تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
سابع مدى| ليلة في قلعة الكونت دراكيولا

سابع مدى| ليلة في قلعة الكونت دراكيولا

كتابة: جيلان صلاح 5 دقيقة قراءة
لوحة مرسومة لعمر مصطفى مستوحاة من أجواء القصة القصيرة

قصة من المجموعة القصصية الجديدة، غير المنشورة بعد، للكاتبة.

كانت ميرا أغرب زبونة أراها في البار.

في كل مرة تأتي فيها تنصهر في الموجودات، تختفي على المقاعد، تجلس ملتصقة بحافة الكاونتر وكأنما تخاف أن تسقط.

في كل مرة تأتي، كنت أراها بملابس لا تتناسب وما نحن فيه.

فراء يوحي بالفخامة، لكنه لا يبدو ملكها كأنما اقترضته (أو سرقته) من أحد. بنطلونات ضيقة، لكن لا شيء مميز بها، في مرة خلعت البالطو الأسود الجلدي الذي ترتديه وكانت البلوزة أسفل منه عارية جدًا، نعم أدارات عينيها في الموجودين بعد أن خلعت البالطو لترى إن كان أحد اهتم لجمال جسدها، لكنها لم تفعلها باحترافية، وعلى الرغم من أن جسدها شاهق البياض ممتلئ مثل أكوام المارشمالو أو القشدة التي يكومها عمي جرجس قبل أن يقتطع منها مكعباتٍ ليضعها فوق البسبوسة الساخنة، ويقدمها للزبون المنتشي برائحة السمن والسميد والقشدة السائلة، إلا إنه لم يبدُ مضبوطاً أو مناسباً، دخيلة كانت على المشهد، وكذلك على الشُرب، شعرها طويل لكنه ليس مصففاً كما يجب، أتخيل شكله وقد جلست ميرا تحت يديّ كوافير متمكن كابنة خالتي مارجو وأشعر بنشوة مفاجأة تدفعني لأضع يدي على سحابة بنطلوني.

لم تعرف الفارق بين الكوكتيلات، ولم تحب الكحول النقي، يجب أن يكون هناك كوكتيل مضافًا إليه محسنات الطعم مثل العصير الحلو أو الفواكه، في المرة الثالثة بدأت تحدد ذائقتها وتكتشف أنها تميل للونج آيلاند أكثر من فيرجين ميري، والكوزموبوليتان أكثر من البينا كولادا، أما الموهيتو فلا قدرة لها عليه، أحياناً كانت تطلب الفودكا بالبرتقال، كوب وراء الآخر تجرعهم في سعادة، ثم تغرق في كآبة عميقة، أتحدث إلى زبائن مستديمين آخرين، أبادلهم الحديث والمزاح، وعندما ألتفت إليها أجدها تحدق في بعينين سوداوين عميقتين.

لم أعرف هل المفترض أن أتبع ميرا أم أتركها لمصيرها والذي لم يبدُ مشرقًا جدًا للحق. لكنني انسحبت وراءها، تبعتها مرة وهي خارجة من البار، نسيتُ أن أذكر أنها لا تتأخر عن الثانية عشر، هل وراءها أهل وعشيرة يحاسبونها؟ وكيف يتجاهلون ساقيها غير المتزنتين، ولسانها البطئ، وكلامها المتثاقل، صحيح أنها تحاول التركيز وتنظر في عيني من يجلس أمامها حتى ليشعر وكأنها غير مخمورة، إلا أنها كذلك.

لوحة مرسومة لعمر مصطفى مستوحاة من أجواء القصة القصيرة

بعد كوبين لونج آيلاند، وكوب فودكا أورانج وزجاجة روم، ماذا تكون المرأة؟ خاصةً وهي بهذا الحجم، ولا يبدُ أنها تناولت أي طعام. هي ضحية مثالية للسكر البيّن. لكنني عندما ضبطت مينا مرة وهو يقترب منها، متأهباً للتحرش بها كما يفعل مع معظم الزبونات السكيرات اللاتي يجلسن بمفردهن، ووجدتها تنظر في عينيه بتركيز دون أن تطرف لدقيقة أو أكثر، والارتباك الذي اعتراه وهو لا يعرف أين يضع يده، فتارة يرفعها ليحك وراء أذنه، ومرة أخرى يحاول أن يريحها على البار، حتى أصابه الملل فتظاهر بأنه يمازحني من وراء البار، هنا عادت اليقظة لنظراتها وأمسكت بيده بحركة خاطفة لا تتناسب والكحول الذي يجري في دمها مثل ماء شلال رائق، يومها عرف الجميع أن ميرا ليست فتاة يمكن العبث معها.

ولهذا تبعتها في طريق العودة.

أنهيت الشيفت مبكرًا وتركت الحِمل على زميلي يوسف، ثم خرجت من البار أسير وراءها محاولًا ألا أجعل نفسي مرئيًا. كنت أسير وراءها بأكثر من عشر خطوات، وهي تترنح، والبالطو الضخم الذي ترتديه يترك علامات مسح الغبار من على الأرض. لماذا ترتدي بالطو طويل يا ميرا؟

لو أن هذا اسمها الحقيقي.

لماذا توقعت أنها تزيفه؟ ربما لأنها كلما سارت، وجدت الطريق يصبح أطول، أوعر، تشققت الأرض أسفل مني، ازداد عدد عمال البناء، وإصلاحات الطرق، غيرنا وجهتنا أكثر من مرة، هي تسير بالبالطو الفراء وأنا وراءها ونظراتي مشدودة إلى مشيتها المائلة المتمايلة، دون أن أستطيع إحالة عيني عنها. أخيرًا دخلنا زقاق لم أعرف حتى كيف وصلنا إليه؟ وشاهدتها تطول.

كلما سارت خطوة طالت قامتها، أكاد أجزم أنها مع كل خطوة كانت تعلو عن الأرض بنصف متر، لم أتراجع، حتى عندما استدارات وارتسمت على وجهها بسمة خبيث، ظللتُ واقفاً حيث أنا.

رفعت ذراعيها، امتدتا للأمام واستطالتنا بينما تكونت حراشف على جانب كل ذراع، التحمت الأصابع وأصبح هناك عصا طويلة مكان اليد. ظهر لها ذنبين أو قرنين أعلى رأسها، وخرجت أغشية داكنة لتغطي عينيها بالكامل، وتخيلت أن بهذا الحجم سترى ميرا الحشرات على الأرض والطائرات الهيلكوبتر في السماء.

لم أحاول الهرب، حتى وهي تقترب مني بساقين مثل الخطافات العملاقة، وهي تمد كلابتيّ يديها لترفعني، وهي تفتح فكين متطابقين إلى حد كبير وتضعني داخلهما، تمضغني، يختلط دمي بسوائل جسدها.

تبتلعني وتهضمني، أدور في دورة كاملة داخل معدتها شديدة الحموضة، لا أخرج منها مثل البراز ولكنها تتخلص مني على أي حال لأصبح بودرة تجميل سائبة، تستقر في نهاية الأمر على وجه وريثة خائبة من اللاتي تزين صورهن صفحات إنستاجرام، وتبحثن عن الشهرة في كل ركن.

لكنني وبعد أن تلفظني خارج جسدها أترنح مبتعدًا عن هذه الماكينة الحرشوفية العظيمة، مثلها أسير دون أن أجد لخطواتي مسارًا ثابتًا، أشعر بحكاك في ظهري، وعندما أحاول لمسه، أجد أن جناحين غشائين شفافين قد نبتا لي، ولا يتوقفان عن الخفقان.

كيف أداريهما؟ ياللمصيبة.

أسير في طريقي للمنزل، وكلما ابتعدت عن ميرا مصدر الطاقة العظيمة، انكمش جناحاي وهدآ على ظهري. استقرا مثل طبقة هشة من البودرة أو الدقيق أو -ما هو أسوأ- غبار متراكم على قميص العمل أسود اللون، فخم الماركة. 

وقت نوبة العمل الثانية، حاولت جاهدًا ألا أدير ظهري للزبائن، حتى وأنا أخلط الكوكتيلات أو أقوم بعرض أمام مجموعة نسوة متحمسات أو رجل أعمال ملول أو امرأة ثرية تعسة تحلم بمضاجعتي بعد كأس سيزيد رأسها ثقلًا وكآبتها دوبلًا، كنت أواجه الزبائن، أرجع بظهري وأبتسم دون توقف.

حتى عادت ميرا.

ميرا التي ظهرت فجأة على أحد كراسي البار، تضم كفيها وتبتسم، نفس المعطف الفراء ولكن أسفل منه لم تكن ترتدي شيئًا تقريبًا، تدلي ثدياها بإهمال أثار الدماء في جسدي، وواتتني رغبة بتقبيلها ودفعها أسفل مني حتى تنبثق منها بتلات الزهور وندفات الثلج.

«ويسكي أون ذا روكس؟» 

اتسعت ابتسامتها وكأن الجوكر خطها بعناية على جانبي فمها.

ثم فتحت فمها على اتساعه، ظهرت أنيابها الحادة مثل فتاحة الزجاجات.

وابتلعت البار كله.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#سابع مدى

2011

من ديوان «كأنها مغفرة» كان الفرح أسطورة هزلية تُحكَى لأجيال، في ساحة الحزب مع صور ماركس ولينين وأغاني حماسية عن الثورة تحلقوا حولي وغنوا بفرح طفولي «الليلة يا سمرة يا…

هدى عمران 4 دقيقة قراءة
#سابع مدى

كيف تكونين من هنا

مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»

أوكسانا تيموفيڤا 27 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن