تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سينما «11 سبتمبر»: الإرهاب كما رأته أمريكا

سينما «11 سبتمبر»: الإرهاب كما رأته أمريكا

كتابة: محمد صبحي 18 دقيقة قراءة

كل مَن يعرف القليل عن التاريخ وصيرورته سيعلم أن هناك لحظات معينة تحدّد العصور وتسمّي الأجيال، للأفضل أو للأسوأ. أحداث مثل انهيار وول ستريت عام 1929، والهجوم على بيرل هاربور، وسقوط جدار برلين، أو بالطبع، هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001.

هذه الأخيرة كانت بمثابة شرارة التدخل العسكري الأمريكي، أولًا في أفغانستان ثم في العراق، والذي ابتعد كل البعد عن كونه نزهة عسكرية كما اُعتقد في البداية (يرجع هذا جزئيًا إلى السهولة المذهلة التي تمكّنت بها الولايات المتحدة من تحقيق نصر ساحق على العراق في حرب الخليج في أوائل التسعينيات)، ما أدّى، بعد 20 عامًا، إلى انسحابٍ مخزٍ من أفغانستان ستدوّنه كتب التاريخ مصحوبًا بالألم والعار أكثر من المجد والفخر. 

جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر والحرب التي تلتها بمثابة صدمة للمجتمع الأمريكي، الذي تعرّض لأول مرة في تاريخه للهجوم على أرضه، ما زاد من شعوره بالعجز والضعف. الحقيقة أننا نتحدث عن حدثٍ عنى تحولًا كليًا لكل من المجتمع الأمريكي والغربي (يذهب بعض المؤرخين إلى حدّ القول إنه في ذلك اليوم بدأ القرن الحادي والعشرون حقًا)، وكما هو متوقع، فإن هذا تُرجم بطرق مختلفة في السينما، وبعضها كان خفيًا ومواربًا بشكل مدهش.

من الأهمية أن نفهم أولًا أنه في المراحل الأولى بعد «11 سبتمبر» كان هناك ردّ فعل وطني مفرط وعسكري صريح من مجتمعٍ شعر بالضعف والجرح الشديدين. في كثير من النواحي، مثلّت تلك النكبة القومية مصدر وحدة متينة بين مختلف قطاعات المجتمع الأمريكي التي وجدت أرضية مشتركة في حُزنها وحدادها على ضحايا ذلك اليوم المشؤوم، وفي رغبتها معاقبة المسؤولين عن الهجوم. أفسحت التدخلات الناجحة الأولى الطريق لصراعٍ راسخ -بقرارات وحلول معقّدة ومتشعّبة- لا يشبه بأي حال من الأحوال النزهة العسكرية التي بدت عليها عملية «عاصفة الصحراء» في أوائل التسعينيات أو حتى الانتصارات الأولية في غزو العراق وأفغانستان؛ لكن بمرور الوقت بدأ الشعب الأمريكي في التعبير عن شكوك عميقة في ما يتعلّق بحلّ الصراع.

من ناحية، بدت الكلفة الهائلة في الأرواح البشرية للجنود (بالإضافة إلى العواقب الجسدية والنفسية للعديد من المحاربين القدامى) غير كافية لتبرير جهد حربي بدا عديم الجدوى بشكل متزايد، فيما من ناحية أخرى، شكّل تكاثر الفضائح المتعلقة بالحرب في العراق وأفغانستان مصدر قلق كبير. فمع توالي التقارير والتسريبات حول انتهاكات حقوق الإنسان وجرائم الحرب من قبل القوات الأمريكية (من حالات التعذيب إلى استخدام الأسلحة المحظورة مثل الفوسفور الأبيض أو التنصت غير القانوني على المكالمات الهاتفية للأمريكيين أنفسهم)، تولّد تيار للرأي بدأ ينظر إلى الحرب ضد الإرهاب الدولي بعيون أكثر انتقادًا.

أخيرًا، سُوي النزاع بطريقة غير مألوفة إلى حد ما (أو ربما أمريكية أكثر من اللازم) بالقضاء على أسامة بن لادن والانسحاب من العراق في العام 2011، والذي سيلحقه بعد عقد من الزمن الانسحاب من أفغانستان، مما وضع نهاية (نظرية على الأقل) للحرب التي تحوّلت من هدف للدعم الحماسي الكبير من الأمريكيين إلى صفحة جديدة مؤلمة ومخزية في التاريخ الأمريكي. كل هذا التطور الأيديولوجي، كما هو متوقع، سينعكس في السينما بطرق مختلفة ومتباينة.

 بدايات غامرة

تناولت المرحلة الأولى من الأفلام والمسلسلات بعد «11 سبتمبر» بشكل مباشر مخاوف الشعب الأمريكي بشأن الإرهاب (المنعوت بالإسلامي) من خلال مسلسلات تليفزيونية مثل «24» (2001-2010، جويل سورنو) أو أفلام مثل «كتلة من الأكاذيب» (2008، ريدلي سكوت)، صوّرت الإرهاب على أنه تهديد وشيك لسلامة الأمريكيين.

نجحت هذه المنتجات السمعية-البصرية بشكل مدهش في التقاط الهشاشة التي تصوّرها العديد من مواطني الولايات المتحدة لبلدهم في مواجهة نوع جديد من الأعداء لم يفهموه وشكّل تهديدًا لم يعرفوه من قبل. وعلى الرغم من محدودية هذه الأعمال جزئيًا بالطريقة التخطيطية التي صوِّرت بها المعضلات الأخلاقية المتأصّلة في مكافحة الإرهاب، فلا يمكن إنكار أننا في كثير من الحالات نتحدث عن عمل ناجح للغاية في التقاط المشاعر والحالة العاطفية لجزء كبير من السكان الأمريكيين.

من فيلم «كتلة من الأكاذيب»

في الوقت ذاته، انعكست هجمات «11 سبتمبر» نفسها على الشاشة الكبيرة من خلال إنتاجات التقطت وضخّمت الشعور إياه بالوحدة الوطنية. تقوم أفلام مثل «مركز التجارة العالمي» (2006، أوليفر ستون) أو «يونايتد 93» (2006، بول جرينجراس) بأفلمة هذه الأحداث من خلال إظهار رؤية بطولية وإيثارية مركزها المواطن الأمريكي العادي، سعيًا منها لإبراز بطولة وملحمة ذلك المواطن المجهول الذي يجسّد قيم الأمة بأكملها. ليس صعبًا رؤية هذه الأعمال كسينما تحاول بطريقة ما إغلاق الجرح الجماعي الناجم عن هجمات بهذا الحجم.

من ناحية أخرى، غلب منظور أحداث «11 سبتمبر» على مقاربة أفلام من الفترة ذاتها تناولت موضوعات تاريخية سابقة. يمكن العثور على مثال في فيلم «ميونخ» (2005، ستيفن سبيلبرج) الذي، على الرغم من أنه يروي اغتيال مجموعة فلسطينية مسلحة لأفراد اللجنة الأولمبية الإسرائيلية في أولمبياد ميونخ 1972 وعملية الموساد اللاحقة لمطاردتهم، فإنه لا يمكن إنكار الصدى العميق الذي يحمله هذا الحساب التاريخي في ما يتعلق بأحداث مركز التجارة العالمي. يمكن قول شيء مشابه لفيلم «جارهيد» (2005، سام ميندز) الذي أعاد فيه المخرج البريطاني صياغة حرب الخليج (التي كانت، بالنسبة للعديد من المحللين، مقدمةً لغزو العراق) بطريقة إنسانية وشاملة، مشيرًا مرة أخرى إلى الواقع المعاصر للعالم بعد 11 سبتمبر. بعبارة أخرى، شهدنا إعادة تشكيل من قبل سينما هوليوود لتاريخ القرن العشرين من خلال منظور الحاضر المطبوع بكارثة.

في الوقت نفسه، كان الاهتمام المتجدد للرأي العام العالمي بالشرق الأوسط فرصة لسينما دول هذه المنطقة للحصول على شعبية دولية معيّنة لم تكن لتتحقق في ظروف أخرى (رغم مآخذ عديدة وكبيرة على هذا المدخل وسُبل تطبيقاته)، كما هو الحال مع الفيلم الأفغاني «أسامة» (2003، صدّيق برمك)، وهو ميلودراما صرفة تروي حياة فتاة أفغانية في ظلّ حكومة طالبان.

من فيلم «أسامة»

 أزمة ضمير

تطبيق منظور مشتق من أحداث «11 سبتمبر» على قصص لا علاقة لها بهذه الأحداث لم يقتصر على السينما التاريخية، بل يمكن أيضًا ملاحظة تأثير هائل لهذه الهجمات في عالم الاقتباسات السينمائية للكتب المصورة والأبطال الخارقين. أوضح مثال على ذلك هو بلا شك ثلاثية «فارس الظلام»، التي نجح عبرها المخرج كريستوفر نولان في بعث وإحياء باتمان إلى الشاشة الكبيرة. نولان مخرج هوليوودي نموذجي يلعب على روح العصر ومواضيعه وقضاياه الرائجة، أو كما سيصفه محبوه، يتمتع بقدرة هائلة على فهم التقلبات السياسية والاجتماعية للعالم من حوله والتقاطها في السينما، سواء تعلّق الأمر بقضايا تغيّر المناخ كما في «بين النجوم» (2014) و«عقيدة» (2020)، أو صعود الشعبوية والاضطرابات الاجتماعية بعد الأزمة المالية العالمية لعام 2008 كما في «نهوض فارس الظلام» (2012)، أو القوة السياسية المتنامية للشركات التجارية الكبرى كما هو موضح في «استهلال» (2010).

مواضيع مُلحّة و«سيكسي» تزخر بها أفلامه، لذلك ليس مفاجئًا كثيرًا أن نجد في الفيلمين الأولين لباتمان، نولان يكيّف عالم البطل الخارق مع واقع الولايات المتحدة المطبوع بندوب «11 سبتمبر». وهكذا، نرى في الفيلم الأول، «باتمان يبدأ» (2005) الخصم الشرير إرهابيًا يسعى إلى تدمير مدينة أمريكية لأسباب أيديولوجية، لمعاقبة الغرب على فساده الأخلاقي (وهو دافع قريب للغاية من أسانيد الإرهاب الإسلاموي في مهاجمته للغرب). لكن هذا أصبح أكثر وضوحًا في فيلمه الصادر بعد بضع سنوات، «فارس الظلام» (2008)، الذي يعتبره كثيرون أفضل أفلام الأبطال الخارقين في التاريخ، والذي يُظهر جوكر (شرير الفيلم) فوضويًا يجسّد في شخصيته مخاوف الشعب الأمريكي في مواجهة الإرهاب. نرى هنا خصمًا مهووسًا بإحداث الفوضى والدمار في الحياة اليومية للشعب الأمريكي بلا دافع منطقي ظاهريًا مثل المال أو السلطة. وبهذه الطريقة، يسلّط نولان على الجوكر الخوفَ الذي شعر به الأمريكيون من عدوٍ جديد لم يفهموه تمامًا، واستطاع إثارة خوفهم وصدمتهم عبر استخدام مزيج من الهجمات العنيفة والاستيلاء على وسائل الإعلام.

من فيلم«فارس الظلام»

ولكن إذا كان «جوكر» نولان يجسّد تمامًا خوف أمريكا من عدو عنيف لا يمكن التنبؤ به قادر على مهاجمة أي شخص في أي مكان في أعقاب هجمات «11 سبتمبر»، فإن المخرج يُظهر قدرته على أن يكون سابقًا زمنه من خلال معالجة موضوع آخر في الفيلم ذاته. في اللحظات الأخيرة من الفيلم، توصّل باتمان إلى استنتاج مفاده أن الطريقة الوحيدة لإيقاف الجوكر تكمن في استخدام جهاز مراقبة جماعي على جميع السكان. وفيما يثبت هذا التكتيك فعاليته، تظهر الإشكاليات الأخلاقية لتنفيذ مثل هذا الإجراء على الفور، ما يؤدي إلى النهاية التي يحقّق فيها باتمان انتصارًا ماديًا على الجوكر من خلال القدرة على تحجيمه ولكنه يُهزم على المستوى الأخلاقي والمعنوي، نظرًا لأنه لبلوغ غايته يُجبر على خيانة مبادئه ويصبح من نفس طينة الوحش الذي يطارده.

يعدّ هذا التحول في الحبكة انعكاسًا مثاليًا للأزمة التي نشأت خلال تلك الفترة بسبب فضائح انتهاك الخصوصية من قبل حكومة الولايات المتحدة ببرامج سرية للتجسس المكثف على الأمريكيين وكذلك الأزمة الأخلاقية التي بدأت تؤثر على الولايات المتحدة، بعد اكتشاف حالات تعذيب واستخدام غير مشروع للأسلحة وانتهاكات لحقوق الإنسان في أفغانستان والعراق. وبالتالي، واجه الأمريكيون أزمة ضمير، وتساءلوا حينها إلى أي مدى هم أنفسهم، في هذا الصراع، سيئون، أو على الأقل مشكوك بهم من الناحية الأخلاقية، مثل أعدائهم.

ففي حين أعطت الندوب الطازجة لهجمات «11 سبتمبر» نداء الحرب قبولًا قويًا بين كثير من الأمريكيين، خلال المراحل الأولى من «الحرب على الإرهاب»، بدأت الأصوات المنتقدة لردّ إدارة بوش على الهجوم الإرهابي تُسمع في المشهد السينمائي. ولعل أفضل مثال على ذلك هو الوثائقي «فهرنهايت 11/9» (2004، مايكل مور)، الفائز بجائزة السعفة الذهبية لمهرجان كانّ السينمائي، وهو عمل سياسي مثير للجدل لم يوفّر جهدًا في تفكيك عملية تلاعب إدارة بوش الابن واستخدامها السياسي للهجمات وطريقة تغطية وسائل الإعلام الإخبارية الأمريكية لتلك المواضيع. حقق الفيلم نجاحًا باهرًا، ربما لجهة التأثير أكثر منه لدقّته، غير أن فضيلته الكبرى تمثّلت في تمهيده الطريق لسلسلة من الأفلام التي بدأت في انتقاد جوانب معينة من حرب أمريكا على الإرهاب، ستصبح أكثر أهمية في السنوات التالية.

الواقع أصعب

مع تقدُّم الحرب وتدفق العودات المستمرة للجنود الأمريكيين إلى ديارهم بمشاكل جسدية أو نفسية، بدأ الرأي العام الداخلي في القلق بشأن عدم قدرة القادة العسكريين والسياسيين على حلّ النزاع بشكل نهائي. ما كان يومًا منطلقًا للوحدة الوطنية بدأ الآن في إحداث تصدعات في المجتمع، كلما بات المزيد والمزيد من الناس لا يفهمون كيف أن جيلًا كاملاً من الشباب تمت التضحية به من أجل أهداف مشكوك فيها. في هذا الصدد، يجدر تسليط الضوء على الإنتاجات التي، من دون مساءلة مباشرة لشرعية التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط، شكّكت في تعامل القادة السياسيين والعسكريين الذين بدت تصرفاتهم وقراراتهم نابعة من منهج استبدادي أو تسودها المصالح السياسية ومفتقرة للحساسية تجاه أولئك الذين حملوا حقًا ثقل الحرب على أكتافهم.

بهذا المعنى، فإن أفلام مثل «أسود للحملان» (2007، روبرت ريدفورد)، لا تتردد في إرسال رسالة، مع تسليمها المبدئي بالحاجة إلى الردّ على الإرهاب من خلال استخدام القوة، إلا أنها شكّكت في الأساليب المستخدمة لتحقيق هذا الغرض. بالنسبة للجزء الأكبر، ستسعى هذه السينما إلى التركيز على أثمان وآثار الحرب على الجيل الشاب من الجنود المشاركين فيها، الحرب التي بات ينظر إليها قطاع كبير من السكان بتشاؤم متزايد. تبدأ أفلام مثل «أخوة» (2009، جيم شريدان) و«في وادي إيلاه» (2007، بول هاجيس) و«قنّاص أمريكي» (2014، كلينت إيستوود) في تركيز سردياتها على التروما العميقة التي استتبعت مشاركة الجنود في هذا الصراع، والذين عندما عادوا إلى وطنهم، وجدوا حكومة تدير ظهرها لهم ومجتمعًا لا يستطيع فهم التضحيات والخسارات الرهيبة التي مرّوا بها.

من فيلم «أخوة»

مرة أخرى، نحن أمام سينما بأجندة محافظة إلى حدّ كبير، لا تشكّك فقط في سياسات القادة الكبار بل تمجّد بطولة الجندي الفرد، ولكنها في نفس الوقت تسلّط الضوء على وضعه كمنبوذ وعاجز وتعكس هشاشته العاطفية بعد تعرّضه لأوضاع ومواقف متطرفة. لذلك نلاحظ تغيرًا في الإحساس من حيث أن العدو لم يعد إرهابيًا بلونٍ بُنّي يتكلّم بلغة غريبة، بقدر ما أضحى هو الحرب نفسها والأهوال المتأصّلة فيها. بعبارة أخرى، هذه سينما أمّة تصطدم، بعد فترة من التمجيد والهيجان الوطني، بالعظام العارية لواقع عواقب نزاع مسلح سعت هي نفسها لإنجازه وتغذيته، باعتباره حربًا صليبية مقدسة لإنقاذ روح أمريكا والغرب.

ولكن إذا كان ثمة فيلم يصوّر هذه الخلاصة المؤسفة بطريقة بارعة، فليس سوى «خزانة الألم» (2008، كاثرين بيجيلو)، الحائز على جائزة الأوسكار، ويحكي تجربة الحرب لوحدة من فرق تفكيك المتفجرات، يبدأ فيها المجند الجديد، الرقيب ويليام جيمس (جيريمي رينر)، بفقدان سيطرته العقلية معرّضًا نفسه لمواقف محفوفة بالمخاطر بشكل متزايد، إلى أن يسيطر عليه جنون الحرب. ربما يكون الجانب الأكثر كشفًا في هذا الفيلم هو نهايته، حيث يعود البطل إلى الولايات المتحدة مع عائلته ليشعر بأنه لم يعد يناسب ذلك العالم، وأن الحياة اليومية فقدت معناها بالنسبة له، وأنه بالرغم من تمكّنه ترك الحرب إلا أنها لم تتركه. بعدها، يقرر البطل العودة إلى ساحة المعركة، المكان الذي يمثّل بالنسبة له وطنه الحقيقي. ربما تكون هذه إحدى النهايات الفيلمية التي التقطت بأفضل ما يمكن عواقب حرب العراق، التي بدأت في الظهور آنذاك، مولّدة لأول مرة منذ حرب فيتنام موجة إنتاجية واسعة النطاق لأفلام احتوت رسائل مناهضة للحرب، كلٌ حسب أجندته ومقاربته، وهو شيء نادر نسبيًا في السينما الأمريكية.

من فيلم «خزانة الألم»

ستعود بيجيلو نفسها إلى هذا الموضوع بعد بضع سنوات بفيلمها «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل»، بحكاية تتناول وقائع حملة مطاردة استمرت لعقد من الزمان في أعقاب زعيم القاعدة أسامة بن لادن بعد هجمات سبتمبر. في مركز الحكاية عميلة وكالة المخابرات المركزية مايا (جيسيكا شاستاين) تبحث جاهدة للعثور على مكان اختباء أكثر المجرمين المطلوبين في العالم، وتصبح مهووسة بهذه المطاردة، الأمر الذي سينتهي بها باللجوء إلى التعذيب والأساليب غير الأخلاقية كوسيلة لحماية بلدها من الإرهاب الدولي. وهكذا، نحن أمام شخصية تواجه الاختيار المعقّد للتضحية بمبادئها لتحقيق خير وفائدة أكبر (أو لا)، معضلة لا تتوقّف عندها وحدها وإنما تظلّل سحاباتها شعبًا بأكمله، وجد نفسه، بعدما نزع غلالته المُضلِّلة، في مواجهة الواقع.

في ذلك الوقت بدأت تظهر فضائح متعلّقة بتعذيب السجناء وأساليب الاستجواب غير القانونية، والتي يصوّرها الفيلم دون الوقوع في الثنائية المانوية التي تختصر العالم إلى ظلام ونور. التعقيد الأخلاقي للحرب يعني ضبابية تغشى رؤية الخط الفاصل بين ما هو صحيح من الناحية الأخلاقية وما هو غير ذلك، لدرجة أنه لا بطلة الفيلم، ولا نحن أنفسنا كمشاهدين، ولا دولة بأكملها مثل الولايات المتحدة، قادرة على الإشارة بشكل قاطع إلى ما هو صواب أم خطأ. في الأخير، تبلغ حمولة كل هذه التناقضات ذروتها في خاتمة حلوة ومرّة، تحقق فيها البطلة، على الورق، هدفها بالعثور على بن لادن، ولكن على حساب التضحية بمبادئها وينتهي بها الأمر إلى خسارة ذاتها عقليًا وعاطفيًا.

من فيلم «ثلاثون دقيقة بعد منتصف الليل»

عدوّي الحميم

بالتزامن مع وصول كل هذه الإنتاجات إلى صالات السينما، لم يكن عالم التليفزيون بعيدًا عن الركب. مسلسلات مثل «هوملاند» (2011-2020، هوارد جوردون وأليكس جانس)، جسّدت من جديد مخاوف الشعب الأمريكي في مواجهة عدو إرهابي قادر على التسلل إلى المجتمع ونقل أخطار ساحات القتال البعيدة إلى شوارع أحيائهم وأبواب منازلهم. ولكن إذا كان ينبغي الإشارة إلى أكثر إنتاج تليفزيوني اكتمالًا في تجسيده سيكولوجية الشعب الأمريكي بعد سقوط برجي مركز التجارة العالمي، فهو مسلسل «Battlestar Galactica» (2004-2009، رونالد د. مور، وجلين أ. لارسون)، النسخة المحدّثة من مسلسل خيال علمي كلاسيكي ظهر في أواخر السبعينيات.

في هذا الاقتباس المُعاد تخيّله ليتلائم مع عالم ما بعد «11 سبتمبر»، نرى البشرية التي، بعد رؤية كوكبها الأصلي يُقضى عليه من قبل هجوم من عِرق سيبراني يُعرف باسم «السيلونز» هدفه إبادة الجنس البشري، تهرب بحثًا عن موئل جديد (المستعمرة الثالثة عشرة الأسطورية المعروفة باسم الأرض) أثناء تعرضها لهجوم مستمر. في حين أنه ليس سرًا أن أحداث «11 سبتمبر» ألهمت صانع المسلسل الأحدث لرؤيته الجديدة للقصة (وهو أمر اعترف به هو نفسه مرات عديدة)، فإنه لا يمكن إنكار الدقة التي يشرح بها هذا العمل الفانتازي - في موسمه الأول تحديدًا - تناقضات ومخاوف سنوات الحرب على الإرهاب في الولايات المتحدة: الخط الفاصل بين الأبطال (البشر) والخصوم (السيلونز) واضح تمامًا، ولا شكّ يحضر في تحديد الطيّب والشرير. إلا أنه بتقدّم الحبكة، سنبدأ في اكتشاف أن هذا التقسيم البدائي ليس واضحًا أو سهلًا كما قد يبدو. يبدأ بعض البشر في أن يصبحوا خصومًا فيما يبدأ بعض السيلونز في الانضمام إلى جانب الأبطال، كل ذلك في نفس الوقت الذي تبدأ صراعات داخلية في الظهور بين البشر تهدّد بتفتيت وحدتهم.

من مسلسل Battlestar Galactica

يتناسب هذا التعارض تمامًا مع مجتمع أمريكي يتعيّن عليه التعبير عن حقيقتين متناقضتين، ظاهريًا على الأقل. من ناحية، فالأمريكيون في حالة حرب مع الإرهاب الأصولي (مرة أخرى، الإسلامي، كما ينعته البعض)، بينما من ناحية أخرى، يوجد في الولايات المتحدة عدد متزايد من المواطنين من الشرق الأوسط يملكون خلفية وثقافة ودين العدو. القلق بشأن الخطر الذي تشكّله الهجرة والوجود المتزايد للمواطنين الأمريكيين المسلمين هو بلا شك أحد الآثار الجانبية الكبرى لأحداث «11 سبتمبر» والحروب اللاحقة، وصولًا للوضع الحالي الذي يشهد تصاعد موجة شعبوية مناهضة للهجرة والأجانب في الديمقراطيات الغربية. سكان الولايات المتحدة، وهم مهاجرون تقليديون ومنفتحون على التنوع، يواجهون الآن اختيارًا صعبًا حول ما إذا كانوا سينظرون إلى المهاجرين من دول الشرق الأوسط والأميركيين المسلمين كأعضاء كاملين في المجتمع أو مواطنين زملاء أم كأعداء في الطابور الخامس ينتظرون فرصة للإطاحة بديمقراطيتهم العزيزة.

 شعر الأمريكيون (في كثير من الحالات بمساعدة الدعاية الحربية المستمرة التي تروّج لها وسائل الإعلام والحكومة) أن عدوهم لم ينحصر فقط في خنادق الجهة المقابلة وإنما يمكنه أيضًا العيش في الجوار. على الرغم من أنه مع منظورٍ يمتد الآن لأكثر من 20 عامًا قد يكون من السهل الإغراء بتوجيه أصابع الاتهام إلى طريقة التفكير هذه، فلا يمكن إنكار أن مورفولوجيا الإرهاب الإسلاموي نفسه عزّز تلك المخاوف منطقيًا، بما أننا نتحدث عن عدو أثبت قدرته على التسلل إلى أعماق المجتمع الأمريكي دون إثارة أي قلق أو مهاجمة الحرس الخلفي، مهدّدًا أمن وسلامة المنازل الأمريكية الوادعة. مسلسلات مثل «Battlestar Galactica» تتناول هذه المسألة بشكل مباشر وبدون الحاجة إلى أي مجمّعات سكنية، من خلال امتلاك الشجاعة لتحويل خصومها (المصوّرين في البداية كعدو متعصّب عنيد في انعكاس واضح للإرهاب الإسلاموي نفسه) إلى شخصيات ثلاثية الأبعاد ومتأنسنة في بعض الأحيان تأخذ جانب البشر.

فبينما في بداية المسلسل هناك عداء قائم على بنية وتفسير الآخر (نحن بشر وهم روبوتات، وبالتالي فالصدام بيننا محتّم بسبب اختلافاتنا المتأصّلة)، تظهر مع تقدم الحبكة رؤية مختلفة، يعتمد فيها التمييز بين الصديق والعدو على الاختيار الفردي. لم يعد العدو «عدونا» بسبب طبيعته، بل بسبب اختياراته، وتحديدًا بسبب تلك الاختيارات قد يتوقف عن كونه عدونا. بعبارة أخرى، عدم وضوح الخط الفاصل بين الصديق والعدو تناسبَ تمامًا مع الواقع الديموغرافي والاجتماعي المتزايد التعقيد في الولايات المتحدة.

الصراعات الاجتماعية وتنامي كراهية الأجانب تجاه ذوي الأصول والقادمين من الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر هي حقيقة يمكن أن نلمحها في عدد من أفلام هذه الفترة، مثل فيلم «اصطدام» (2004، بول هاجيس)، الحائز على جائزة الأوسكار، والذي بالرغم من عديد الملاحظات عليه، يطلعنا على وصمة العار التي يعاني منها هؤلاء السكان ظلمًا. يرينا الطريقة التي يعاني بها أولئك العائشين في الولايات المتحدة ليس لسبب آخر سوى السعي وراء الحلم الأمريكي، من رفض مجتمع خائف بشكل متزايد.

ينعكس صراع مماثل في فيلم «الأصولي المتردد» (2012، ميرا ناير)، عن رواية بالعنوان ذاته لمحسن حامد، حيث يُعالج هذا الصراع على الهوية من خلال شخصية البطل (ريز أحمد) الذي يتحرك في عالم من الولاءات المنقسمة (مهاجر باكستاني يريد أن يصبح وسيطًا تجاريًا في وول ستريت) وفي سبيل ذلك عليه مواجهة وصمة العار لكونه شخصًا من دولة شرق أوسطية يعيش في أمريكا ما بعد «11 سبتمبر».

من فيلم «الأصولي المتردد»

ومع ذلك، فإن هوليوود، الماكينة الضخمة لصناعة السينما، ستجلب أيضًا إلى الشاشة الكبيرة تمثيلات إيجابية لهؤلاء المهاجرين، كما في فيلم «عدّاء الطائرة الورقية» (2007، مارك فورستر)، عن رواية بالعنوان ذاته لخالد حسيني، الذي يظهر لنا ملحمة مهاجرين أفغان في الولايات المتحدة بطريقة إنسانية وحسّاسة للغاية، في خضم خلفية أحداث مضطربة وممتدة من سقوط الملكية في أفغانستان، مرورًا بالتدخل العسكري السوفييتي، فنزوح اللاجئين إلى باكستان والولايات المتحدة ومن ثم صعود نظام طالبان.

لائحة اتهام

مع انحسار أحداث «11 سبتمبر» من الذاكرة، ومع استطالة أمد الحرب في الشرق الأوسط تزامنًا مع ظهور فضائح حول الأعمال غير القانونية للجيش الأمريكي والتعذيب والتلاعب بالرأي العام لشنّ الحرب المزعومة، نما بين الأمريكيين شعور رافض للصراع. كان اهتمام الرأي العام يتحوّل من كراهية الإرهابيين إلى كراهية الحكومة نفسها والطبقة السياسية، وتعمّق شعور بعدم الثقة بالسلطة داخل المجتمع الأمريكي.

استخدمت أفلام مثل «المنطقة الخضراء» (2010، بول جرينجراس) قصصًا متخيّلة لعرض لائحة اتهام على الشاشة الكبيرة للتلاعب السياسي من قبل حكومة الولايات المتحدة من أجل الدخول في حربٍ بدت لا تقود إلى أي مكان. أو «سنودن» (2016، أوليفر ستون)، وهو فيلم روائي يعكس فضيحة برنامج التجسس الحكومي على المواطنين والاضطهاد السياسي لمفجّر الفضيحة إدوارد سنودن الذي أعقب تلك الأحداث في العام 2013.

من فيلم «المنطقة الخضراء»

 في الوقت ذاته، قدّمت مجموعة جديدة من الأفلام الوثائقية إدعاءات مماثلة من خلال سرد قصص حقيقية، كما هو الحال في فيلم «الطريق إلى جوانتانامو» (2006، مايكل وينتربوتوم، ومات وايتكروس)، وهو فيلم روائي-وثائقي يروى التجاوزات والانتهاكات التي تعرَّض لها العديد من المشتبه بهم في القاعدة الأمريكية سيئة السمعة، في عدة قضايا دون احترام حقهم في محاكمة عادلة حتى بعد فترة طويلة من اعتقالهم ودون إثبات جرمهم قانونًا. يختار الفيلم ثلاثة من المسلمين البريطانيين من المشتبه بهم لصلاتهم بالإرهاب احتجزتهم السلطات الأمريكية في القاعدة، حيث قضوا هناك عامين حتى أطلق سراحهم دون توجيه تهم إليهم.

في الآونة الأخيرة، ومن منظور أشمل لجميع الأحداث التي أعقبت «11 سبتمبر»، حاولت بعض القصص التليفزيونية الجمع بين جوانب مختلفة تبدو متناقضة أو متباعدة في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب من أجل تقديم قراءة شاملة أكثر صدقًا للوضع برمته. مثال على ذلك المسلسل البريطاني القصير «الحارس الشخصي» (2018، جيد ميركوريو)، الذي يروي قصة ديفيد بود، أحد قدامى المحاربين في حرب أفغانستان، والذي أثناء تفكيكه خلية إرهابية تخطّط لمهاجمة لندن، سيجد نفسه متورطًا في مؤامرة سياسية من شأنها فضح النوايا المكيافيلية للحكومة. وبهذه الطريقة، يسعى المسلسل البريطاني إلى إيجاد حلّ وسط بين انتقاد القرارات السياسية الملتبسة والتلاعب الممارس من قبل بعض الحكومات في ما يتعلق بمكافحة الإرهاب، من ناحية، وتحليل الأهمية المتزايدة للإرهاب الإسلاموي كتهديد للمجتمعات الغربية من ناحية أخرى.

كما رأينا، فإن عقدين من «الحرب على الإرهاب» التي شكلت نقطة تحول تاريخية في العلاقات الدولية على المستوى العالمي، تركت أثرًا لا يُمحى على السينما، والتي بدورها، كوسيط، مرّت بتحوّلات وتطوّرات عكست بجلاء تحوّلات الرأي العام نفسه. من رؤية وطنية وحدوية رأت الإرهاب الإسلاموي عدوًا أحادي البعد يهدد أسلوب الحياة الأمريكي، تطورت رؤية أكثر تعقيدًا وانتقادًا للصراع، ولا سيما نتائجه، مما أدّى، جزئيًا بسبب إرهاق المجتمع الأمريكي من جهد حربي طويل وعقيم، ونقص المصداقية الذي تعاني منه المؤسسات السياسية والعسكرية؛ إلى سلسلة من الأفلام أثارت انتقادات مدوية للطريقة التي تم بها التعامل مع مكافحة الإرهاب.

كما حدث في لحظات تاريخية فارقة أخرى من القرن الماضي، كانت السينما مؤرخًا عظيمًا للتحولات الاجتماعية والثقافية التي حدّدت، على مدى أكثر من 20 عامًا، واحدة من أهم العمليات الفارقة في التاريخ الحديث. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن