عبر مصافحة في العاصمة السعودية الرياض في منتصف مايو الماضي، أتم الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، تحوله السياسي.
مضى الشخص الذي عرضت أمريكا مكافأة عشرة ملايين دولارات للقبض عليه. انتهت مظاهر معاداته الوجودية لإسرائيل، وماركته الجهادية الذي أعاد رسمها مرارًا.
أصبح الشرع الآن رجلًا يمكنه الوقوف أمام الرئيس الأمريكي، ومصافحته، ومناقشة «سوريا الجديدة» بعد عقود من الحرب الأهلية والعقوبات والحكم الاستبدادي التي اجتمعت لتمزق البلاد.
ومثله، يبدو أن سوريا في طريقها إلى ولادة جديدة. مضت أيام الكوماندوز الإيرانية واللبنانية والطائرات الروسية. مضت أيام الطاغية عديم الرحمة، ابن الطاغية عديم الرحمة، وأتباعه. الآن، تحررت سوريا من العقوبات التي دمرت اقتصادها لفترة طويلة.
لكن الخط الفاصل بين القديم والجديد لا يُرسم بهذه البساطة.
بعد أن التقى الشرع بالرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، خلال جولة الزعيم الأمريكي الزاعقة في الخليج، ظهر على التلفزيون الوطني للاحتفال بوعد ترامب الشفهي برفع العقوبات، ولكن أيضًا للتأكيد على العقبات التي تواجه الانتقال.
«بدأت نافذة الأمل تطل وتشرف على مستقبل واعد، غير أن سوريا مكبلة بأعباء الماضي وآهاته»، قال الشرع.
وأوضح الشرع في خطابه أن حل مشاكل سوريا سيكون مزيجًا من التعايش، ولكن أيضًا، وبشكل حاسم، تحولًا حادًا نحو اقتصاد السوق الحر بعد سنوات من عيش سوريا كدولة منبوذة.
قال الزعيم المؤقت: «نرحب بجميع المستثمرين من أبناء الوطن في الداخل والخارج، ومن الأشقاء العرب والأتراك والأصدقاء حول العالم. ندعو المستثمرين إلى الاستفادة من الفرص المتاحة بمختلف القطاعات في سوريا».
بدأت الأموال في القدوم، على الأقل وعود بقدومها. تعهدت شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية بتقديم 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس، وسددت السعودية وقطر ديون سوريا لدى البنك الدولي، ما مهد الطريق لدورة جديدة من الديون. كما يسيل لعاب مجموعة من المستثمرين الآخرين لجلب الأموال إلى البلاد مرة أخرى.
استمتع الشرع بجولة فخمة في الخليج. «يعيش أفضل أيام حياته»، كما قال بعض المعلقين.
في ذروة اللحظة، وبعد لقاءات متكررة مع الأمريكيين وإشارات متضاربة من الإسرائيليين، أخطأ الشرع في تفسير الرسائل واعتقد، وفقًا لمصادر عدة، أنه حصل على الضوء الأخضر للسيطرة على السويداء بأكملها، تلك المدينة الواقعة في جنوب البلاد والتي يغلب على سكانها الدروز. وهكذا، في غضون أسابيع قليلة، تهاوى الشرع من القمة إلى السفح من جديد.
في 11 يوليو الماضي، اندلعت اشتباكات بين رجال العشائر البدوية وأشخاص درزيين على طريق دمشق-السويداء. كان هذا بالضبط الذريعة التي كانت حكومة الشرع تبحث عنها للتحرك إلى المحافظة كقوات حفظ سلام وفرض سيطرتها الفعلية على المدينة الجنوبية التي كانت تتمتع بالحكم الذاتي خلال الحرب الأهلية السورية.
لكن ما تلا ذلك كان تصعيدًا كبيرًا للعنف. وظهر تورط القوات النظامية في عمليات قتل خارج إطار القانو ن، وغالبًا ما كانت تصور الهجمات كرسائل تهديد لأولئك الذين لا يلتزمون بالانصياع.
بحلول 16 يوليو، بدأت إسرائيل قصف القوات السورية في السويداء، معلنة أنها ستحمي الأقلية الدينية من محاولات تمدد الحكومة الجديدة. وفي مؤشر على التطور السريع للأوضاع، انتشر مقطع فيديو لرجال يقفون على سطح مبنى في السويداء يرفعون العلم الإسرائيلي.

«تجاهلت دمشق التحذيرات الإسرائيلية المتكررة المطالبة بالانسحاب. خشي الشرع أن يُنظر إلى الانسحاب على أنه تراجع مهين. وبدلًا من ذلك، ضاعف جهوده. وردت إسرائيل بدورها»، يقول مصدر درزي من السويداء. «يبدو أن الشرع بالغ في تقدير قوة الفصائل الدرزية الموالية للحكومة، بينما قلل من شأن الدعم الذي يحظى به الزعيم الدرزي المناهض للحكومة، الشيخ حكمت الهجري. ربما تلقى نصيحة سيئة من وزيري دفاعه وخارجيته، اللذين كانا حريصين على تحقيق مكاسب سريعة في مناصبهما».
على الرغم من أن إسرائيل وسوريا توصلتا إلى وقف لإطلاق النار في 18 يوليو، إلا أن الحكومة الانتقالية واصلت فرض حصار على المحافظة. «في حين يُسمح لعدد قليل من شحنات الغذاء التابعة للهلال الأحمر العربي السوري بالدخول إلى السويداء، فإن معظم قوافل المساعدات الإنسانية يتم ردّها من قبل المقاتلين المدعومين من دمشق، لا سيما على طول 'الممر الإنساني' المحدد رسميًا بين بصر الحرير في درعا الشرقية ودور في السويداء الغربية»، بحسب ما قالت منظمة المجتمع المدني السورية «ايتانا».
يقول المصدر الدرزي: «كشفت الأزمة [في السويداء] عن حدود مشروع الشرع لبناء الدولة. فاستراتيجيته في دمج الأقليات، لا بالوسائل السياسية، بل بالإكراه، تُثير تحفظًا دوليًا. وما كان يُقصد به تأكيد السيادة، أضرّ بمصداقيته في الخارج. وتعمّق تشكك قوات سوريا الديمقراطية (قسد) العميق أصلًا في دمشق. وفي أنقرة، يتزايد الإحباط: إذ يرى المسؤولون الأتراك أن خطأ الشرع منح إسرائيل ذريعةً لتوسيع نفوذها السياسي والميداني داخل سوريا».
اليوم، لم يعد هناك النهج الحذر والمتروي تجاه الوحدة الوطنية الذي ساد في الأشهر الأولى، وحل محله موقف أكثر خشونة من الحكومة الانتقالية.
كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
يكمن جزء كبير من الإجابة في شبكة العلاقات المعقدة التي غمرت سوريا الجديدة ببطء، والتي قللت من أهمية النفوذ التركي البارز في أعقاب سقوط بشار الأسد، ووفقًا لعدة مصادر، شهدت ضغطًا نحو التطبيع السوري-الإسرائيلي وتسوية بشأن الجولان المحتلة. بالنسبة لأحد الدبلوماسيين الإقليميين، من الواضح أن مستقبل سوريا مرتبط بخطة إقليمية أوسع يتم التفاوض عليها بالتوازي بين الأردن ولبنان وغزة والخليج، فيما تستقر الولايات المتحدة وإسرائيل خلف عجلة القيادة.
في الأشهر الأخيرة، تحدث «مدى مصر» إلى دبلوماسيين إقليميين ومصادر من تركيا وفاعلين سياسيين في أنحاء سوريا لفهم الصراع على تأمين موقع مهندس «سوريا الجديدة» من قبل الأطراف الأجنبية والفاعلين المحليين على حد سواء.
بمجرد أن بدأت معالم سوريا القديمة في الانهيار في أواخر العام الماضي، سرعان ما بدأت إسرائيل، التي تقود الخطة الأوسع لشرق أوسط جديد تجمع حولها الولايات المتحدة وعدد من دول الخليج، في فرض نفسها.
في 8 ديسمبر الماضي، بعد أن أُجبر الأسد على الهروب خارج البلاد بساعات، دخل الجيش الإسرائيلي المنطقة العازلة بين الجولان المحتلة وسوريا، والتي أنشئت بموجب اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 بين البلدين.
رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، أعلن أثناء زيارته إلى الجولان المحتلة في 8 ديسمبر عن «انهيار» اتفاقية 1974 قائلًا: «وجهت أنا ووزير الدفاع، وبدعم كامل من مجلس الوزراء، قوات الدفاع الإسرائيلية للسيطرة على المنطقة العازلة والمواقع المهيمنة القريبة منها».

بينما ادعى نتنياهو أن هذه الخطوة ستكون «مؤقتة حتى يتم التوصل إلى ترتيب مناسب»، بحلول منتصف فبراير، كان المسؤولون الإسرائيليون يقولون إنهم يخططون للبقاء في سوريا «إلى أجل غير مسمى» وأقرّوا بأنهم أقاموا تسعة مواقع عسكرية في المنطقة العازلة. تظهر صور الأقمار الصناعية أنهم أقاموا أيضًا أبراج مراقبة ووحدات سكنية جاهزة وطرق وبنية تحتية للاتصالات في جميع أنحاء المنطقة العازلة.
لكن إسرائيل تجاوزت المنطقة العازلة. وقال مسؤولون إسرائيليون إنه من الضروري إنشاء «منطقة نفوذ» تمتد 60 كيلومترًا داخل سوريا، تحت سيطرة المخابرات الإسرائيلية، لمراقبة ومنع ظهور أي تهديدات محتملة.

بالإضافة إلى قصف أكثر من 500 موقع في أنحاء سوريا، بما في ذلك العاصمة دمشق وميناء اللاذقية، بدأت إسرائيل أيضًا في توسيع غزوها البري إلى ريف درعا، لإنشاء منطقة أمنية جديدة بعمق 15 كيلومترًا. في أوائل أبريل، تحركت القوات الإسرائيلية إلى غابة سد الجبلية، على بعد حوالي ثمانية كيلومترات داخل الأراضي السورية من المنطقة العازلة التابعة للأمم المتحدة، وبدأت بقصف المنطقة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن تسعة أشخاص، وفقًا لمحافظة درعا.
واجه مدنيون من مدينة نوى والقرى المجاورة التوغل الإسرائيلي، لكن الغارات على القرى استمرت، حيث احتجزت القوات الإسرائيلية السكان ودمرت الأراضي الزراعية.


بالنسبة لإسرائيل، كان هجومها حملة عسكرية انتهازية للاستيلاء على الأراضي وإنشاء «منطقة عازلة» موسعة، بقدر ما كان آلية لفتح دورة جديدة من المفاوضات الدبلوماسية لتحقيق أهداف استراتيجية متنوعة. وتتراوح هذه الأهداف بين تحديد قواعد جديدة للتعامل مع تركيا -الداعم الرئيسي للحكومة السورية الجديدة- وإعادة صياغة اتفاقية 1974 لإضعاف أي حكومة سورية جديدة والدفع نحو التطبيع بين البلدين.
جاءت تركيا أولًا. مع استمرار وتيرة الهجمات الإسرائيلية دون هوادة بعد الإطاحة بالأسد، ظهرت عدة مسارات دبلوماسية، كان أبرزها المحادثات بين تركيا وإسرائيل في العاصمة الأذربيجانية باكو بهدف إنشاء «آلية فنية» للحد من «الحوادث غير المرغوب فيها» في سوريا.
وفقًا لدبلوماسي سوري سابق، فإن الهجمات الإسرائيلية في جنوب سوريا مدفوعة جزئيًا بالقلق من النفوذ المحتمل لتركيا بالقرب من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل.
«بعد انسحاب إيران من سوريا، تسعى تركيا إلى ملء الفراغ من خلال التوصل إلى تفاهمات مع القيادة الجديدة في دمشق»، يقول الدبلوماسي، مضيفًا: «هذا الاتجاه التركي مقلق لإسرائيل التي تعتقد أن نفوذ أنقرة، حتى لو كان موجهًا ضد إيران، سيعطي الإسلام السياسي السنّي موطئ قدم بالقرب من الجولان».

وفقًا للدبلوماسي السابق، تحاول إسرائيل إنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوبي سوريا تمتد من السويداء ودرعا إلى القنيطرة من خلال التنسيق مع قادة الدروز في السويداء. ويقول الدبلوماسي إن هذا من شأنه أن يمنع أي وجود عسكري أو فصائلي تركي بالقرب من الجولان، ويكسب الوقت حتى تتمكن إسرائيل من العثور على شريك محلي موثوق به في المستقبل كخط دفاع غير رسمي.
رُددت هذه المخاوف داخل إسرائيل، في مقال نشر في مارس الماضي، سمّى المؤلفان تال بيري وبوعاز شابيرا، اللذان يكتبان لمركز دراسات إسرائيلي يركز على «الحدود الشمالية لإسرائيل مع لبنان وسوريا»، هذا القلق بعبارات صريحة: « أن تقوم طائرات سلاح الجو التركي بعمليات في المجال الجوي السوري ضد طائرات سلاح الجو الإسرائيلي وهو سيناريو محتمل». وبنفس القدر، وجهوا تهديدًا: «يجب على إسرائيل أن تضع قواعد اللعبة في المنطقة. وأي تهديد لأمن إسرائيل سيقابل برد إسرائيلي مستقل، ويجب على 'اللاعبين' الآخرين أخذ ذلك في الاعتبار. وعليهم، بدورهم، إدارة المخاطر المتعلقة بهذا المبدأ الإسرائيلي».
بالنسبة لتركيا، فإن الهجمات العسكرية الإسرائيلية تخلط أوراقها الخاصة بـ«سوريا الجديدة»، التي تراها وسيلة لتوسيع نفوذها الاقتصادي والمساعدة في حل ما تعتبره «مشكلة اللاجئين».
يقول مصدر سياسي تركي مقرب من الرئاسة التركية لـ«مدى مصر» في وقت سابق من هذا العام إن تركيا ترى أن سوريا تقترب من مرحلة إعادة الإعمار، وتريد أنقرة تسهيل عودة اللاجئين. وبالتالي، فإن البلاد بحاجة إلى مناخ من الاستقرار. «وهذا يتطلب إنهاء التصعيدات الإسرائيلية المتكررة. ومن هذا المنظور، قد تكون أنقرة بوابة لتقريب وجهات نظر دمشق وتل أبيب»، حسبما قال المصدر في ذلك الوقت.
ولكن بينما الاستقرار هو بوابة مخططات أنقرة بالنسبة لسوريا، فإن عدم الاستقرار هو بوابة إسرائيل.
وفقًا للدبلوماسي السوري، هناك طريقة أخرى لفهم الهجوم العسكري الإسرائيلي، وهي من خلال منظور «خطة الكانتونات»، التي من شأنها أن تقسم سوريا إلى مجموعة من الولايات الفيدرالية.
في معرض مناقشته لورقة بحثية كُتبت قبل الإطاحة بالأسد حول «الكانتونات» السورية التي تشكلت خلال الحرب الأهلية، يعرّف الباحث مايكل يونج الكانتون بأنه «مساحة تقع خارج سيطرة المركز، أي النظام في دمشق، ولها بالضرورة قنوات اتصال بالعالم الخارجي. ويشمل ذلك، على سبيل المثال، الوصول إلى المساعدات الإنسانية العابرة للحدود، وكذا إلى الأسواق العالمية».
وبالمثل، «تعد الكانتونات جزءًا لا يتجزأ من إطار أمني إقليمي أوسع، على حساب الإطار الوطني»، كما يقول يونج، مشيرًا إلى إدلب التي تحكمها هيئة تحرير الشام والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا التي يهيمن عليها الأكراد كأمثلة على ذلك.
في يناير الماضي، ظهرت تقارير في الصحافة الإسرائيلية تفيد بأن إسرائيل تدرس الدعوة إلى عقد قمة دولية لتقسيم سوريا إلى كانتونات.
يقول الدبلوماسي إن نهج الكانتونات «يخدم المصالح الاستراتيجية لإسرائيل من خلال إضعاف الدولة السورية المركزية وتحويل البلاد إلى فسيفساء من الكيانات المتنافسة غير القادرة على تشكيل تهديد مستقبلي لإسرائيل»، مضيفًا أنه «مع تبني بعض القوى الدولية والمحلية الآن لنماذج فيدرالية أو لا مركزية، تعتقد إسرائيل أن الوقت مناسب لممارسة ضغط عسكري لترسيخ هذا النموذج، لا سيما في الجنوب، كخطوة أولى نحو تقاسم النفوذ وضمان أمن الحدود لتعزيز نفوذها في الشمال الشرقي مع قوات الدفاع السورية».
إدراكًا منها للهشاشة التي تواجهها حكومة الشرع بسبب تعدد الأطراف المتنافسة على السيطرة، عملت تركيا على تعزيز الحكومة المركزية باستخدام ورقتها السياسية مع الفصائل السياسية الكردية في محاولة لإنهاء أي انقسام للدولة السورية، حتى لو كان ذلك يعني تخلي أردوغان عن أحد الأركان الراسخة لأيديولوجيته.
وتأكيدًا على جدية أنقرة، جاءت أول زيارة أجنبية إلى سوريا بعد سقوط الأسد من قبل رئيس المخابرات التركية، إبراهيم قالين، في ديسمبر الماضي. مصدر سياسي تركي مطلع على أهداف الزيارة قال لـ«مدى مصر» وقتها إن قالين كان يسعى إلى تقديم المساعدة في بناء الدولة للحكومة الانتقالية، مع معالجة مخاوف أنقرة القائمة منذ أمد بشأن الجماعات الكردية المسلحة في سوريا. وقال المصدر إن تركيا بدأت محادثات مع القوات الكردية المدعومة أمريكيًا والولايات المتحدة في محاولة لتيسير نزع سلاح الأكراد ودمجهم في الجيش السوري مقابل الحصول على الحريات المدنية. لكن المصدر أكد أن تركيا مستعدة لتولي زمام الأمور بنفسها إذا فشلت تلك المحادثات.
وبلغت هذه الجهود ذروتها في أواخر فبراير الماضي عندما دعا الزعيم الكردي المسجون، عبد الله أوجلان، حزب العمال الكردستاني المسلح إلى إلقاء سلاحه وحل نفسه في إطار محاولة لإنهاء صراع دام أربعة عقود مع الحكومة التركية.
في حديثه مع «مدى مصر» بعد إعلان أوجلان، قال مصدر عسكري رفيع المستوى في «قسد» إن «تركيا سارعت للتفاوض مع أوجلان لصالح السياسة التركية في سوريا وليس من أجل إحداث إصلاح سياسي حقيقي في تركيا بشأن القضية الكردية. أنقرة تريد أن تضغط على 'قسد' وعلى الملف الكردي في سوريا واحتوائه. وهذا سبب مفاوضاتها مع أوجلان».
وبالتزامن مع ذلك، وبعد أسبوعين فقط من إعلان أوجلان، وقّع الشرع وقائد «قسد»، مظلوم عبدي، اتفاقية لدمج القوات الكردية في أجهزة الدولة السورية.

ومع ذلك، لم يحرز تقدم يذكر على الأرض بعد الاتفاق، حيث أن كلا الجانبين يجعلان اتفاق الدمج ونزع السلاح مشروطًا بمزيد من إظهار النوايا الحسنة.
من الجانب الكردي، تشك «قسد» في أن تركيا ستفي بوعودها، ناهيك عن سوريا. يقول مسؤول في مكتب قوات سوريا الديمقراطية بالقاهرة لـ«مدى مصر»: «نحن نتطلع اليوم بعد حل حزب العمال وبعد الاتفاق الكردي التركي أن الأخيرة تمنحنا حقوقًا ثقافية وسياسية، إضافة إلى الإفراج عن العشرات من النواب الأكراد المعتقلين في السجون. فهل ستحقق تركيا هذا؟»
من ناحية أخرى، تعتزم تركيا الاعتراف بحقوقهم الثقافية والإنسانية والسياسية، لكنها تجعل ذلك مشروطًا بنزع السلاح وضمان عدم وجود فصائل أو ميليشيات تعمل داخل تركيا، حيث لا يملك السلطة سوى الجيش، وليس الفصائل، حسبما قال مصدر برلماني تركي. بالنسبة لأنقرة، يجب أن تخضع السياسة الكردية للدولتين القوميتين السورية والتركية بدلًا من السعي وراء وطن منفرد لها.
يمثل هذا عقبة كبيرة أمام العديد من أفراد «قسد»، الذين ما زالوا متمسكين بنموذج حكم ينطوي على لا مركزية كبيرة. يقول القائد العسكري في «قسد»: «أعتقد أنه من المبكر قليلًا الحديث عن حل القوات في سوريا لأن لدينا مطلب واحد، وهو إقامة سلطة لا مركزية للأكراد في شمال سوريا».
بعد مرور ما يقرب من ثلاثة أشهر على توقيع الاتفاق، بدأ صبر تركيا ينفد.
في اجتماع بين الشرع وأردوغان في 24 مايو الماضي، ناقش الجانبان صياغة رؤية مشتركة لإنهاء «التهديد المستمر» الذي تشكله القوات الكردية على وحدة أراضي سوريا وأمن تركيا القومي، من خلال التنسيق الميداني والأمني المباشر، وفقًا لمصدر مقرب من الرئيس التركي.
في تصريح له بعد جولة من المحادثات الفنية في باكو في أبريل الماضي بين وفدي التفاوض التركي والإسرائيلي، حاول وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، التقليل من أهمية ما كان يدور في بال الجميع. وقال: «بالطبع، من الطبيعي إجراء اتصالات على المستوى الفني» لإنشاء آلية لخفض التصعيد. لكن فيدان أضاف أن هذا لا يعني أن العلاقات، المتوترة بسبب حرب إسرائيل على حماس في غزة، ستشهد تطبيعًا.
لكن على أرض الواقع، يعد التطبيع بين سوريا وإسرائيل ومزايا أن تكون الطرف الذي يعمل على تيسير ذلك أحد أهم المكاسب لجميع الأطراف الدبلوماسية التي تتنافس على السيطرة في «سوريا الجديدة». وكان الأمر كذلك بالنسبة لأنقرة.
يقول المصدر السياسي المقرب من الرئاسة التركية إن أنقرة تعتقد أن التفاهمات التركية-الإسرائيلية يمكن أن تتطور لاحقًا إلى مفاوضات سلام بين سوريا وإسرائيل برعاية تركيا والولايات المتحدة.
لكن غزو إسرائيل للجنوب سمح لها أيضًا بتقليص نفوذ تركيا بطريقة أخرى: من خلال مضاعفة عدد الوسطاء على طاولة التطبيع، حيث هكذا دخل الخليج في الصورة.
جاءت أول فرصة لدخول الخليج في إصرار إسرائيل على مراجعة اتفاقية عام 1974 بشأن المنطقة منزوعة السلاح التي أنشئت تحت مراقبة الأمم المتحدة. وفقًا للدبلوماسي الإقليمي، تريد إسرائيل خط نزع سلاح أعمق مما تنص عليه اتفاقية عام 1974، بينما يريد السوريون أن تتوقف الهجمات وتنسحب جميع القوات الإسرائيلية التي عبرت إلى داخل الأراضي السورية منذ 8 ديسمبر.
في محاولة لتفتيت النفوذ التركي، رفض الإسرائيليون السماح لأنقرة بالتوسط في المحادثات حول مراجعة الاتفاقية، حسبما يقول الدبلوماسي. وبدورها، رفضت سوريا أن تتوسط الإمارات العربية المتحدة في المحادثات. وفي النهاية، اتفق الطرفان على أن تتولى السعودية وقطر هذه المسألة. وكانت هذه أول انتصارات عدة حققتها السعودية على النفوذ التركي.
بينما كانت هناك شائعات يتهامس بها النشطاء منذ أبريل الماضي بأن وفدًا سوريًا سيتوجه إلى السعودية للقاء وفد إسرائيلي سيكون حاضرًا خلال زيارة ترامب المقررة للمنطقة، بدأ الشرع ومسؤولون حكوميون، في الأسابيع التي سبقت الزيارة، في السعي لعقد لقاء ثنائي بين رئيسي الدولتين. تراوحت العروض بين وعود ببناء «برج ترامب» في دمشق إلى استضافة جوناثان باس، الناشط الجمهوري المؤيد لترامب والرئيس التنفيذي لشركة «Argent» للغاز المسال ومقرها ولاية لويزيانا، لمناقشة تطوير موارد الطاقة في البلاد مع شركات غربية وتأسيس شركة نفط وطنية سورية جديدة تُدرج في البورصة الأمريكية.
في الأسابيع التي سبقت القمة الأمريكية، كان من الواضح ما تريده الولايات المتحدة وإسرائيل: التطبيع بين النظام السوري وإسرائيل. وبالنسبة للدول التي لها نفوذ في دمشق، كان السؤال هو من سيتولى زمام المبادرة.
الإمارات العربية المتحدة، مهندسة اتفاقيات أبراهام، كانت ولا تزال تمارس ضغوطًا كبيرة لتحقيق التطبيع. يقول الدبلوماسي الإقليمي إن الإمارات عرضت دعمًا ماليًا كبيرًا، كما عرضت حشد دول أخرى للاستثمار في سوريا مقابل التطبيع، مضيفًا أن الشرع، حتى هذه اللحظة، يبدى استعداده للنظر في الصفقة.
كما جعلت قطر من نفسها حصان طروادة للغاز الإسرائيلي -ما يجعل التطبيع الاقتصادي أمرًا واقعًا- بتوقيعها اتفاقية ثلاثية مع سوريا والأردن تقضي بأن تزود قطر سوريا بشحنات الغاز «عبر الأراضي الأردنية»، وفقًا لصندوق قطر للتنمية. لكن عمليًا، لا تستطيع قطر توفير الغاز لسوريا بسبب محدودية البنية التحتية الحالية لخطوط الأنابيب، وفقًا للخبيرة في مجال الطاقة، منى سكرية، التي تشرح أن الغاز يتدفق حاليًا من حقل ليفياثان الإسرائيلي إلى محطة رحاب في الأردن، ثم جنوبًا إلى محطات الطاقة الأردنية ومنها إلى مصر، حيث يستخدم جزء منه في الشبكة الوطنية المصرية ويصدر جزء آخر. وبالتالي، سيكون من المستحيل أن يتدفق الغاز القطري شمالًا من وحدة التخزين وإعادة التغويز العائمة في العقبة، لأن الغاز لا يمكن أن يتدفق إلا في اتجاه واحد في الوقت الواحد. وبدلًا من ذلك، فإن المكان الوحيد الذي يمكن فيه إعادة توجيه الغاز إلى سوريا سيكون في محطة رحاب شمالي الأردن، «مما يعني أن الغاز سيتدفق فعليا من إسرائيل، وليس من العقبة»، كما تقول سكرية.
كان هناك تنسيق مباشر بين سوريا وإسرائيل، وهو ما أقر به الدبلوماسي الإقليمي، وأصبح سرًا معلومًا للجميع مع إعادة متعلقات الجاسوس الذي أعدم منذ زمن طويل، إيلي كوهين، إلى إسرائيل في محاولة لتخفيف العداء الإسرائيلي.
بالنهاية، السعودية هي التي تمكنت من ترسيخ مكانتها كوسيط رئيسي بين الطرفين. وفقًا للدبلوماسي الإقليمي، كانت المحادثات المبكرة للاجتماع بين ترامب والشرع ستشهد اجتماع الزعيمين في تركيا. لكن ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، تدخل ووعد الرئيس التركي بمساعدات اقتصادية والقدرة على استضافة محادثات بين أوكرانيا وروسيا، بعد أن استضافت الرياض الجولة الأخيرة في مارس الماضي.
حصلت السعودية كذلك على وعد من تركيا بكبح طموحاتها الاقتصادية. وفقًا لمسؤول في الحكومة السورية، مهدت أنقرة الطريق أمام استثمارات الخليج في جنوب سوريا، واكتفت بحلب، حيث ستسعى إلى مواصلة إعادة السوريين الذين يعيشون في تركيا والمصانع السورية التي تعمل حاليًا في مدينة غازي عنتاب التركية إلى وطنهم. «ما يهم تركيا اليوم هو مدينة حلب بشكل رئيسي»، يقول المصدر.
لكن أيًا كان الدور الذي لعبته السعودية وراء الكواليس، فقد ظهر للعلن عندما تصافح الشرع وبن سلمان أمام الرئيس الأمريكي.

يقول مصدر سياسي سوري مقرب من هيئة تحرير الشام إن من في دمشق كانوا يصفون السعودية بأنها «عراب المصالحة لواشنطن». وحرصًا على إبرام اتفاقية دفاع مربحة مع السعودية، والتي طالما اعتُبرت «الجَزَرة» للدفع بتطبيع العلاقات بين السعودية وإسرائيل، كانت الولايات المتحدة مستعدة لتلبية ما وصفه الدبلوماسي الإقليمي بالرغبة في أن تُرى كاللاعب الأساسي صاحب الكلمة العليا في ما يتعلق بالوضع السوري في المنطقة.
يضيف الدبلوماسي الإقليمي أن هذا التوافق ذهب إلى حد الحصول على وعد من ترامب برفع جميع العقوبات عن النظام السوري، وهو وعد يتعارض مع القناعة السائدة في العاصمة الأمريكية بحذو «نهج حذر وتدريجي».
بالنسبة لحكومة الشرع، رغم ضعفها، فقد سمح لها اللجوء إلى الرياض بالاختباء وراء اللاعب الأقوى بكثير المتمثل في السعودية، التي رفضت حتى الآن قبول المضي قدمًا في التطبيع مع إسرائيل.
«ليس سرًا أن الولايات المتحدة تنوي تشجيع السعودية على الانضمام إلى قافلة اتفاقيات أبراهام إلى جانب الإمارات والبحرين والمغرب. وجّه ترامب هذه الدعوة مباشرة إلى الشرع»، يقول المصدر السياسي السوري بعد اللقاء الثلاثي بين ترامب وبن سلمان والشرع. «لكن من غير المرجح، في هذه المرحلة أن تتحرك سوريا نحو اتفاقات التطبيع حتى تقوم السعودية -عراب المصالحة بين واشنطن ودمشق- بذلك أولًا. وسوريا لن تكون وحدها؛ يجب أن يكون لبنان معها. لا يوجد تطبيع دون لبنان».
حتى دون الإعلان الكبير عن التطبيع الذي أعتقد الكثيرون أنه سيصدر عن اجتماع ترامب وبن سلمان والشرع، شكلت الأوضاع بعد قمة الرياض نقطة تحول للحكومة الانتقالية. وجدت الحكومة نفسها الآن في نفس المنطقة الرمادية التي مكثت بها السعودية -التي حافظت على تطبيع سياسي واقتصادي فعلي مع إسرائيل لسنوات- في تعاملها مع إسرائيل، ولكن في ظل وضع أكثر هشاشة بكثير. وظهر ذلك بوضوح في اشتباكات السويداء.
يقول مصدر حكومي سوري ومصدر من الدروز إن اندلاع العنف هناك كان نتيجة «سوء فهم» حول تدابير بناء الثقة بين إسرائيل والحكومة الانتقالية بشأن الانتقال إلى السويداء لتعزيز السيطرة.
وفقًا للمصدر الحكومي، عقد مسؤولون سوريون وإسرائيليون في يوليو الماضي اجتماعًا وجهًا لوجه في العاصمة الأذربيجانية باكو، ركز على إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام مستقبلي. في هذا الاجتماع، اقترحت السلطات الانتقالية السورية إعادة العمل باتفاق وقف إطلاق النار لعام 1974، إلى جانب سلسلة من تدابير بناء الثقة، تمهيدًا لاتفاق سلام شامل على مدى خمس سنوات.
«إسرائيل رفضت هذا الإطار، وأصرت على أن اتفاقية عام 1974 أصبحت الآن لاغية وباطلة. وطالبت بترتيب أمني جديد يشمل وجودًا عسكريًا إسرائيليًا خارج الجولان لفترة انتقالية مدتها خمس سنوات. كما دفعت إسرائيل نحو تطبيع هادئ على غرار اتفاقها مع الإمارات العربية المتحدة والبحرين والمغرب، بما في ذلك فتح سفارات وعلاقات تجارية»، يقول المصدر. ومع ذلك، رفضت السلطات الانتقالية هذه الشروط رفضًا قاطعًا.
على الرغم من الجمود، اقترح الوفد السوري إمكانية إحراز مزيد من التقدم إذا ردت إسرائيل بالمثل على تدابير بناء الثقة التي عرضتها دمشق بالفعل، بما في ذلك نقل ملفات الاستخبارات عن العميل الإسرائيلي المعدوم، إيلي كوهين، وسحب الأسلحة الثقيلة من جنوبي سوريا. «حددوا أن على إسرائيل أن تعطي السلطات الانتقالية الضوء الأخضر لدمج السويداء بالكامل في هياكل الدولة السورية، وإسرائيل وافقت»، حسبما يقول المصدر.
يؤكد مصدر سوري من الدروز في السويداء هذه الرواية. «أعتقد الشرع، بعد اجتماعات متكررة مع المبعوث الأمريكي والاجتماع السوري الإسرائيلي في باكو، أن إسرائيل أعطته الضوء الأخضر للسيطرة على كامل السويداء»، يقول المصدر مضيفًا: «أعتقد الشرع أن الدعم الأمريكي القوي، لا سيما في أعقاب التصريحات الأخيرة للمبعوث الخاص، توم باراك، بشأن مستقبل قوات سوريا الديمقراطية ورفض الفيدرالية، سيحميه من رد فعل إسرائيلي عنيف».

عندما بدأت إسرائيل بقصف القوات السورية في السويداء، أصبح من الواضح أنها لا تنوي الوفاء بتعهدها بالسماح للقوات السورية بدخول السويداء، مما يؤكد سوء فهم من جانب الحكومة السورية أو تلاعبًا من جانب إسرائيل لتقويض الشرع.
كان للاشتباكات في السويداء تداعيات فورية على بقية مشروع بناء الدولة الذي يقوده الشرع. في أوائل أغسطس، اندلعت اشتباكات محدودة بين أعضاء «قسد» والحكومة الانتقالية، وفقًا لمسؤول كردي في «قسد» في شمالي سوريا.
«قواتنا استخدمت حقها في التصدي لهجوم على نقاطها في قرية الإمام في ريف مدينة حلب في تمام الساعة الثالثة من فجر [4 أغسطس]. أقدمت فصائل تابعة لقوات الحكومة الانتقالية السورية على تنفيذ هجوم ضد أربع مواقع لقواتنا في قرية الإمام التابعة لمنطقة دير حافر، وتعاملت قواتنا مع الهجوم، وردّت عليه بما يلزم دفاعًا عن مواقعها ومقاتليها، حيث نشبت اشتباكات استمرت 20 دقيقة متواصلة»، يقول المصدر.
تقوض الاشتباكات التزام حكومة الشرع المعلن بالانتقال السياسي الشامل، كما يرى المسؤول.
«بعد الأحداث الدامية التي شهدها الساحل السوري ثم محافظة السويداء باتت قوات سوريا الديمقراطية متمسكة اليوم بالحفاظ على السلاح كي تحمي شعبها لأنه لا ثقة بتلك الحكومة التي لم تحم الدروز والعلويين»، يقول المصدر، مضيفًا: «الاتفاق السابق كان ينص صراحة على دمج كل المؤسسات العسكرية والحكومية التابعة لقوات سوريا الديمقراطية مع حكومة سوريا الحالية. الهدف منها أن ينخرط عناصر قوات سوريا الديمقراطية مع الحكومة السورية الجديدة، ولكن ليس تسليم كل مؤسساتهم للحكومة».
حتى في الوقت الذي أدت فيه هذه المنطقة الرمادية بعد اجتماع الرياض إلى عنف دموي داخل سوريا، لم تكن إسرائيل تنوي التخلي عن الضغط من أجل التطبيع الرسمي. في 30 يونيو الماضي، قال وزير الخارجية الإسرائيلي، جدعون ساعر، للصحافة إن حكومته تريد المزيد من اتفاقيات التطبيع مع الدول العربية.
وأكد ساعر أن «إسرائيل مهتمة بتوسيع دائرة السلام والتطبيع لاتفاقيات أبراهام. لدينا مصلحة في إضافة دول مثل سوريا ولبنان، جيراننا، إلى دائرة السلام والتطبيع، مع الحفاظ على مصالح إسرائيل الأساسية والأمنية». لكن ساعر شدد أيضًا على أن الجولان المحتلة «ستبقى جزءًا من دولة إسرائيل».
وفقًا لأربعة مصادر -الدبلوماسي الإقليمي، ومصدر سياسي مقرب من دائرة صنع القرار السورية، ومسؤول في الحكومة السورية، ودبلوماسي مصري مطلع على الشؤون الإقليمية- تُجري سوريا وإسرائيل محادثات حول تسوية بشأن الجولان.
وفي حين ذكر الدبلوماسيان المصري والإقليمي أن الخطوط العريضة للاتفاق المطروح على الطاولة ستنص على أن تدير إسرائيل وسوريا معًا الجولان كمنطقة أمنية مشتركة لا تجبر المستوطنين الإسرائيليين على المغادرة وتسمح للسوريين بالعيش في الإقليم، لم يكن المصدر السياسي واثقًا تمامًا من التفاصيل.
ومع ذلك، أشار المصدر السياسي إلى أن الشرع أخبر المقربين منه أنه «لن يتنازل عن شبر واحد من الجولان ولن يوقع أي اتفاق مع إسرائيل إذا لم يتم تنفيذ الوعود التي تلقاها».
وأضاف المصدر أن الجانبين كانا مستعدين لمواصلة مناقشة المنطقة المحتلة في محادثات مباشرة عقدت في باريس في 19 أغسطس. وقبل الاجتماع، قدّر المصدر أن إسرائيل قد تحاول في المحادثات الحصول على موافقة سوريا على مصير الجولان مقابل امتيازات معينة.
يعتقد المصدر أن إسرائيل قد تعود إلى قصف سوريا بحجة حماية الأقليات، ولكنها في الواقع تفعل ذلك للضغط على الشرع للجلوس إلى طاولة المفاوضات.
قد تأتي الخطوة التالية في نيويورك في سبتمبر الجاري، عندما يجتمع قادة العالم في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وفقًا للمصدر الحكومي، الذي يقول إن الترتيبات بدأت مؤخرًا في واشنطن لجمع الشرع مع نتنياهو في نيويورك. «قد يكون الاجتماع حجر الأساس في بناء العلاقات بين سوريا وإسرائيل، لكن كلا الطرفين لديهما بعض التحفظات على بعض النقاط، أبرزها تمسك سوريا باتفاقية فض الاشتباك التي وقعها حافظ الأسد في 1974، بينما تصر إسرائيل على الاحتفاظ ببعض المناطق والنقاط في الجولان».
وخلال مؤتمر صحفي عقد في 24 أغسطس، قال الشرع إن هناك تقدمًا نحو إبرام اتفاقيات ثنائية مع إسرائيل، مشددًا على أنه «لن يتردد في اتخاذ أي اتفاق أو قرار يخدم مصلحة البلاد».
لكن لا تزال هناك مخاوف بشأن هذا المسار لدى أعضاء حكومة الشرع. فقد يكون التنازل عن الجولان نقطة اشتعال للحكومة الانتقالية، وفقًا لمصدر حكومي سوري آخر.
يقول المسؤول إنه «حتى لو قررت الحكومة الحالية التخلي عن الجولان بعد تلبية بعض مطالبها، مثل الانسحاب من الأراضي التي تسيطر عليها إسرائيل منذ سقوط النظام، ووقف الغارات والتوغلات في الأراضي السورية، والاعتراف رسميًا بالحكومة الشرعية، فإن أهم نقطة لن تتمكن الحكومة الحالية من مواجهتها هي إرادة الشعب، الذي لن يلتزم الصمت ولن يوافق على هذا الأمر».
اتخاذ مثل هذه الخطوة «غير المرجحة»، وفقًا للمصدر، «قد يكون المرحلة الأولى من فقدان الثقة في هذه السلطة الانتقالية، وربما بداية المطالبات باستبدالها».
ويوافق الدبلوماسي الإقليمي على ذلك، قائلًا: «فريق الجولاني [الاسم الحركي للشرع] لا يعارض الفكرة، لكن الشرع يواجه مشكلة لأن هذا لن يلقى قبولًا لدى الشرائح الأكثر راديكالية سياسيًا في قاعدته الشعبية».
هذه هي الولادة الجديدة لسوريا إذًا. رُفع العلم الأمريكي مرة أخرى في دمشق في نهاية مايو احتفالًا بقرار الرئيس الأمريكي رفع «العقوبات المرهقة كي تتمكّن سوريا من تقرير مستقبلها، ومنح [وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو] صلاحية نسج لوحة جديدة للسياسة الخارجية في الشرق الأوسط»، كما كتب باراك على إكس.

سيتم طباعة الانتعاش الاقتصادي القادم في الإمارات العربية المتحدة وألمانيا حيث ستُسك العملات السورية، كإجراء وقائي ضد غسيل الأموال وفرصة للاستفادة من الخبرة الألمانية والإماراتية في مكافحة التضخم، وفقًا لمصدر في البنك المركزي السوري، والذي أضاف أن الأوراق النقدية لن تحمل صورة الشرع، لتجنب أي ارتباط بالنظام السابق.
لكن وفقًا للدبلوماسي الإقليمي، لا تزال سوريا اليوم في قلب الحسابات الجيوسياسية. ففي حين ضَمَن نظام الأسد بقاءه من خلال وضع نفسه في قلب إسقاطات القوة الإيرانية والروسية، أخذ الشرع يتجه أكثر فأكثر نحو أمريكا وإسرائيل.
وبالتالي، يقول الدبلوماسي الإقليمي، فإن ما يحدث في سوريا سيكون جزءًا من صفقة أكبر يعمل الأمريكيون والإسرائيليون والسعوديون على الدفع بها في المنطقة.
وستزداد تعقيدات هذه الصفقة بسبب ضغوط إسرائيل لتهجير الفلسطينيين، ورفض حزب الله الثابت لنزع سلاحه، والنزاعات بين لبنان وسوريا حول ترسيم الحدود.
لكن هناك دفع لتحقيق تقدّم على الساحة اللبنانية، وفقًا للدبلوماسي الإقليمي، الذي يقول إن للوعود السخية لإعادة إعمار البلد الذي مزقته الحرب تأثيرًا على الرئيس اللبناني، جوزيف عون، ورئيس الوزراء، نواف سلام، وكذا للضغط السعودي والإماراتي والمصري للبدء في السعي إلى اتفاق تطبيع مع سير المحادثات السورية الإسرائيلية.
يشير مصدر مقرب من رئيس الوزراء اللبناني إلى أن البلاد منفتحة على هذه الإمكانية. «لبنان ستكون آخر دولة عربية تطبع العلاقات لأن القرار الداخلي ليس موحد كما في سوريا والسعودية. نحن لدينا عدة أحزاب ووجهات نظر. لكن سيكون هناك سلام مع إسرائيل»، يقول المصدر، مضيفًا إن «قرار التطبيع موضوع حساس في لبنان ويتطلب إجماع وطني، ولكن لا شيء يمنع حدوثه. ولكن من المؤكد ان لبنان سيكون بعد سوريا والسعودية، وليس قبل».
لكن عقارب الساعة تلاحق الجميع، فقد مُنح حزب الله مهلة حتى نهاية العام لتسليم سلاحه.
بدأت إسرائيل في شن عملية عسكرية جديدة على منطقة مكتظة بالسكان وسط تقارير إعلامية مستمرة عن خطة تهجير نهائية. بدلًا من رفح، هذه المرة هي مدينة غزة، والآن أصبح الناس الذين دُفعوا إلى حافة المجاعة في القطاع أكثر يأسًا.
في سوريا، اندفع الشرع إلى استخدام الإكراه العنيف وخاض مياه التطبيع العكرة، ولا يلوح أنه يمكن له التراجع عن خطاه. هذه هي سوريا الجديدة.
تقارير ذات صلة
ياسين الحاج صالح عن الجسد الكبير والصغير: كيف سيكون مستقبل سوريا؟
الجسد في التجربة السورية ليس مجرد كيان بيولوجي
التجربة الكردية على المحك.. «قسد» يخسر جولات أمام الشرع والقوى الخارجية
كيف تهاوت المحادثات بين «قسد» ودمشق نحو الاقتتال؟
ترامب يلتقي ابن سلمان للاتفاق على صفقات الأزمات
تلعب الرياض دورًا دبلوماسيًا مهمًا في كل أزمات المنطقة
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن