سابع مدى| لعب
القصة من مجموعة بعنوان «شيءُ ما أصابه الخلل» تصدر قريبًا عن دار «المرايا للنشر»
***
عندما أفقتُ من المخدر كنت مستلقيًا على بطني، ألمٌ يخترق فتحة شرجي، يدور حول وسطي ويمنعني من الحركة. التفتُ لأجد ثلاثة وجوه لأطفال عيونهم تحدق بي. قبل أن أتمكن من استيعاب المشهد لطمني أحدهم على وجهي وأمرني صوته بالاستيقاظ فقد حان موعد الجولة.
حاولت الاستدارة والاستلقاء على ظهري، لكن الألم كان شديدًا عميقًا، صرخت. ضحكتْ الوجوه وفاجئتني لطمة جديدة، زاد معها شعوري بما حولي، كان الأطفال الثلاثة يجلسون على كراسٍ متحركة بعجلات، وقد فقد كلًا منهم طرفًا من أطرافه؛ بلا ذراع، وبلا ذراع وساق، وبنصف ذراع ونصف ساق. مكان الأطراف المبتورة لفائف كبيرة من الضمادات متسخة وبها آثار دم.
كاد البلا ذراع وساق أن يلطمني من جديد لكني حركت رأسي بعيدًا عن مجال حركة يده، وخزني النصف ذراع وساق بإبرة طويلة في بطني وأمرني بسرعة الحركة. صرخت من جديد كان الألم يمزقني وكدت أسقط من على السرير جراء حركتي السريعة. انتبهت أن السقف شديد الارتفاع ولم أستطع استيعاب حجم الحجرة التي نحن فيها.
لامست قدمي الأرض، كدت أسقط مرة أخرى من شدة الوجع عندما ضغطت بمؤخرتي على السرير كي أجلس بشكل طبيعي كما اعتدت أن أفعل ذلك، استندت بذراعي على السرير وظهري منحني ولم أعرف شكل الحركة التي يجب عليّ القيام بها للوقوف والتعامل مع الألم، وخزني النصف ذراع وساق من جديد ونبهني أن وقت الجولة قد بدأ.
صرختُ كحيوان مسعور ولوحت بذراع واحدة وخرجت مني كلمات مكسورة. لم أفهم ماذا يريدون مني، ومَن قطع أطرافهم هكذا، ولماذا هم على هذه الدرجة من القسوة إذا كنا كلنا نعاني الألم، لوهلة خطر ببالي أني أفضل منهم حالًا إذ على الأقل أملك أطرافي الأربعة.
كان الأطفال الثلاثة يتضاحكون على منظري، وأمرني البلا ذراع أن أبدأ بدفع كرسيه إلى الممر خارج الحجرة، فكرت ربما تخفف الحركة من الألم الذي يخترقني.
بصعوبة نقلت يدي لأمسك بالمقبض في ظهر كرسيه المتحرك، نقلت يدي الأخرى وحاولت دفع المقعد بساقيّ المتباعدتين المرتعشتين. بدت الحجرة شاسعة، مليئة بالأسرّة والأطفال البلا أطراف، كلهم أطفال، ولم أفهم لماذا أنا معهم، لم أكن طفلًا وغالبًا لم ترجعني الجراحة التي يبدو أني خضعت لها إلى الطفولة، فحجمي ما زال كبيرًا كما اعتدته.
حاولت دفع الكرسي، تحرك سريعًا وكدتُ أسقط خلفه، لكن صرخة البلا ذراع جعلتني أتماسك. ببطء، دفعت المقعد وحركت ساقي انحرفت يمينًا وبدا الكرسي أكثر ثقلًا مما يبدو رغم أن البلا ذراع كان يظهر هشًا ضئيلًا داخله، خرجنا إلى الممر المتسع عالي السقف، وأمرني أن أجري بالمقعد.

قال: «أتعرف أيها الضخم، تلك هي فرصتنا الأخيرة أن نأمر فيطيع أحدهم أوامرنا، بعد قليل ستبرأ تلك الجروح ويلقون بنا إلى الخارج، هناك لن نقابل سوى الشفقة والقسوة، وكلاهما أمر كريه».
كانت أضواء الممر موزعة بغير نظام، مناطق شديدة الإضاءة، ومناطق معتمة لا تكفيها المصابيح التي تعمل بالفعل، ثم أجزاء مظلمة. الأرضية من بلاط كبير قديم انخلع من بعض الأماكن وصار ناتئًا، وعندما تصطدم عجلات الكرسي بتلك النتوءات تحتاج مجهودًا أكبر في الدفع وأنا أجاهد كي أتحرك.
أشعر بجمرة مشتعلة في مؤخرتي تمتد منها أسياخ نارية في فخذي وتلتف على حوضي صاعدة على ظهري، تصل إليّ أحيانًا كلمات الولد البلا ذراع ثم أفقد تركيزي بين الأضواء المتغيرة ونتوءات البلاط والوجع الذي يستنزفني بهدوء.
«ما زلتَ تمتلك ذراعين وساقين، أنا هنا منذ شهور، رأيت أمثالك يأتون أيامًا ثم يغادرون، بأطراف كاملة، أتعرف لماذا نحن هنا، أنا والذين في الداخل؟ لأننا كنا نلعب. لكننا لعبنا أكثر من اللازم. هكذا أخبرونا بعد أن أفقنا، كنا نشبه حالتك الآن، أنا صرخت طويلًا وبكيت لأني لم أفهم. حقنونا كثيرًا ثم قالوا لنا هذا جزاء اللعب، أخبرونا أنه سيتم عرضنا في المدينة حتى يتعلم الجميع من عاقبة أفعالنا. هنا لا يريدون لأحد أن يلعب، لذا لم يحذرنا أحد، لم نعرف إذا كنا نتمادى في اللعب أم لا، ما هو المسموح وما هو غير المسموح، فكل شيء غير مسموح، لذا عندما استطعنا الإفلات، لعبنا كثيرًا..»
الممر طويل لا ينتهي. حاولتُ أن ابتلع ريقي لكن حلقي كان جافًا تمامًا وتكسيه مرارة دوائية. أحركُ لساني في فمي، أشعرُ به مثل قطعة كاوتشوك سميكة، أخرجه كالكلب وألحس شفتي بحثًا عن أي رطوبة، لكن بلا فائدة. صوت البلا ذراع لا يتوقف: «سقطتُ من القطار، كنت ألعب معه.. يتحرك فأمشي بجواره على الرصيف، وعندما يسرع أجري ثم أقفز بداخله. كل يوم كنت أنتظر إلى أن يصبح القطار أكثر سرعة، وأنا أجري أسرع وأسرع، أحلى إحساس في العالم عندما تقفز إلى قطار متحرك، كنت أطير، أشعر أني خفيف بلا وزن، ثانية أو ثانيتين حتى يدخل جسمي بالكامل في القطار.
لكنّي سقطت، لا أعرف ماذا حدث، آخر ما أذكره أني أحسست أن شيئًا ما ليس على ما يرام وأنا أٌقفز ثم ظلام ثم هنا.. إجري.. إجري قليلًا يا بن القحبة».
كانت خطواتي قد صارت أكثر انتظامًا عندما ظهرت أمامي امرأة ترتدي معطفًا كحليًا، لم ألحظ قدومها نحوي، كأنها خرجت من الحائط، لم أفهم إن كانت طبيبة أم ممرضة. كنت أريد أن أسالها شيئًا يخفف ألمي أو على الأقل أن تأخذ هي البلا ذراع وتتحمل مسؤوليته، لكن وجهها كان غاضبًا، أخرجت شيئًا من جيب معطفها وضربتني به على رأسي، لمحته لحظة مروره أمام وجهي، كانت ماكينة لحلاقة الشعر، ورغم أن الضربة لم تكن قوية أحسست فجأة ببرودة في جانب رأسي.
قالت: «هكذا ستعلم الوردية القادمة إنك خالفت الأوامر». عرفت أنها أزالت جزءًا من شعري، استلّت شيئًا آخر من معطفها ثم ركلت كرسي البلا ذراع فانقلب وسقط الولد على الأرض، وركلتني في بطني بقوة فسقطت بجواره، وانهالت علينا بالشيء الذي أخرجته من معطفها، كان حزامًا عريضًا وصرختْ: «الخروج ممنوع يا كلاب، ستظلّان هكذا إلى أن تموتا أو تتدبرا أموركما وتعودا للغرفة يا شراميط» ولم تتوقف عن الضرب.
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن