثي، المشرفة على بحث الدخل والإنفاق، استمرار عدم ربط هذه المعاشات بمعدلات التضخم، مشيرة إلى أن تجاهل هذا الربط يعني استمرار فقدان تلك المعاشات لقيمتها. 

«من المهم هنا أن نفهم أن معاش تكافل بالذات مؤقت بطبيعته، ولا يفترض أن يستمر، لأنه مُسكن للفقر وليس دواءً له، لهذا السبب كانت القواعد النظرية التي لم تنفذ عمليًا منذ نشأة البرنامج تشمل مراجعة كل ثلاث سنوات لأوضاع المستفيدين للتأكد من أنهم ما زالوا يستحقون هذا الدعم»، تقول الليثي، مضيفة «السؤال هنا هو كيفية خروجهم من الفقر أصلًا الذي يتسبب في حاجتهم إلى هذا الدعم، وهو سؤال لا يجيب عنه نظام تكافل وكرامة نفسه، بل بقية أنظمة الدعم والسياسات الاجتماعية». 

وتوضح الليثي «المثال الأبرز هنا هي الشروط المتعلقة بالالتزام بالانتظام في الدراسة لأبناء أسر نظام تكافل. المشكلة هنا أن التعليم غير كفء ولن يساعد تلك الأسر على الخروج من دائرة الفقر، خاصة أن رداءته هي السبب في حاجة تلك الأسر الفقيرة للإنفاق على الدروس الخصوصية، كما أن غياب السياسات الاجتماعية للبيئة التي يفترض أن يعمل ضمنها نظام الدعم النقدي تحد من كفاءته كنظام للدعم المؤقت». 

المسؤول السابق في وزارة التضامن الاجتماعي يشرح لـ«مدى مصر» أن برنامجي تكافل وكرامة يستبعدان الأسر المتمتعة بالتأمينات الاجتماعية، بافتراض أن وجود تأمين اجتماعي يعني وجود دخل دائم ومنتظم للأسرة، بغض النظر عن حجم هذا الدخل. الفكرة هنا، تبعًا للمصدر، أن ما «قد يبدو من تشدد معايير نظامي تكافل وكرامة، والتي تشمل قائمة من أسباب الاستبعاد، سببها العيب الرئيسي في النظام بصورة عامة، المتمثل في عجزه عن أداء دوره الأصلي في ظل السياق الذي نشأ فيه، وهو تعويض الفقراء عن إجراءات الإصلاح الاقتصادي». 

على سبيل المثال، تحتاج أسرتا كل من سعيدة وصباح، وهما ربتا أسرة في الأربعينيات من العمر، إلى دعم جمعيات أهلية بإمبابة. بعد أن فشلتا في الحصول على معاش تكافل، رغم أن أبناءهما في مراحل التعليم المختلفة، بسبب وجود ملف تأميني لزوجيهما، كما قيل لهما في مكتب الشؤون الاجتماعية. 

لا يتقاضى زوج سعيدة أكثر من 2500 جنيه شهريًا، رغم أن الحد الأدنى للأجور في القطاع الحكومي يبلغ 6000 جنيه حاليًا. تواجه الأسرة فقرها من خلال عمل الزوج الإضافي في مخابز خاصة، ليتمكن من جني نحو 2000 جنيه إضافية. كما تساهم سعيدة في الدخل من خلال عمل متقطع وهامشي هو «توضيب» الخضراوات، أي تقشيرها وإعدادها للطبخ، وهو الدخل الذي لا يتجاوز في أفضل الأحيان 500 جنيه، «عشان الناس هنا [في إمبابة] غلابة مش هتلاقي واحدة عاوزة تدفع عشان توضب الخضار، تقولك لا هوضب بنفسي»، تقول سعيدة. 

أما صباح، فتواجه وضعًا أصعب، كونها زوجة شبه منفصلة عن زوج يعمل بشكل متقطع ولا ينفق إلا نادرًا على الأسرة، لهذا السبب فالأسرة لا تملك أي مصدر للدخل الذي ينحصر في المساعدات الخيرية التي تبلغ حوالي 1200 جنيه شهريًا، بالإضافة إلى جزء من علاجها من مرض السكري الذي تتلقاه من العيادة الخارجية الملحقة بأحد المساجد. 

توصلت صباح إلى قائمة من المصادر الخيرية، من ضمنها جمعية خيرية تمنحها مساعدة موجهة لزوجها باعتباره مريضًا بالسرطان، وهو ما اعترفت صباح باختلاقه عبر تقارير طبية لم توضح كيفية الحصول عليها. 

تشمل معايير الاستبعاد الحالية قائمة طويلة من الحالات، منها على سبيل المثال العمل بأجر شهري منتظم يعادل 1600 جنيه للأسرة المكونة من أربعة أفراد، حتى لو كان هذا العمل دون تأمين اجتماعي، أو الحصول على مساعدة من جمعية أهلية بقيمة 400 جنيه شهريًا. أما المادة 33 في القانون الجديد، فتنص على إيقاف الدعم النقدي للأفراد والأسر إذا «رفض الأفراد أو أرباب الأسر المستفيدة من الدعم النقدي القادرين على العمل فرص التوظف أو كسب العيش التي توفرها لهم الجهة الإدارية، بالتنسيق مع الوزارة المختصة بالعمل، ثلاث مرات دون عذر مقبول». وتحيل تلك المادة التفاصيل المرتبطة بطرق وإجراءات وآليات عرض فرص العمل أو إقامة المشروعات وحالات الرفض بعذر غير مقبول إلى اللائحة التنفيذية للقانون. 

المسؤول السابق في الوزارة يرى أن استبعاد الأسر التي يرفض أفرادها الالتحاق بالأعمال التي توفرها الوزارة «يمثل في حقيقة الأمر نصًا خطيرًا يستهدف بوضوح تقليص أعداد المستفيدين». ويضيف «تجربتي الشخصية فيما يتعلق بالكثير من الوظائف التي يتيحها القطاع الخاص في إطار التعاون مع المنظمات الأهلية لمساعدة الأسر الفقيرة والتي تسمى بمشروعات التدريب والتوظيف كانت تشير إلى معدل دوران عالي جدًا للعمالة [فقدان العمالة للوظائف واستبدالها بغيرها]، وكنت ألاحظ في أحيان كثيرة أن نسبة الاستمرار في الوظائف لا تتعدى 25%، لأسباب كثيرة منها أن شروط الوظيفة يتبين لاحقًا أنها مختلفة عما أبلغ به العامل منذ البداية، كما أن المشروعات الصغيرة التي تتاح في معظم الأحيان كانت تنتهي بالفشل بسبب نقص الخبرة».

وعند سؤاله عن التحديات التي قد تواجهها بعض النساء في هذه الوظائف، نظرًا لتقاليد المجتمعات المحلية في الريف والصعيد مثلًا بصورة خاصة، يقول المسؤول السابق إن اللائحة التنفيذية للقانون يفترض أن تعالج التفاصيل المتعلقة بأمور كتلك، مضيفًا «قد تسمح اللائحة التنفيذية مثلًا بأن توجه للنساء وظائف يمكن أن تؤدى من المنزل». 

ينص القانون أيضًا على وقف صرف الدعم النقدي بعد ستة أشهر من الالتحاق بعمل، وبعد عام في حالة توفير مشروع، دون أن يحدد ما إذا كان ذلك يرتبط بحد أدنى معين من الأجر أو الربح، أو بعمل مثلًا يوفر تأمينات اجتماعية من عدمه. 

أستاذ التشريعات الاجتماعية ووزير التضامن الأسبق، أحمد حسن البرعي، يرى أن «الربط بين العمل واستحقاق الدعم ليس أمرًا مرفوضًا من حيث المبدأ، لكن الأمر كله يرتبط بالتفاصيل عمليًا، وهي تفاصيل ترتبط بدورها باللائحة التنفيذية». ويشير البرعي إلى نص القانون بفقدان الدعم في حالة الحصول على عمل، «هنا لا بد من التأكيد على أن فقدان العمل لأسباب لا يد للعامل فيها ينبغي أن يؤدي إلى عودته للتمتع بالدعم، كما أن ثمة مبدأ أساسي وهو أن الأجر الناتج عن هذا العمل أعلى من هذا الدعم، بالإضافة إلى ضرورة توافر شروط أساسية في العمل نفسه ليكون ملائمًا، وهي شروط كلها ينبغي أن تتضمنها اللائحة التنفيذية».

أسباب الاستبعاد الأخرى، القائمة حاليًا، والمتوقع إدراجها في اللائحة التنفيذية للقانون، وفقًا للمسؤول الحالي في الوزارة، تعرض لها أبو محمود، وهو حارس عقار في حي راقٍ بالقاهرة، ولا يشمله التأمين الاجتماعي. كان قد بدأ وأسرته في تلقي هذا الدعم عام 2015، «تقريبًا» حسبما يقول أبو محمود لـ«مدى مصر» معتمدًا على الذاكرة، أو في كل الأحوال «أول ما سمعنا عنه، والغلابة اللي زينا بيعرفوا الحاجات دي على طول». سارت الإجراءات بشكل سلس نسبيًا، و«ساعتها كانت الدنيا سهلة شوية وسمعنا بعدها إنها بقت أصعب والحكومة بقت بتشدد عشان فيه ناس قدموا ومكانوش يستحقوا».

بعدها، حرمت أسرة أبو محمود من الدعم النقدي لمدة ثلاث سنوات كاملة، بعدما اضطرت لإلحاق إحدى بناتها بمدرسة ثانوية تجارية خاصة، «عشان إحنا ناس صعايدة وأنا لقيت المدرسة الحكومي في حتة كلها مدارس صبيان وطبعًا معاكسات بقى وأنتي عارفة»، يقول أبو محمود: «كمان المدرسة دي كانت هتبهدلها في المواصلات وأنا مش عاوز أبهدل بنتي». 

لم تتعد مصروفات تلك المدرسة الخاصة ثلاثة آلاف جنيه سنويًا، لكن ذلك كان كافيًا لوقف صرف معاش تكافل تلقائيًا، لأن معايير الإقصاء من البرنامج المعمول بها حاليًا تشمل وجود الأبناء في مدارس خاصة تزيد مصروفاتها السنوية على ألفين جنيه مصري للطفل الواحد. توقف الدعم في الوقت الذي اشتدت فيه حاجة الأسرة عمليًا له لتغطية النفقات الإضافية لتعليم ابنتها، وهي واحدة من أربعة أبناء. 

وبمجرد انتهاء دراسة الابنة في تلك المدرسة، عادت الأسرة، التي لا يزيد إجمالي دخلها حاليًا على أربعة آلاف جنيه، لتلقي معاش تكافل الذي يبلغ حاليًا 600 جنيه، ويعتبره أبو محمود «النواية اللي بتسند الزير». 

ما يضيفه القانون بخصوص أسباب الاستبعاد هو ارتكاب أحد المستفيدين جريمة من ضمن قائمة طويلة من الجرائم، تشمل التسول، والاتجار بالبشر، وتعريض الطفل للخطر، وختان الإناث، والزواج المبكر، والتحرش، والتعدي على الأراضي الزراعية، بالإضافة إلى «الجرائم الأخرى المخلة بالشرف والاعتبار» وصدور أحكام باتة فيها. وبذلك، قد يسقط عن الأسرة كلها الحق في تلقي الدعم النقدي فقط لأن أحد أفرادها ارتكب واحدة من تلك الجرائم التي يفترض أن يعاقب عليها جنائيًا، وهو ما يزيد من احتمال اتساع رقعة الاستبعاد من الدعم النقدي

يدافع المسؤول السابق في وزارة التضامن الاجتماعي عن هذا التوجه قائلًا إنه يمثل مجالًا للردع، وإن التساهل أو ما يسميه بـ«الطبطبة» لا يصلح كعلاج. 

في المقابل، يرى البرعي أن النص يمثل تناقضًا واضحًا مع مبدأ شخصية العقوبة المنصوص عليه دستوريًا، والذي يحصر العقوبة على مرتكبها ولا يمكن أن تمتد إلى سواه، كما هو الحال في مثل هذا النص الذي يجبر الأسرة كلها على دفع ثمن جريمة أحد أفرادها. 

وفي كل الأحوال، «من المهم أن نتذكر في هذا السياق، أن النص كله كنص عقابي بهذا الشكل يبدو متناقضًا مع روح التشريعات الاجتماعية التي تتعامل مع الحماية الاجتماعية باعتبارها حماية للمجتمع، كما هي حماية للفرد أيضًا، لأن اختفاء الحماية تلك ستعني اتجاه الناس للجرائم»، حسبما يقول البرعي. 

كان مجلس النواب أضاف تعديلًا يسمح باستمرار الأسر المستفيدة التي صدر ضد أربابها حكمًا في أي من الجرائم المنصوص عليها بصرف 75% من قيمة الدعم النقدي المقرر لها لمدة ثلاثة أشهر من تاريخ صدور قرار إيقاف الدعم، أو لحين توفيق أوضاعها بموجب طلب جديد للحصول على الدعم النقدي. ما تضمنه مشروع القانون من الحرمان من الدعم النقدي على خلفية ارتكاب جرائم أخرى، لا يمثل توجهًا جديدًا للدولة، فقد سبق الإعلان رسميًا عن الحرمان من دعم الأسمدة، على خلفية تحرير محاضر سرقة كهرباء.

وبشكل عام، بحسب المسؤول في وزارة التضامن الاجتماعي، فالدولة كانت ترى ضرورة إلغاء معاش الضمان الاجتماعي الذي يعتمد على قواعد بيانات ورقية وغير مميكنة، كما أنه يفتقد لأسلوب المعادلة الاختبارية التي يتميز بها «تكافل وكرامة»، وهو الأسلوب المرتبط بتطبيق معايير محددة لقياس شدة الفقر بشكل كمي يسمح بترتيب أولويات الاستفادة من البرنامجين، مع إعادة تطبيقها كل فترة للتأكد من استمرار فقر المستفيدين من المعاشات. 

ويعتمد نظام تكافل وكرامة على إجراء مقابلات منزلية من قبل باحثين ميدانيين يجمعون ملاحظاتهم حول المنازل في استبيانات، بحيث تمنح درجة معينة لكل ملحوظة، مثل الأجهزة الكهربائية، ومساحة المنزل، كما يخبرنا أحد الباحثين الميدانيين السابقين الذين عملوا على جمع البيانات، وتمنح درجة إجمالية لكل استبيان، وبناءً عليه تحدد درجة الفقر والاستحقاق في البرنامج. ويأتي إجراء المقابلات في حال تمرير طلب تلقي الدعم إلكترونيًا، من حيث البيانات المسجلة كالموقف من التأمينات الاجتماعية، أو ملكية الأراضي الزراعية. 

يقول المسؤول السابق في وزارة التضامن الاجتماعي، لـ«مدى مصر» إن الوزارة اكتشفت بالتزامن مع بدء تطبيق البرنامج والعدد الكبير جدًا من الطلبات التي تلقتها، أن حجم الطلبات يفوق إمكاناتها لبحث حالتهم، وبالتالي احتاجت إلى الاستعانة بعدد كبير من الباحثين الميدانيين من غير العاملين لديها، وهو ما ساهم في ظهور حالات فساد كثيرة وتوجيه الدعم لغير مستحقيه في بداية تنفيذ المشروع، حتى إن «الدعم كان يوجه في حالات لعُمد في قرى مثلًا»، حسبما يضيف. 

وبحسب الباحث، الفرد الواحد كان يحتاج لإجراء عدد كبير من المقابلات المنزلية، في حين أن المقابل الذي يتلقاه يحتسب على أساس المقابلة الواحدة، مضيفًا: «كان يمكن أن تبدو الرشوة مجزية بعض الشيء لأن الأمر كان متكررًا، أي أن الفرد الواحد كان يمكن أن يتلقى رشاوى من عدة حالات يوميًا».

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن