تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
عن الأحلام واستمرار المحاولة

عن الأحلام واستمرار المحاولة

كتابة: مروة السيد 6 دقيقة قراءة
تصوير: عبد الله خيري

هذا النص من ملف «..لكن عليك المحاولة». المقدمة وبقية النصوص هنا

تُبنى المؤسسات، كما الرحلات الفردية، بالحلم. في وقفة استراحة بين الحلم الأول لـ«مدرار» الذي امتد إلى 20 عامًا، وبداية النوبة الثانية من الحلم، التي جاءت عنوانًا للبرنامج الاحتفالي بمرور 20 عامًا، والذي يحمل نبوءة بما تتطلع إليه المؤسسة، كانت لنا عدة لقاءات تحت عنوان «لكن عليك المحاولة».

ثلاثة لقاءات جاءت بعد الحلم، في إطار برنامج «نوبة أخرى من الأحلام»، تناولت البدايات والأحلام والمآلات. شارك كل ضيف رحلته الخاصة داخل المشهد الفني، كيف بدأ مساره وكيف طوره وإلى أين تطور، إلى أن أصبحت رحلته الخاصة جزءًا من حلم كبير نحياه هو المشهد الحالي للفنون المعاصرة. 

منذ الإعلان الأول عن تلك اللقاءات أثار العنوان مجموعة من المشاعر المختلطة والأفكار المختلفة داخل عقلي:

 من عليه المحاولة؟

 ولماذا نحاول؟

 وفي أي اتجاه؟

ربما علي المحاولة مرة أخرى في حُلمي الشخصي عن الكتابة حول الممارسات الفنية وفهم بنية المشهد التي قد تساعد في تطوره، ودعم القادمين الجدد إليه. 

حاولنا في تلك اللقاءات تذكر زيارتنا الأولى لمعرض فني، كما حاولنا رسم خريطة للمشهد الفني الحالي، ثم تخيل خريطة لما نأمله في المستقبل. كانت الخرائط متنوعة، بتعدد خلفية كل مشارك منا. في رأيي، يكشف التنوع عن شيء إيجابي، أن هنالك دائمًا المزيد لنعرفه، وهناك دائمًا زوايا لم نزرها بعد. لكنه، أي التنوع، أيضًا يكشف عن خلل ما في التواصل بين الفاعلين في المشهد وبعضهم البعض.

فرغم المحدودية الشديدة في عدد الأفراد والمؤسسات داخل المشهد المعني بالفنون البصرية المعاصرة في مصر، نسبة إلى عدد سكانها، لا توجد قنوات فاعلة للتواصل. إذ إن الانقسامات المبنية على الخلفيات المعرفية والاجتماعية والثقافية، واختلاف تعريفاتنا للفن والممارسة، تُفتت هذا المشهد المحدود، إلى حد يظن فيه كل منا أنه يسير في الطريق وحده، ما يجعل بعضنا قلق من طلب المساعدة في تحقيق حلمه، ويجعل آخرين قلقين من تقديمها. فالوقت محدود لدى كل فرد يسعى منفردًا، ويطلب منه أن يوازي سعيه سعي مؤسسة كاملة. ورغم أن الفرص تزداد عما مضى، إلا أنها لا تزال محدودة، وفي ظل بيئة اقتصادية هشة يتنافس المبتدئ وصاحب المسار الطويل داخل المشهد على المنحة أو الفرصة نفسها. 

تحكي لنا مها مأمون، في الجلسة الأولى، عن رحلتها الخاصة، كيف بدأت بتأمل الأعمال في مساحة مثل تاون هاوس (جاليري أكسس حاليًا) وغيره من المراكز الثقافية، إلى أن جاءت لحظة التجريب؛ فالتعلم بالتجربة مُلهم، ويختلف في تكوينه ونتائجه عن التعلم النظامي داخل الأكاديميات، التي قد تُمِدُكَ ببعض الأدوات والمعلومات، إلا أنها تحدك داخل إطار يُمكنها من متابعتك وتقييمك، فيتوهم البعض المعرفة دون تجربة فعلية لتلك الأدوات، وحدود إمكانياتها.  

تساءلنا عن سر الـ20 عامًا، «مدرار» ليست المؤسسة الوحيدة التي يمر على تأسيسها 20 عامًا، كذلك «المورد الثقافي»، وكذلك مركز الصورة المعاصرة (التي شاركت مأمون في تأسيسه) يتجاوز 20 عامًا، تساءلنا عن سر اللحظة التي انبثق منها حراك ما في المشهد أدى إلى ظهور عدد من المؤسسات، تعد الآن من المساحات الهامة. ربما هي لحظة تكثيف في الفعل، رغبة في إحداث تغيير ما، أو حلم شجاع بأن لدينا القدرة على التأثير والتأثر وأن لدينا ما نشاركه مع من حولنا. شاركتنا مأمون أيضًا كيف انتقلت من الفوتوغرافيا إلى الفيديو إلى الكتابة، وأن ممارستها لم تعد محكومة بوسيط محدد. 

شاركنا أحمد رفعت، في الجلسة الثانية، كيف دخل مجال الفنون المعاصرة بالصدفة، بنى معرفته من خلال الاحتكاك المباشر بالعمل مع أندريا تال (المدير الفني لمركز الصورة المعاصرة آنذاك)، كان عليه، كما حكى لنا، أن يقوم بالواجب المطلوب منه. أثارت لفظة الواجب انتباهي حول الالتزام في العمل. يخلط البعض بين الأفكار والمساعي المتعلقة بالفنون، أو تلك التي تُبنى على الأحلام، وبين التراخي والعمل «بالحب». في رأيي أن «مدرار» كانت تقوم بالواجب المطلوب منها على مدار الـ20 عامًا الماضية، ترى تحولات المشهد وتسعى لاستغلال المساحات الممكنة، كما حدث في الشراكات مع مؤسسات حكومية في بعض نسخ مهرجان الفيديو، وترى تحولات السوق والفرص الممكنة للاستمرار ولا تتردد في تجربتها، مثل تجربة فتح مساحة مدرار كقاعة عرض لإتاحة فرصة لفنانيين ناشئين وتوفير نفقات استمرار المؤسسة. أن تقوم بالواجب المطلوب، وتدرس المشهد وتحدد إمكانياتك هي فرصة للنجاة في مساحة يزداد التضييق عليها يومًا تلو الآخر.

حكت لنا إيمان إبراهيم، في الجلسة الثالثة، عن تجربتها بين سياقيين تعليميين في آن واحد، وكيف أثر كل منهما على الآخر، وكيف سعت للاستفادة منهما، تدرس بالنهار في كلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية، قسم التصوير، وبعد الظهيرة في ماس الاسكندرية، بنسخته التجريبية، وهو البرنامج التعليمي الذي أسسه وائل شوقي في الإسكندرية لتعليم الممارسات الفنية المعاصرة. 

تتفوق إبراهيم في السياقين، وتنجح أن تكون الأولى على دفعتها في الكلية، وكذلك على تحدي المؤسسة من داخلها، بمشروع تخرج يثير الجدل حول الجسد وما يظهر منه وما يختفي. تخرج «مدرار» أيضًا من سياقين متشابهين، فمحمد علام ومحمد عبد الكريم المؤسسين الأوائل لـ«مدرار» أبناء كلية التربية الفنية، جامعة حلوان، وانخرطا معًا في النسخ الأولى من الورشة التجريبية التي أقامها شادي النشوقاتي داخل الكلية كمسار تعليمي موازي، هما نسبة إلى المؤسسة الأكاديمية التي تخرجا منها خارجان عن السياق، يقدمان لونًا من الفنون مازالت المؤسسة تعجز عن تقديمه أو استيعابه داخل مقرراتها. فبعد 20 عامًا من تقديم «مدرار» النسخة الأولى لمهرجان القاهرة للفيديو، لا تزال كلية التربية الفنية تناقش مدى جدوى تدريس فن الفيديو داخل مقرراتها، وهل يُدرس باعتباره تقنية منفصلة أم إحدى التطبيقات داخل مساقات أخرى.

في لقاء مع علام في نهاية 2023، تحدثنا عن كيف يرى عدد كبير من الفاعلين في المشهد الدور المؤثر لـ«مدرار»، وكيف نراها ككيان صامد وسط عدد كبير من الكيانات التي انهارت وسط التضييق الأمني، وكيف نطالبها بالمزيد دائمًا، وبالاهتمام بالجوانب التعليمية التي تغفل عنها المؤسسات الأكاديمية، وأن تراعي الشفافية في اختيار العارضين وفي توزيع الفرص، وتهتم بمساحات أكبر للعرض. يبتسم علام مؤكدًا أن «مدرار» وحدها لا يمكنها القيام بكل الأدوار، وأنها مؤسسة تجاهد كي تستمر، وسط بيئة اقتصادية وسياسية هشة.

كان لتلك اللقاءات أثرًا على رؤيتي لحركة الأفراد داخل المشهد، اهتمامي الأساسي. ألهمتني بأنه ربما كل ما يحتاج إليه المرء حين يقرر المحاولة مرة أخرى أن ينفتح أكثر على التجريب، وأن يقوم بالواجب المطلوب منه دون الالتفات لما غير هدفه، وأن يمتلك الشجاعة لفرض رؤيته على السياق ولا ينصاع لما هو كائن بالفعل، وأن يعرف حدود وحجم قدراته الفعلية ويعمل ضمن إطارها. ربما ما كان ينقصني حين أردت المحاولة سابقًا هي تلك النقاط، لذا كانت هي كل ما سيطر عليّ، في الربط بين لقاءات الورشة وبين مسيرة «مدرار».

نتشارك جميعًا مؤسسات وفاعلون في نفس الواقع، نفس التحديات، وتقريبًا آمال متشابهة، وسط بيئة لا يعلم العاملون داخلها خطة أبعد من نهاية المنح/ الدعم المتوفر، نعيش لحظة بلحظة، لا يمكننا النظر أبعد من موضع اقدامنا. لذا كان العنوان «لكن عليك المحاولة» مُلهمًا لدرجة كبيرة، يدعونا للعودة مرارًا إلى الحلم الذي حملنا على البدء، وأن نرى في تلك التحديات فرص وضرورة للاستمرار.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#مدرار

نحو مشهد يعيد تشكيل الوعي

 المشهد الفني المعاصر في مصر لا يمكن فهمه إلا بوصفه شبكة معقدة من العلاقات والتجارب والتقاطعات

حسن عبد الهادي 3 دقيقة قراءة
#مدرار

دليل الحائرين لفهم أعمال الفنانين المعاصرين

هذا النص من ملف «..لكن عليك المحاولة». المقدمة وبقية النصوص هنا.  احتفلت مؤسسة مدرار بمرور عشرين عامًا على وجودها، ببرنامج «نوبة أخرى من الأحلام». بالإضافة لتفاعلي مع المعرض، حضرتُ مجموعة…

فيلو ألكسندر 5 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن