تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سينما من خارج الورش: زيارة إلى مهرجان القاهرة للفيديو

سينما من خارج الورش: زيارة إلى مهرجان القاهرة للفيديو

كتابة: لورا يو ماركس 7 دقيقة قراءة

تسنّى لي أخيرًا مشاهدة فيلم «كلّ ما نتخيّله نورًا» (2024) لِبايال كاباديا، الحائز على جائزة كان الكبرى. وقد حالفني الحظّ بمشاهدته في دار السينما، بعيدًا عن مواقع البثّ الرقمي. كان الفيلم في غاية الجمال والسموّ. أصواتٌ وثائقية عذبة في مطلع الفيلم لمهاجرين إلى مومباي؛ مُدرّسة تمريض محرومة تُعدّ وجبةً متأخّرة؛ مشهد حميميّ مفاجئ. أعجبني تحرّره من قيود السرد التقليدي، واحتفاءه بجمال الإنسان العادي. ثمّ، وشيئًا فشيئًا، بدأ الفيلم يتّخذ مسارًا مألوفًا ومريبًا: فيه لمسةٌ من الواقعية السحرية على طريقة ويراسيثاكول أبيشاتبونج، ومشاهد ليلية آسرة تُذكّرنا بأسلوب ماتي ديوب، ونهايةٌ مفتوحة غامضة. سينما بطيئة الإيقاع، ولكنّها هندية. شعرتُ وكأنّه.. خضع لورشة أخرجته على هذا النحو.

في ديسمبر 2024، زرتُ القاهرة والتقيتُ بأصدقاء قدامى أعزّاء، من بينهم المخرجة والمنتجة المتألقة، هالة لطفي، مؤسسة أفلام حصالة. بعد سنوات من صناعة الأفلام وإنتاجها، أخبرتني أنّها سئمت، ليس من صناعة الأفلام بحد ذاتها، بل من آلة السينما «المستقلة» العالمية. تحدثت لطفي عن تحول المهرجانات والورش التي تسبقها إلى خطوط إنتاج شبيهة بالمصانع هدفها جعل جميع الأفلام القادمة من الجنوب العالمي متطابقة. وأوضحت أنّ «الاستقلالية» فقدت معناها عند المخرجين بعدما أُجبِرَ هؤلاء على صناعة أو قولبة العمل وفق معايير محددة مسبقًا حال أرادوا الحصول على التمويل وعرض الفيلم. وتصديقًا لوجهة نظرها، تشيرُ قائمة الجهات الداعمة لفيلم «كل ما نتخيله نورًا»، ومن بينها جائزة روتردام المرموقة للأفلام قيد الإنجاز، إلى فيلمٍ عُجِن وقولِب ليلائم الذوق الأوروبي مع الاحتفاظ بنكهة سبايسي من مكانٍ آخر.

وفوق هذه الاستراتيجية النيوليبرالية الرأسمالية التي تقدّم العالم لـ«نتفليكس» على طبقٍ من ذهب، أوضحت لطفي أنّ السينما المستقلة في مصر ماتت. فقد اكتشفت الحكومة أنّ بوسعها فرض قوانين لابتزاز الأموال من صانعي الأفلام المصريين، لا سيما ممَن يتلقى تمويلًا أجنبيًا،على سبيل المثال، بفرض رسومٍ تصل إلى آلاف الدولارات لقاء السماح بالتصوير في شوارع القاهرة. وهذه القيود بحسب لطفي جعلت صناعة الأفلام منخفضة الكلفة مستحيلة. فالمخرج المصري إذ يعجز عن تحمّل تكاليف التصاريح، يُجبَر على رفض التمويل الدولي. وهي الآن عازمة على صنع أفلام في استقلالية جذرية، بلا أي تمويل.

ولكي أُدخِل البهجة إلى قلب لطفي، عرضتُ عليها الإعلان الترويجي لمهرجان ملفات الميديا الصغيرة (SFMF)، المهرجان الذي أسسته عام 2020 للفت الانتباه إلى البصمة الكربونية الناتجة عن بث الفيديو. ولما قرأت شعارنا «أوقفوا ديستوبيا الـ4K»، صاحت: «نعم!!». نفرض في هذا المهرجان معيارًا شبه مستحيل: يجب ألا يتجاوز معدل البت 1.44 ميجابايت في الدقيقة. لكن حتى عند معدل معتدل يبلغ عشرة ميجابايت في الدقيقة (وهو جزء ضئيل من معدل البت القياسي للفيديو)، يمكن للأفلام أن تسافر بخفة عبر الشبكات، وتشغل حيزًا صغيرًا على الخوادم، وتدير وجهها عن معيار الوضوح العالي الذي تفرضه أوساط المهرجانات السينمائية.

وفي القاهرة، زرتُ ورشة «القاهرة المضغوطة» للملفات الصغيرة للفنانة منة الشاذلي في «مدرار»، ضمن سلسلة ورش عالمية أشرفتُ على تنظيمها. على مدار ثلاث جلسات، أبدع تسعة مشاركين أعمالًا فيديوية رائعة الجمال بمعدل بت ضئيل. ففي فيلم «ثلج»، كشفت أمل شفيق كيف يمكن لضغط الفيديو أن يُلبس الجسد العاري رداءً من كتل البكسل الناعمة. أما فيلم «سيزيف» لإبراهيم ربيع، فأشبه بتنويم مغناطيسي من خلال حركات دائرية -درويشٌ يدور، وصانع حلوى غزل البنات، وسيارة تدور حول الدوّار-، كلها تبدو واضحة على دقّتها المنخفضة.

قبل فترة، انتقلت الشاذلي من القاهرة إلى ڨانكوڨر، حيث أكملت دراستها لنيل ماجستير الفنون الجميلة تحت إشرافي، متأثرة بسحر الملفات الصغيرة. ومنذ ذلك الحين، أصبحت همزة الوصل الثمينة بين المهرجان والقاهرة. وبصفتها مديرة مهرجان القاهرة للفيديو، عرضت على مدى السنوات الأربع الماضية أفلامًا صغيرة الحجم من المهرجان، إلى أن تُوّج هذا المسار بإدخال فن صناعة الملفات الصغيرة إلى المدينة من خلال ورشة «القاهرة المضغوطة».

كنتُ على مدى سنوات من المعجبات بمهرجان القاهرة للفيديو، وفي هذه الزيارة جائتني أخيرًا فرصة حضوره. يحتفي المهرجان بكل أصناف الأفلام التي لن تمر عبر فلاتر منظومة السينما المستقلة. فالرسوم المتحركة، والسرديات الغريبة، والأفلام الوثائقية الشخصية، والأفلام المقالية كلها تتجلى في كمالها ضمن شكلها القصير، ولا تسعى لأن تكون بطاقات عبور نحو فيلم روائي طويل يُصقل في الورش. وجاءت الأعمال منتقاةً بعناية من المنسقين الفنيين الشاذلي ومحمد علام وإسماعيل فايد ونادين خان، وعُرضت في سينما زاوية والمركز الثقافي الإيطالي والمعهد الفرنسي، إلى جانب المعارض في «مدرار» والمركز الثقافي الإيطالي. واشتمل المهرجان على أحاديث مع الفنانين، وقد أذهلتني، بل وأثارت غيرتي صراحةً، تلك المناقشات الحيوية التي امتدت لنصف ساعة مع الجمهور بعد أحد البرامج. ومع أنّني لم أفهم سوى بعض العامية المصرية، بدا جليًا أنّ الجمهور على درجة عالية من المعرفة والفضول، وعامراً بالآراء المتنوعة.

لاحظتُ تكرارًا مدوخًا لموضوع العوالم المتداخلة. تتمتع العديد من هذه الأعمال بحميمية ميكروسكوبية، تنقب في عوالم مادية أو افتراضية تنفتح بدورها على مساحات شاسعة، كما في فيلم الرسوم المتحركة «تقشير الأبعاد/ Peel the Dimensions» لجايهيون كيم (كوريا الجنوبية)، حيث تكشف قشرة اليوسفي عن سماء مرصعة بالغيوم. أما فيلم الرسوم المتحركة الرقمي «أغنية الانتشار/ The Song of Diffusion» لسوهين لي (كوريا الجنوبية)، فيشهد ولادة كائنات غامضة؛ إذ يتوغل بنا عبر ممر جسدي ما، لنجد أنفسنا أمام أشكال أشبه بخادرة الحشرات تنمو ولها وجوه وأطراف بشرية. لا أدري إنْ كانت أرواحًا طيبة أم بكتيريا معوية، لكن حوارًا نصيًّا يطمئننا بأنّها «ذات قلب بسيط وصافٍ، لا يريد سوى المساعدة.» وفي الفيلم «هونغ كونغ، الصين، سولاريس» لغرازيلا رزق الله وجلال توفيق (لبنان)، هذا الدليل المتخيَّل للسفر، تسير غرازيلا في حديقة صينية وداخل قطار، بينما تخوض مع جلال حوارًا ميتافيزيقيًا. وإذ يغوص الفيلم في حلم هو نفسه يغوص في محيط الوعي المبهم لسولاريس تاركوفسكي، وجدتني ألهث بحثًا عن الهواء.

من فيلم «تقشير الأبعاد» لجايهيون كيم

وهذه الأعمال، كما يكتب فايِد في ملاحظاته التوجيهية، تنجح في «المرور عبر خط رفيع بين براعة الأدوات التكنولوجية وحدودها ومخاطرها». وهذا واضح عبر الطيف الكامل الممتد من الرسوم المتحركة الرقمية إلى العمل الحي. في فيلم «الخيوط الرقمية» لعمر بازان (سارينا) (مصر)، تطفو كائنات جميلة جدًا على أن تكون من ألعاب الفيديو في خرائب سماوية، يغلفها إليكترونيًا بمشهد صوتي كثيف من نوع غوث نويس. جنيّة بأجنحة خضراء تطفو كالملاك، شاب بعينين غائمتين وتسريحة سبايكي وأقراط يجلس على كرسي متحرك ويركز نظره على الكاميرا. وبينما تستعرض الكاميرا الافتراضية الصورة الرقمية الثابتة إلى حد كبير، يبدو الفيديو باذخًا ولكن مقتصدًا. من خلال دمج الواقع الافتراضي، والأداء، وتصميم الأزياء المعقد، تحوّل فالنتينا بيرثيلون (تشيلي) في فيلمها «المناظر الطبيعية المسكونة/ Haunted Landscapes» انتفاضة الشعب في 2019 إلى عمل أبوكاليبسي مبهج، تمشي فيه الأمازونيات المجيدات عبر خرائب سانتياجو الملونة. في العمل الفني السويسري المشترك لبيغلر-ويبل في «فليش آم باو» الإيروتيكي بلمسة هزلية، تتسلل الأطراف الأنثوية وتداعب المباني العامة الجادة المظهر. وفي «لا باناديلا» لجويل خيمينيز (إسبانيا)، يقف فندق يلفه الضباب حيث يتحضِّر النُدُل بطريقة احتفالية للضيوف الغائبين. وبينما يعلو صوت داعٍ يدعو لهم بالسفر الآمن و«امتلاك الوعي نفسه»، يبدو أنّنا نشهد إعداد المسرح لعمل جمعي من الذاكرة أو السفر عبر الزمن.

من فيلم «الخيوط الرقمية» لعمر بازان

في مهرجان الأفلام هذا، برزت حكمة الأرض وأحيانًا عدائها المشروع تجاهنا نحن البشر. ففيلم «العملة - الحاسة الأولى من أجوبلشيا/ The Currency—Sensing 1 Agbobloshie» للمخرجين إلوم 20سي (توجو) وموسكويكي تشيهينغ (تايوان) وغريغور كاسبر (ألمانيا) بمثابة تعويذة في مكب نفايات إلكترونية في غانا، تبث نفسها بأصوات هادرة وزئير مخيف. شعرت أنّ إلوم 20سي كان يؤدي دور هوائي، يربط المعادن الميتة والأحافير المطحونة (أي البلاستيك) لتكنولوجيا الدول الغنية المهجورة مع التيارات العميقة والحية الموجودة في إفريقيا. هنا، كما تقول عناوين الفيديو، العناصر الأربعة هي النار والأرض والماء - والريش.

في «مدرار»، سحرني فيلم «الحديقة السرية» لنور عويضة (لبنان)، فهو يصوّر النباتات وهي تتآمر على أسرها. لقطات قلقة، التُقطت على شريط سينمائي، تُظهر تشابكات الجذور المتلوية، ونبتة يوكا مقيدة على الشرفة، وزهرة بوجنفيلية تتسلق الكابلات باندفاع، مع صوت السرد الهامس وأصوات قرقعة وإيقاعات تبعث على التوتر وأصوات حشرات توحي بأنّ هذه النباتات لا تفعل سوى انتظار لحظتها للانتفاض على البشر. أما «البستنة الموازية» لماجدلينا بيرموديز (الولايات المتحدة)، فيغوص في أسرار النبات بدقة جراح، ويغرق في حسّية تكاد تكون عصية على الاحتمال.

من فيلم «الحديقة السرية» لنور عويضة

كما في فيلم عويضة، تستولي الطبيعة على المشهد المغطى بالثلج في «وينترتلر» لبوليوس سلياوبا (ليتوانيا)، في سردية خيال علمي عن تلقيح السحب. أصوات انكسار الثلج تحت الأقدام، وارتطام ندفاته المتساقطة، تترافق مع لقطات علوية لأطلال صنعتها العواصف الثلجية، ومدن شلتها الثلوج، وطائرات مسيّرة سقطت وتجمدت. يعلّق صوت سردي، بنبرة جنائزية، قائلًا: «دفء العالم البشري علامة فشل». لم يرق لي الانتقال إلى صور مولّدة بالذكاء الاصطناعي، إذ أجد فيها محوًا من نوع آخر، لكنّه ألهمني أن أتأمل نهاية العالم البشري، لا في حرارة اللهب، بل في صقيع الثلج.

تلك التجارب المستقلة بفخر، والأفلام القصيرة المتألقة في الدورة الحادية عشرة من مهرجان القاهرة للفيديو، عصيّة على التطويع في قوالب السينما التجارية أو المستقلة، وذلك مما يُسعِد المرء.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#أدب

فرم الودان

رحلة ساحرة مع الصوت في ميكروباص

هاني درويش 13 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن