تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سحر سانت كاترين

سحر سانت كاترين

كتابة: دليلة 10 دقيقة قراءة

وجدتُ سحرًا في الجبل والحصن وأشجار الزيتون يوم زرتُ سانت كاترين لأول مرة. قطعتُ طريقًا طويلًا مع أصدقائي إلى بوابة الدير. مررنا على جبال واقفة في صمت لا تهتز بريح ولا تُذيبها حرارة الشمس الحارقة، حتى وصلنا للعُلّيقة المُسوّرة، التي -وفقًا لقصتها القديمة الحيّة- حدث  الله منها موسى وسَكَنَتها الحياة لآلاف السنين. دخلتُ إحدى كنائس الدير، جلستُ على سلّمها، لم أسأل اللهَ شيئًا، ولكنني اختلست النظر لكل من دخل الكنيسة وانحنى وصلّى، وتذكرتُ تاريخًا يبعُد عني ببطء: زمنٌ قُمتُ فيه بنفس الشيء؛ دخلتُ، وانحنيتُ، وصليتُ. 

حينها لم ينقطع حديثي مع الله يومًا؛ عرضتُ عليه حيرتي، وشاركته أفكاري، وسألته المشورة. حدثته بأفعالي وسمعت صداه يتردد في أثر كل فعل. دافعتُ عنه ضد كل من تكلّم بلسانه ليبيح ظُلمًا أو ليغذي شعورًا بتفوق زائف. فالإله الذي عرفته جاء في خدمة الجميع، وحتى معجزاته لم تكن استعراضًا للعظمة، بل كانت تُلبّيةً لاحتياجات من حوله.

ولكن، مع كل دفاع عنه ومع كل إطار وضعه فيه آخرون وحاولت إخراجه منه، اتسعت الهوة بيني وبينه. سألتُ نفسي كثيرًا: هل أعرفه حقًا؟ هل شُوِّهَت صورته حد عجز شعبه نفسه عن التعرُّف عليه؟ أم أنني أتحدث مع إله آخر؟ 

على سلم كنيسة الدير غمرني الصمت، رأيتُ فقط حركات أجساد الزوار: دخول في خشوع، انحناء للأمام، رسم الصليب، رفع الأيدي، الصلاة في صمت، رسم الصليب مرة أخرى، الخروج بنفس الخشوع. أعرف كل هذه الحركات عن ظهر قلب، ولكنني لم أخطُ لأبعد من عتبة مدخل الكنيسة. 

مرت سنتان على هذا اليوم، وإذ بدير سانت كاترين يتصدر الأخبار في 28 مايو. يومها قال القضاء المصري كلمته: أراضي الدير، التي كانت موضع لنزاع قضائي طويل مُدته 11 عامًا، صارت الآن ملكية عامة. 

تذكرتُ الحصن والجبل وأشجار الزيتون؛ تذكرت العليقة والكنيسة والصمت؛ تذكرتُ السحر. 

ولكنني استدعيتُ أيضًا مبانٍ غير مُكتملة بَدَت دخيلة ومُقحمة بنظامها على الصحراء التي ينبغي ألا يكون بها شيئًا بهذا النظام. واستدعيتُ آلات بناء ضخمة مُبعثرة في بحرٍ من الرمال، وصديقتي التي حمدت الله أن على الأقل هذه الآلات لم تعمل وقت زيارتنا، وإلا كانت ستتبدّل تجربتنا لنذوق ضوضاء التنمية التي أتى بها مشروع «التجلي الأعظم» إلى سانت كاترين. 

caption

تابعتُ أخبار الحكم وتبعاته في البداية دون حماسٍ يُذكَر، ففي عالمٍ تتأتى معالم انهياره في كل لحظة، ما بين الحرب في غزة وخريطة إقليمية تتبدّل توازنات القوة فيها ويمين يستحكم في أرضنا،  قُلتُ في نفسي هناك أشياءٌ أهم وبالأولى الانتباه لها. 

بعدها تحدثتُ لراهب تقاطعت سُبُله مع سانت كاترين. شرح لي الراهب أن الشرايين التي كانت تُغذّي حياتهم الرهبانية لسنوات مُهددة الآن بالانقطاع؛ فبموجب الحكم القضائي المصري، الصادر في 28 مايو، سيُجَرَد الرهبان من الأراضي التي مدّت الدير بعناصر اكتفائه الذاتي ومنحت الحياة الرهبانية في سيناء صمودها واستمراريتها، حتى في خضّم وباء هدد العالم أجمع بالفناء. 

سألته عن عدد الرهبان، قال لي: 23. 

لا أعلم بالضبط لماذا أثرت فيَّ هذه المحادثة لهذا الحدّ. ولكنني أعلم أن ما حكاه لي الراهب عن تنظيم الحياة الرهبانية في سانت كاترين دفعني للتخيُّل والتساؤل والفهم: ماذا يعني أن يعيش 23 راهبًا في وهج هذه الصحراء القاسية؟ كيف استمرت الحياة في هذا الدير القديم لأكثر من 14 قرنًا؟ هل سيتحول لمجرد حجارة تتذكر صمود الحياة بينها حتى عام 2025؟ هل هذه حياة أخرى ضمن حيواتٍ كُثُر شهدنا وسنشهد فنائها؟

طاردتني هذه الأسئلة، ومعها تبعتني جذوري: ماضٍ ظننتُ مُخطئةً أنني قد انفصلت عنه. 

كانت العُليقة وجهةَ النُسّاك منذُ القرن الثالث الميلادي، رهبان فُرادى نزحوا إليها مستقرين في قلاياتٍ بنوها حولها. وبعدما بُنيت كنيسة سانت كاترين، وحصنها الشاهق الذي ضم كافة الكنائس المبنية بجهود الرهبان قبل القرن السادس، سكَنَ صحراء جنوب سيناء ما يُقَدَر بـ600 راهب بحلول القرن السابع الميلادي. يتبقى الآن 23. وبين الـ600 راهب السابقين والـ23 الحاليين، بقيّت الصلة واحدة: أُخوّة، ليست مبنية على صلة القرابة أو النسب أو الدم، بل يصيغها اختيارٌ مُشتَرَك لنمط حياة قوامه الشراكة الروحية والمادية. فرغم عُزلة وانغلاق الحياة الرهبانية الأورثوذكسية، تظل مسؤوليات الأخوة تجاه بعضهم وتجاه ديرهم ومحيطهم قائمة: المطبخ، والمكتبة، والزراعة، والمياه، والعناية بالإرث الكنسي وخدمة المجتمع المحيط بالدير وغيرها، كلها مهام آدمية بسيطة ومملة تُشكّل نسيج حياة الأخوية. 

أُخِذتُ بسحر هذه الحياة، ولم أجد نفسي مهتمة بما يستحوذ عليّ عادةً: فلم أُهوَّس برسم صورة عن حقائق الدير التاريخية الدقيقة، ولا ببناء تحليل موضوعي مُنَمَق لماضي الأخوية وسقطاتها، بل أسرتني فكرة «ليست من هذا العالم»، فكرة عن مجتمع لم يفقد وجوده في رحلة الحفاظ على استقلاليته، وفكرة عن حياة لا تنتظم إلا بروح الخدمة والجماعة.

ولكن كان للمحكمة سحرُ آخر، سحرٌ فتت الأرض، فلم تعُد ساحةً للخدمة، ولا لخلق الروابط، ولا لتشكيل الجماعة. فقد ألقت المحكمة بعصا حكمها على وجود الرهبان العتيق، واختزلت حياة الخدمة التي ورثوها عن آباؤهم وأجداد أجدادهم في «الصلاةِ» و«التعبُّدِ»، مانحةً إياهم ما أطلقت عليه «الحيازة الدينية»، فضمنت لهم بقائهم على الأراضي «ذات الطابع الديني»، ليس كمُلّاكٍ أصليين بل كمجرد مستخدمين لها. 

فهمتُ لاحقًا أن المحكمة جردت  الرهبان من أحد الأبعاد الجوهرية لحياتهم الرهبانية: الخدمة.

الخدمة هي نمط للتواجد داخل الجماعة؛ نمط يُجبرك على الانتباه لكل ما هو حولك، لتدرك أنك لا تعيش في هذا العالم منفردًا، وأن فرديتك في الواقع قد تتحقق من خلال الانتماء لشيء ما.  الخدمة لا تحتم عليك أن تكون مثاليًا، فقط أن تكون منفتحًا لفهم احتياجات محيطك وأن تكون مستعدًا للمحاولة والفعل والخطأ والتعلُّم. الخدمة تُحتِّم عليك الالتزام بالفعل، والتأثير في حركة ما تنتمي إليه، فهي محاولات متعددة لتجسيد الإيمان الذي يصعب ترجمته في عملٍ ملموس، ولكنها تغذي الروابط بينك وبين آخرين. تخلق هذه الروابط مرآةً لك، تكشف لك نفسك، ليس نفسك التي تتخيلها، بل تلك المُتجسّدة في أفعالك، وإن كنت صادقًا في نواياك ستمكث مع انعكاسك لترى وتسمع كل ما يقوله لك. 

كانت الخدمة نبض الحياة المسيحية التي تعلّمت عيشها. لم تأسرني الطقوس مثلما أسرني الفعل؛ فلم أُركّز في مواعيد دخول الصيام، ولم أتفحص ظهر أغلفة المأكولات لأعرف ما إذا كان ما سيدخل معدتي الآن «صيامي ولّا فطاري». ولم أُنشغل بعدد مرات حضوري القداس، ولا كم مواظبتي على الصلوات المحفوظة، ولم أمارس سر الاعتراف إلا مرة وحيدة في حياتي. 

حينها، لم أعتبر يومًا إيماني منقوصًا، فعقيدتي لم تول اهتمامًا ضخمًا بالشكليات، بل كانت مصدرًا لممارسة الإيمان «بالغوصِ في بحور العالم». ولم يكُن الإيمان مُجرّد عقيدة احفظها في قلبي وعقلي، بل كان رسالة أؤديها بأفعالي في كل لحظة من كل يوم. والله الذي آمنت به لم ينظر لمظاهر الأمور، بل كان مهمومًا بجوهرها. فتحوّل إيماني لممارسة التساؤل الدائم لتشكيل فهمي لجوهر الأمور: جوهر نوايايا، جوهر ما أقوم به، جوهر ما يشكلّني وأشكلّه بالتبعية. 

وها أنا الآن هجرت العقيدة ولكنني أتمسك بالإيمان والفعل. 

والرهبان أيضًا لم يهجروا الفعل رغم قرارهم بالعزلة عن العالم؛ فحياتهم المشتركة نبضت بخدماتهم، وأزمتهم الأخيرة خفقت بعصيانهم. 

بين شهري يونيو ويوليو، تصدرت الأخبار أنباء عن محادثات ثنائية بين مصر واليونان. في كل محادثة تُطمئن مصرُ اليونانَ أنها ستحافظ على الطبيعة الخاصة لسانت كاترين. ولكن، بعدما كان يأتي ذكر الدير منفردًا عقب الحكم مباشرةً، بدأ ذِكرُه لاحقًا بين حزمة من الموضوعات التي يناقشها البلدان في إطار شراكتهما الاستراتيجية: غزة، وليبيا، والربط الكهربائي، وتعيين الحدود البحرية في شرق المتوسط، والهجرة غير المنظمة. تابعتُ الأخبار، وساد الصمتُ حديثي مع الراهب. قُلتُ في نفسي ربما يعكف الرهبان الآن على إعادة تنظيم أوراقهم من أجل خوض المعركة المفروضة عليهم بفعل الحُكم الصادر من القضاء المصري. 

ولكن فجأة، في صباح الثاني من أغسطس، انكسر الصمت بخبرٍ عن «إنقلاب» الرهبان على رئيس ديرهم. انتبهت للخبر. أبلغتُ بعضًا من زملائي. لم أُفكر كثيرًا، عِدتُ فقط ما قرأته: «انقلب الرهبان على رئيسهم».  

قبل حديثي مع الراهب، تتبعت خيوط مُبعثرة في الصحافة اليونانية عن محاولة الأخوية لتعزل رئيس الدير في آخر أسبوع من يوليو. جاءت هذه المحاولة بعدما تقدمت وزيرة التعليم والشؤون الدينية والرياضة اليونانية بقانون للبرلمان اليوناني، بموجبه ستُنشأ هيئة عامة في أثينا تُدار من خلالها ممتلكات الدير، كما يفتح القانون بابًا لنقل حقوق الأخوية الأخرى، مثل حقوق الملكية والانتفاع والاستخدام، لهذه الهيئة. 

ذكرت الأخبار اليونانية أن التقدُّم بهذا القانون حدث «بطلب من الدير نفسه»

تملّكتني أسئلة ثقيلة ومُربكة: كيف سيؤثر ذلك على مصير الرهبان في مصر، خاصةً وأن ما تسيّد الإعلام والصحافة المصرية عقب صدور الحكم كان خطابًا قوميًا جاهلًا بأن سانت كاترين دير مستقل إداريًا عن كافة بطريركيات الروم الأورثوذكس؟ كيف سيتمكن الرهبان من خوض المعركة القضائية هنا، فيما يسود صفوفهم هذا الانشقاق العميق؟ هل للأجهزة الأمنية في مصر يدٌ في خلق هذا الانشقاق؟

توجهتُ بأسئلتي إلى الراهب وفي إجاباته وجدتُ يقينًا أسكَت ارتباكي؛ فعصيان الأخوية كان واجبًا يؤديه رهبانٌ مدافعين عن ثلاثة مبادئ تحكم أخويتهم: الخدمة، والاستقلالية، وسلطة الجماعة. 

هنا والآن، في هذه المعركة في هذا العصر من الزمان، حصد الرهبان ما زرعوه على مدار قرن ونصف، فهذا الدير لا يخضع لا لسلطة دولة ولا بطرك ولا لسلطان إنسان؛ سلطته المُطلقة مصدرها «الأخوية»، والكلمة الأخيرة فيه لمجمع الآباء. وبهذه السلطة مضى الرهبان في إتمام مهمتهم: السهر على استقلالية ديرهم، عاصين مُطرانهم الذي لم يفِ بعهده مع إخوته بالحفاظ على نظام الشراكة بينهم ومعهم، وحاول بإرادته المنفردة أن يدفع بالدير تحت وصاية اليونان. ظن المطران مُخطئًا أن خدمته في موقع القيادة، التي خُصِصَت له بقرار مجمع الآباء، قد أعطته سلطةً تعلو فوق الجماعة، في حين رآها الرهبان خدمة كسائر الخدمات، كالمطبخ والمكتبة، وكما أُعطَت له بتصويت ثلثي المجمع يمكن سحبها منه بتصويتٍ آخر. 

وهكذا مضت الأخوية في طريقها، رافضة توغل نفوذ أي دولة في شؤونها، مُدافعة عن استقلاليتها، مُستخدمةً في ذلك تقاليدها الراسخة. فلم يكن على الأخوية سوى التحصُّن بأدواتها المتوارثة عبر أجيال: لائحة الدير الداخلية ومحاضر اجتماعات مجمع الآباء وتصويت الأخوية في مجمعها. 

رأى الرهبان في تقاليدهم إمكانية الحذو بغير «الطاعة»، أو ربما تمسّكوا بفهمٍ أعمق لها؛ فهمٌ يتخطى طاعة «القيادة» إذا حادت عن التزامها وعهدها. ففي عصيان الرهبان لرئيسهم طاعةٌ لله تُرجِمت في التزامهم بما عاهدوا عليه بعضهم وبمسؤوليتهم تجاه ديرهم وأخويتهم. أما عصيانهم، فصاغوه  بأدواتٍ مُستَمَدة من روح الخدمة: أدوات لم تُبنَ بكلامٍ رنان ولا بأعمالٍ برّاقة تجعل نجم من يقوم بها ساطعًا، بل كانت نتاج تراكم عمل دؤوب ممل لا يُحتَفى به عادةً ولكن امتد القيام به لقرون. 

 ومع تسليح الرهبان عصيانهم بهذه الأدوات رأيتُ شهادة حية عن سحرٍ يمكن أن يقدمه لنا التقليد في لحظة حاضرة مأزومة نحتاج فيها إلى شيء نعرفه، شيء نتحرك معًا وفقًا له. تتحرك التقاليد في الزمن بمنطقها الخاص وتناقضاتها الداخلية. وفي قلب المنطق والتناقضات تكمن الإمكانية: ليس فقط إمكانية استدعائها بل أيضًا إمكانية تطويعها للاستخدام في لحظة لاحقة على وقت نشوئها. فالتقليد لا يعني بالضرورة التكلُّس، بل قد يعني الاستمرارية؛ ففي استدعاء التقليد إقرارٌ بحقيقة وجودنا الممتد بين الماضي والحاضر، وفي تطويعة استدعاءٌ لإرادتنا، لفاعليتنا، في هذا الوجود الممتد. وبذلك يكسب التقليد معناه من توقيت وطريقة استخدامه وانحيازات وأهداف من يُطوّعونه.

وبينما عدّد الراهب مواد لائحة الدير الداخلية التي تقر بسلطة الأخوية واستقلاليتها، حضر في ذهني سلسلة التقاليد التي أنتمي إليها، منها ما فُرِض عليَّ بفعل الأمر الواقع، ومنها ما اخترت الإنتماء له بمحض إرادتي. واستحضرتُ وقوفي على عتبة الكنيسة، وشعوري بأنني ثمرة هذه النبتة القديمة ودخيلة عليها في نفس الوقت. استحضرت رحلةً طويلة ادعيّت فيها أنني انفصلت عن جذوري، وإدراكي لاحقًا بأن هذا الانفصال مهمة مستحيلة، وأنني لا أود اختياره حتى لو كان مُمكًنا. استحضرت تفسخي وتيهي حتى عثرتُ على توازن جديد أعدتُ من خلاله تركيب نفسي لأكون في سلام مع حقيقة أنني سأظل أنتمي وسأظل دخيلة. وحينها جددت في قلبي اختياري، ليس اختيار الانفصال عن تقاليد شكلتني، بل اختيار فهمها واستدعائها وتشكيلها في كل ما قررتُ الانتماء له الآن. 

من قلب الصحراء البعيدة، يخوض الرهبان معركة يحاربون فيها قوى عصرنا الحالي: قوى الدولة المصرية التي تظن أن من الممكن تسليع كل شيء وتسويقه وبيعه، وقوى يونانية انتهازية تسعى لزيادة نفوذها داخل الدير مستغلةً الثغرة التي فُتِحَت لها من خلال الحكم القضائي المصري. وبين الأولى والأخيرة، يتلاشى النظام العالمي الذي عهدناه، وتنهار قوة مؤسساته ويتضاءل دور مارسته المنظمات الأممية على مدار عقود في تشكيل توازنات القوة. فحتى اليونسكو، هذا الصرح الكبير الذي أقسم على حماية تراث العالم، لم يُسمَع له حسًا ولم يوفر أدني حماية للرهبان أو ديرهم. 

ظروف المعركة ليست مثالية، ولم يتمسك الرهبان بمثاليتهم في خوضها؛ فبين مُطران اقتحم الدير بحرسٍ خاص ضربوا الرهبان وأخرجوهم عنوةً من بيتهم، ورهبان قرروا تسريب كافة الأخطاء الجسيمة التي ارتكبها مُطرانهم قبل بداية كل هذه الأحداث، أرى ما أضاف للسحرِ سحرًا: فهم ليسوا أبطالًا، بل بشر عاديون، لا يخافون أن تتسخ أياديهم في قلب المُعتَرَك، بل يتمسكون بعمليةٍ ساحرة تشكل هذا الفصل من تاريخ ديرهم المديد. 

تمكّن الرهبان من عزل رئيس ديرهم، وانتخبوا رئيسًا جديدًا، ويبدو أن اليونان لم تترك لهم خياراتٍ وفيرة. 

وأنا ما زلتُ أترقب القادم، وأعتقد أنني الآن أود أن أسأل الله شيئًا: ساعدهم ألا يفقدوا البوصلة وامنحهم البصيرة. ولتُبقي السحر حيًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن