سلطنة فوق النيل
#91 | دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
#جو عام
في 91 # من ديتوكس نركب الكاياك مع هيثم خيري في النيل، حيث يستعيد عبر خبطات المجداف، والكتابة، علاقته بالنهر والتجديف فيه حين كان يلعب تلك الرياضة صغيرًا في مراكب المحترفين، ساردًا ما أحياه ركوب هذا الزورق الصغير من ذكريات تعود لأكثر من عشرين عامًا، وذلك في رحلة لا بد أن تسلطن مَن يقدم على خوضها.
#دليل
نيل الزمالك، في الصيف والحر. الطيور تحلق، وتحطّ على ورد النيل. والنيل لا مثيل له حول جزيرة الزمالك، جماله فاتن، وإذا كنت مثلي من مُحبي الصيد والهواء الطلق فسيثير إعجابك وانتباهك.
العاشرة صباحًا.. الوقت لا يزال مناسبًا لتنفس الهواء النقي، والفرصة سنحت لنزول النهر.
بصحبة محرر ديتوكس، وبدعوة منه، عدتُ إلى التجديف بعد توقف لأكثر من عقدين، حددنا موعدًا لركوب «الكاياك»، وهو اسم مُحرف من تسمية أهل جرينلاند له حيث يُركب هناك في الأصل. وهو قارب صغير بمجداف واحد، تشق به صفحة النيل وتضرب عكس اتجاه التيار في طريق الذهاب، وتعود مع التيار.
حتى تعرف كيف تجدف الكاياك، سيرشدك كابتن صغير السن يبلغ 17 عامًا، يتمتع بلياقة جيدة وابتسامات وتفاؤل هذا العُمر.. هكذا قضينا خمس دقائق لا أكثر للتعرّف على الرياضة السهلة، وقفنا أمام النيل نجدف في الهواء يمينًا ويسارًا بذراعينا لنعرف كيفية تحريك المركب للأمام والخلف واليمين واليسار: الأمر كله يخضع لحركة المجداف، إذا أردت الانحدار يمينًا ستضرب بالمجداف في اتجاه اليسار، والعكس صحيح، وإذا أردت السير للأمام في خط مستقيم عليك الضرب بالمجداف ذي الكفتين مرة لليمين وأخرى لليسار، وفي كل مرة سينحرف قليلًا. «يمين شِمال»، لكنه سيمضي بك للأمام على كل حال.
كنتُ مشتاقًا للقاء النيل، والتجديف فيه بلا أدنى مبالغة.
***
منذ 23 عامًا تقريبًا جمعتني الصدفة السعيدة بصبي يلعب معي التجديف، قصيرٌ، ذو شعر أصفر كما الأجانب، يحب الأفلام الأمريكية بهوس، ويردد كلماتها، كنّا نتحدث سويًا عن فيلم «يوم الاستقلال» و«غباء في غباء» وأفلام التسعينيات، يفضّل الوحدة والانطواء والكلام القليل مع الناس وزملاء الرياضة، ممتلئ بعض الشيء، عرفت أن اسمه مركب بطريقة غريبة.
سألتُه أول مرة:
ـ إنت اسمك إيه؟
ـ أحمد.. أحمد وائل.
ـ إيه ده إزاي يعني.. أكيد إنت اسمك وائل أحمد!
ـ بقول لك أحمد وائل، وأبويا اسمه وائل.. إيه الغريب في دي؟
كلامه محدد من زمان كما ترى، ومَن لا يعرفه قد يظنه متعالٍ متعجرف، ومَن يألفه سيفهم أنه قليل الكلام، يقدر الناس والصداقات وإن بدا أنه غير مبالٍ، وقليلًا ما يخوض مع الخائضين في الكلام عن زملاء في مهنتي الصحافة والكتابة اللتين نمارسهما الآن. لكن دعك من هؤلاء القوم بأوراقهم ومكاتبهم، حتى أحدثك عن ذكرياتي مع النيل والإبحار فوقه.
كنّا في إجازة المرحلة الإعدادية، أو إجازة الصف الأول الثانوي، يلتبس الأمر عليّ. عمومًا، كنّا صغارًا إلى هذا الحد، وكانت التمرينات في نادي «المقاولون العرب» شاقة للغاية، مليئة بالمعاناة بلا مبالغة، فزعيمنا الروحي وقائدنا ومدربنا يُدعى الكابتن عماد التربي، وهو مشهور لدى محبي رياضة التجديف، وكان يبدأ تمرينه معنا في السابعة صباحًا، نجري يوميًا مسافات تتراوح ما بين ثلاثة وثمانية كيلومترات، ثم نعود لنؤدي تمارين الضغط والبطن والسويدي، وفي مراحل متطورة لعبنا على جهاز يُدعى بالـ«ارجوميتر»، ومنه إلى رفع الأثقال.
النزول للنيل للتجديف لم يكن سهلًا، فعليك أن تمرّ بدورة تدريبات يومية قد تصل لعدة أشهر، حتى تنزل إلى ما يُسمى بـ«المدرسة». وهي مركب عريض طويل ذو ثمانية مجاديف، يركبه ثمانية من المتدربين. المدرسة شبه متهالكة، وفيها يتعلم المتدربون أصول اللعبة، وتشتد عضلاتهم وتنمو مع الوقت، ويمارسون اللعبة.. هكذا تأقلمنا على الجو، أنا ووائل.
بعد المدرسة، ينتقل اللاعب إلى الـ«يوليتا»، وهو مركب خشبي أيضًا لكنه يستوعب أربعة لاعبين فقط، وفي مقدمته يوجد البرير الذي يقوده يمينًا ويسارًا عبر الدفة. المركب عريض نوعًا ما، لكنه أقل عرضًا مقارنة بالمدرسة، لكنه يهتز أكثر ويحتاج لمراعاة التوازن أكثر. وحين يتقدم اللاعب ويصير أكثر احترافًا ينتقل إلى المراكب الزوجية، الـ«دوبل»، ثم يدخل في المرحلة الأصعب على الإطلاق وهي المراكب الفردية؛ الـ«سكيف» والتي تحتاج لتوازن شديد ولياقة بدنية عالية.
ومن مظاهر المعاناة في التجديف أيضًا تعلّم السباحة في النيل، وأقصر طُرق التعلّم هو ربط اللاعب الجديد بحبل سميك حتى يتعلم السباحة بجوار الشاطئ حيث يكون التيار في أضعف حالاته. ثم يُترك له الحبل حتى يدخل إلى الأعماق أكثر، ويحترف السباحة كما يحترف التجديف.
***
جسمي يفرز الأدرينالين مجددًا، أتوتر قليلًا وأنا الخبير بدروب العوم في البحر والنيل، بصحبة زميل التجديف القديم، الذي طلب مني كتابة هذا الديتوكس. نعود إلى الإبحار في النيل، لكن عبر كاياك مفرد ذي مجداف واحد، بينما كنّا نستخدم اثنين في التجديف. كل منّا يستقل كاياكه. بجوارنا، فتاتان عشرينيتان قررتا لأول مرة خوض تجربة الكاياك، خائفتان، إلا أن إحداهما أكثر جرأة، والأخرى توشك على الرجوع بخيبة، أسألها:
ـ إنتي أول مرة تنزلي الكاياك.
ـ أول مرة أركب مركب لوحدي وخايفة جدًا.. مبعرفش اعوم.
ـ بس إنتي لابسة اللايف جاكيت.. يعني مستحيل تغرقي.
ترتجف تقريبًا، وتضحك، أشجعها مع الكابتن الشاب الذي سيقودنا بعد دقائق. تهزم خوفها وتستقل الكاياك، ونبدأ جميعنا الإبحار في نيل الزمالك.

ونيل الزمالك ليس له مثيل كما قلتُ لك من قبل، واسع ومرحب جدًا بالضيوف، نجدف قليلًا عكس التيار، ونعبر بجوار العوامات المُستقرة على كورنيش إمبابة، وهي عبارة عن تحف معمارية، أطيل النظر في الأسوار الخشبية والشبابيك والبلكونات، إحداها يملكها شخص مولع بالفن التشكيلي على ما يبدو، حيث تزين البلكونة المفتوحة على النيل مباشرة لوحات فنية عديدة، وعوامة أخرى صاحبتها تربّي الكلاب، فحين أقترب منها تنبح سبعة كلاب بصوت طفولي وجميل، وحين أبتعد تهدأ. ألمح طائر «أبو قردان» مستقرًا على كومة من ورد النيل.. والورد يمشي في اتجاه التيار بسرعة، والكلاب تنبح بشدة على الطائر الذي يلتفت برأسه إليها كأنه غير مكترث ويكمل رحلته، ويستمر النباح حتى يبتعد تمامًا.
تبدو هذه العوامات محطات سابقة للسعادة في حياة المئات منذ عشرات السنين وحتى الآن، عرفتُ فيما بعد أنه مِن بين مَن عاشوا فيها بديعة مصابني وزوجها نجيب الريحاني، وفريد الأطرش، ومن قبلهم منيرة المهدية وبشاوات الزمالك، ونجيب محفوظ في أول سنوات زواجه. لكن منذ عقود حُصر تواجد العوامات في حي إمبابة فقط، حيث رُحلت من العجوزة والزمالك وأحياء أخرى. وهو القرار الذي يُقال إن زكريا محيي الدين كان صاحبه، فقد عُرف عن الرجل -ذي المناصب العديدة في دولة يوليو- ممارسته للتجديف، وترأّسه للاتحاد الرسمي لهذه الرياضة، ويبدو أن العوامات كانت تعيق حركته وهو يجدف في ذلك الزمان، فأُخليت شواطئ النيل منها عدا إمبابة، حتى يتسلطن الجديفة.
والعوامات ليست وحدها منبع الفتنة، بل الهواء أيضًا، فهو أكثر نقاءً وسط النيل، لكن التجديف عكس التيار مرهق ولا بُد من راحة. ركاب الكايكات الأخرى يستريحون في ظل شجرة وارفة على ضفة النيل، تسرح بأوراقها وعروشها وفروعها على صفحة النهر، أمام مشتل صغير خالٍ تقريبًا، ألتحق بهم في استراحة قصيرة، ثم نعاود الإبحار بالكاياك. المجهود المبذول في اللعبة يحرك عضلات الأكتاف والذراعين والبطن، بينما تبقى الساقان ممدودتين ثابتتين، بعكس التجديف الذي يحتاج لتحريك عضلات الظهر والكتفين والذراعين والبطن والأرجل لدفع الكرسي الصغير الذي تجلس عليه للأمام والخلف حتى تحرك مجدافي السكيف.
والقوم حول النيل أراهم من بعيد: أحدهم يمشي مجرجرًا ساقيه صاعدًا إلى كوبري 15 مايو بصعوبة واضحة. وآخر يقزقز لبًا ويلقي به في النيل. وآخرون يجلسون في كافيه، ولا يفصلهم عن النيل إلا سياج زجاجي، ينظرون إلينا ببعض التمني.. مع أن الأمر أبسط من البساطة.
أما الفتاتان العشرينياتان فقد صارتا في غاية الانسجام مع النيل والكاياك، وهما الآن تمرحان في هزار وضحك.
بسبب كل ذلك، شعرتُ بالسلطنة بينما أشاهد القاهرة في روقان من قلب النيل، فوق ظهر مركب لا يقوده غيري، ولا يحرك دفته إلا ذراعي.
#وسلام.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
حلم ولّا فيلم
#266| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن