سابع مدى| «كل يوم تقريبًا»
*مقتطفات من رواية «كل يوم تقريبًا»، تصدر خلال فترة قصيرة عن دار المحروسة.
دعوة مفتوحة
كأنَّه مَدعوٌّ إلى حَفلٍ كبير. وَصلته بطاقة دَعوة خالية تمامًا، بلا كلمات أو إرشادات. تَخيَّل فؤاد أنَّ الحَفل في خَلاءٍ بعيد، واحة في قلب الصحراء، بينها وبين أقرب عُمران أميال عديدة. تَخيَّل أيضًا أنَّها فُرصَة يجبُ ألَّا يُضيِّعها، فرصة للتغيير والابتعاد عن هموم الدراسة والاسترزاق، عن البيت والأسرة وروتين الحياة اليومية، فرصة للتخفُّف والانطلاق ولو لبعض الوقت. في تلك الرِّحلة أو الحفلة سيجد ما يكفي مِن الوقت ليتجدَّد ويأنَس، لكي يخرج مِن شرنقته وينسى خوفه وعزلته، ورُبما يتعرَّف على أشخاص جُدد، وقد تُولد علاقات صداقة ومحبَّة تدوم طويلًا. راحَ يُعدُّ نفسه للسَّفر بلَهفة، وهو مستغرق في أحلام اليقظة. بدا كأنه قضى عمره كلَّه يعدُّ نفسه، وخامَرَه خوفٌ مِن أن يكون محكومًا عليه بأن يقضي ما تبقَّى من عمره يحلم بتلك الرحلة وذلك الحفل ويتأهَّب لهما، محتضنًا بطاقة الدعوة التي وصلته منذ سنين، لا يدري متى تتحقَّق وعودها، ولا يدري متى يجد نفسه في ذلك الخلاء المفتوح، تحيط به كثبان الرمال، ليصل أخيرًا إلى الصُّحبة المنشودة، فتبدأ الطقوس والمراسم تحت سماء ليلة صيفية، نجومها تومض كأنها أعين تغمزُ بالشَّهوة والشَّهيَّة.
*
حكى لنا فؤاد قائلًا: «خرجنا للعالَم بعد ثلاثة أيام من حالة كُمون وبلادة وتكاسُل في شقة عين شمس بالطابق الأرضي، برفقة البانجو والخمر وأي طعام جاهز ورخيص، وحديث لا ينقطع حتى يبدأ من جديد. وقفنا، في آخِر العصر، على المحطة بشارع جسر السويس، في انتظار أتوبيس نقل عام طيب القلب، يشيلنا هِيلة بِيلة ويرمي بنا إلى منطقة وسط البلد، فنتدبَّر هناك أمور النقود والطعام أو يرجع مَن يشاء إلى بيت أهله حيث قد يأكل طعامًا إذا احتملَ أن يأكلَ كلامًا مثل السُّمِّ، إن مرَّ الأمر بلا مشاجرة معتبرة».
«كنَّا جائعين وشِبه مُفلسين، ويكاد السأم يعضُّ قلوبنا، عندما ظهرت تلك المرأة العجوز، بشعرها الأبيض المهوش والمغبَّر قليلًا، وجلدها الأحمر تقريبًا والمغطَّى بخرائط دقيقة الخطوط من التجاعيد، فبَدَت مثل امرأة من الغرب وهي تقترب، تحديدًا امرأة خرجت من إحدى الروايات المُتَرجمة العديدة التي تركناها خلفنا في شقة الدور الأرضي. كانت تدفع أمامها عربة أطفال صغيرة، ولم يكن بالعربة نفسها أي طفل، بل كيس بلاستيكي أسود ومنفوش، بدا أنَّ الشيخ بلال يعرفها، فاكتفى بلفت انتباهنا إليها بحركة من عينيه ووجهه في اتجاهها».
«لا أتذكَّر متى بدأنا نُطلق على بلال لقب الشيخ، وهل كان ذلك مجرَّد سخرية من لحيته المُطلَقة بلا تهذيب حول وجهه القمحي البيضاوي محدد القسمات، رغم أنه لم يكن سُنِّيًّا بالمرة، ولا متديِّنًا بالمعنى الشائع. رُبما استحقَّ اللقب لأسباب أخرى غير اللحية أساسًا، توهانه وسرحانه وهالة روحية غامضة كانت تحيط به، في بدايات تعرُّفنا به على الأقل. المؤكَّد أنه ذات مرة في محطة القطار بالإسكندرية زاغَ نظره وراء قوام فتاة جميلة، فنادى عليه شيَّالٌ لذيذ: عينك يا شيخ! ما أشبعنا عليه ضحكًا، وتطوَّر اللقب في بعض الأحيان إلى (شيخ أحَّا). ظلَّ بلال بضع سنين في آداب لغة عربية، قبل أن يتحوَّل إلى قسم الفلسفة، ويعلم الله إن كان قد انتهى من دراسته الجامعية أبدًا. وسوف يأتي التهذيب بعد ذلك بسنوات، تهذيب اللحية وما سواها، بالنسبة لبلال أو لبعض الآخرين، تدريجيًّا مع الصَّدمات الدرامية، ورحيل أعزَّاء، والزواج، والخلفة، بالنسبة لمن نجا من مجزرة الأيام على الأقل. وسوف يتوارى لقب الشيخ مع السنين مثل أشياء أخرى عديدة، وإن أصررتُ على تذكيره بين حينٍ وآخَر، كلَّما جمعتنا الظروف والمصادفات، بلقبه وغرابته أيامَ أوَّل معرفتنا به، قلَّة كلامه ونظراته الغريبة وشُبهة اضطراب خفيف تُثارُ حوله، لم يدفعها عنه، ولم يؤكِّدها، وإن أثبتَ الزمن أنه كان الأرشد بيننا».
«ذلك كله سيأتي فيما بعد، بعد سنين مِن الانتظار على المحطات والمقاهي والمساكن المؤقتة. كُنَّا على الدوام في انتظار شيءٍ ما آنذاك، ولا ندري ما هو تحديدًا. كأننا كنَّا ننتظر معجزة تُغيِّرنا وتغيِّر كل شيء حولنا، أو على الأقل مفاجأة سارة صغيرة من وقت لآخر، أو حتَّى مشهد مثل مشهد السيدة العجوز والقطط. ولأننا كنَّا جوعى آنئذٍ، عند تلك الدرجة من الجوع التي تشحذ الحواس، توقظها وتنعشها، وخصوصًا حاسَّة الشَّمِّ، فسرعان ما غشيتنا حالةٌ مِن الغثيان، حين اتَّضحَت لأنوفنا الرائحة المنبعثة من كيس العجوز، كأنَّ بداخلها جثَّة رضيع مات من شهور، ثم اقتربت بما يكفي لأن ندرك أن كيسها الأسود ممتلئ بمصارين الدجاج ومخلَّفات محل فرارجي، يعلم الله أي اتفاق معقود بينها وبينه ليبيعها تنظيف أحشاء الدواجن، أو كيف انتزعتها هي بيديها من قمامته. كان من الواضح أنها تؤدِّي هذا الطقس المقدَّس كلَّ يوم، أو كلَّ يوم تقريبًا».
«توقَّفَت خلف المحطة حيث كنَّا واقفين، أمامَ بوابة حديدية مغلقة بقفل وجنزير لحديقة منزلٍ مهجور من طابقين، ومِن قبل أن تحاذي البوابة كانت وفود القطط قد التقطت الرائحة من الهواء وأقبلت نحوها، ثم هجوووووم! قطط، قطط، قطط، بيضاء ورمادية ومرقَّطة وذهبية وبنية وشِبه خضراء، وأبيض في أسود، كلها سمين ورمادي بفراء كثيف وناعم. تلمع أعين القطط في النور الواهن لأول الغسق، فتسري في الحديقة الصغيرة القاحلة كهرباءٌ خاطفة مثل أوتارٍ غير مرئية، تُعزِّزها موجات المواء السعيد والمرحِّب، وربما الغاضب قليلًا لتأخُّرها عن الموعد المحدَّد للوجبة اليومية. كانت تقف هناك، في استقبال عشائر القطط، وهي تتهامس معها بفحيحٍ كأنه لغة أخرى لم تُحَلَّ شفرتها بَعدُ، وربما تحدث كلُّ قِطٍّ باسمه الخاص، بينما تتراقص الذيول الناعمة المنتفشة في غبطة وحماس، مثل ألوية جيشٍ خرافي، لكنه مسالِم».
«إزاء مَشهد السيدة مُطعِمة القطط، اكتسى وجه مختار، صاحبنا الأكبر سنًّا، بفتنة كأنها سماوية، وبدت على ملامحه ابتسامته الطفولية تلك التي كأنها تكبتُ ألمًا أو ضحكة. ما زلنا في انتظار أي أتوبيس مِن بين الأرقام التي نعرفها ونحفظها يلوح من بعيد وينجدنا، ومع ذلك فعينٌ على الأتوبيسات المقتربة من المحطة وعين أخرى كانت على السِّتِّ والقطط. ربما تَبادَلنا عبارات سريعة حول أمنية الواحد منَّا أن يُولد قطًّا، أو حتَّى قطَّة يا أخي، لا يهمُّ، وأمام نظرة مختار واقترابه لخطوات من السيدة العجوز، جاءت سيرة غرامه المعروف بالمسنَّات. كنا نشعر أحيانًا أنَّ لدى مُختار هَوَسًا مَرضيًّا بكل ما هو شائهٌ وبَشِع على نحوٍ ما، على الأقل في تفضيلاته الفنية، أمَّا هو فقدَّم فيما بعد تفسيرًا جنسيًّا لانحنائها المُبالَغ فيه نحو القطط على الجانب الآخر، وبروز مؤخِّرتها بردفيها المندلقين وراء الاسترتش الأسود المحبوك على ساقيها، رغم سِنِّها ومظهرها العام الموحي بوجودها على الحافة، تلك الحافة التي ظلَّ نداؤها مغويًا لنا آنذاك، حافة الضياع والجنون بعد بصقة أخيرة في وجه العالَم كما نعرفه».
«كانت قد فتحت الكيس وبدأت تُمسك بيديها العاريتين كُتلًا مِن الأمعاء الدامية اللحمية وترمي بها إلى النفوس المتلهفة والمصطفَّة وراء السور القصير. لم نُفاجَأ كثيرًا عندما رأينا مختارًا يقترب منها حتى انتهى إلى جوارها تمامًا، ولم يكن بوسعنا أن نُرجِع تَصرُّفه هذا إلى أثر المخدِّر، بعد أن نِمنا وصَحَونا وطارت الدماغ. تمتمَ لها بشيءٍ ما، ربما عرض عليها المساعدة في إطعام أرواحها المرهفة. ولوهلةٍ، رمته السِّتُّ بنظرة مندهشة، تكاد تكون مصعوقة، كما ينظر عاقلٌ بكامل ثيابه إلى مجنون عارٍ تمامًا يركض في شارع عمومي في أول ساعات النهار. بدا لي كأنَّ مصدر دهشتها كان اكتشافها له، لمختار، لوجوده ولحديثه معها بشكل طبيعي؛ وبالتالي اكتشافها أنها هي أيضًا مكشوفة ومرئية مِن قِبل الآخرين. قُبضَ عليها متلبِّسة بجريمة الوجود، ورغم هذه الفضيحة، ورُعب الانكشاف اللحظي، واصَلَت السيدة طقسها بتركيز وانتباه، حتَّى النهاية، بل وسمحت لهذا الشاب الثلاثيني الطيب أن يساعدها في عبور شارع جسر السويس للناحية الأخرى».
«دسَّ كفَّه الناعمة البضَّة قليلًا، بأصابعها ذات النِّيَّات الشريرة، تحت أعلى ذراعها المترهل وبين أصابعه ولحمها قماش شيفون أسود متهرِّئ قليلًا. كانا اثنين في حُلمِ شخصٍ ثالث؛ هي بملابسها المتربة والممزَّقة في بعض المواضع، ونظراتها المترفِّعة عن محنة الوجود الزائل السخيف بكل ما فيه ومَن فيه، وهو بالچينز الممزق الكالح والحقيبة القماشية من قماش الخيش المخطط بألوان كثيرة، كأنه سائح اسكندناڤي أتى ليضيع برهة من الزمن في منطقة الألف مسكن، أو لعله لم يأتِ إلى هنا إلَّا ليدفع معها عربة أطفال خالية الآن من الأحشاء والأمعاء، وإن بقيت بلا شك الرائحة تُغلِّفهما كفقاعة: أسرة صغيرة سعيدة».

«تقاطعَ طريقنا مع طريق مختار في لحظات كثيرة، كان متاحًا وكنَّا متاحين، في الأساس لدواعي الفن والثقافة وخلافه، ثم لأسباب ضرب المخدرات والهيام أو السَّهْمتة حسب تعبيره، من غير أن يصير واحدًا منَّا مع ذلك، ربما لفارق السِّنِّ، عشر سنوات على الأقل، وربما لاختلافات عميقة في رؤيته للفن وللحياة. كنَّا نسميه (البِلْد)، لقب آخَر ينتمي لجيل التسعينيات بالأساس، وهو تعبيرٌ شائع بين جنود الجيش المصري، ويعني الرفيق أو ابن بلدي، ومثل مختار كان اللقب لم يَزَل صامدًا يقاوم الاندثار والاختفاء في تلك الأيام. كان البِلد قد عمل سنين طويلةً عطشجيًّا في سكة حديد مصر، منذ أن كان صبيًّا تقريبًا، ثم استقال فجأة من قبل أن يضمن معاشًا محترمًا أو مكافأة مجزية، غادرَ فجأة، هكذا لأنه لم يَعُد يحتمل كما فهمنا منه.
عندما عرفناه كان قد نشر رواية صغيرة للغاية مع إحدى الجماعات الأدبية المستقلَّة التي استمرَّت لفترة، وكانت تدعو لأدبٍ مُغايِر وشجاع، كما هي العادة دائمًا وأبدًا. كان أهله قد أعدُّوه للعب دور المناضل النقابي، نشأ من صِغَره على الإلحاد وأنَّ الإنسان خلقته الطبيعة ودورنا هو وضع حدٍّ للاستغلال والرأسمالية، ثم أتت الارتباكات موجةً بعد أخرى وسنة بعد سنة. ظلَّ لسنوات يكتب عن السكة الحديد، سرديَّات جريئة ومتداخلة كأنها جملة واحدة بلا وقفات أو ترقيم، ثم يرسم لوحات وحشية ساذجة الألوان مثل رسوم الأطفال والبدائيين، وأيضًا كان موضوعه الأساسي هو القطارات، والسكة الحديد، والأفق، والقرى التي كان يمرُّ عليها في شبابه... ولم أكد أصدِّق حين زرتُه بعد سنين كثيرة لأجده توقَّف عن التدخين والشرب والمخدرات، وبدأ يصلِّي ويصوم ويمسك مسبحة، وإن لم يطلق لحيته أو يدعو لمذهب سلفي، بل بلمسة دَروشة فنية لم تتنكَّر لماضيه تمامًا، بدا مقتنعًا وراضيًا، وواصل الرسم، وظلَّ يظهر ويختفي على مراحل طويلة، لسنين، من دون أن يذوبَ تمامًا، مثل آخرين، في مياه الأيام».
*
بين الحين والآخر يُخرِج فؤاد الدعوةَ البيضاء من جيبه ويقلبها بين يديه ويتخيَّل الحفل. قال لنفسه لا بدَّ أنهم سوف يعدُّون الشواء، وهو لا يعلمُ إن كان سوف يستسيغ اللحمَ المشوي الذي ينزُّ دَسمًا فوق الأسياخ والفَحم المشتعل، أم أنه سوف يكتفي بالأطباق الخفيفة الجانبية مِن خضروات وفاكهة وأجبان وبُقول، مُتجنِّبًا اللَّحم ومُتشكِّكًا في آكليه؛ لسببٍ في نفسه، ولا يقدر أن يتبيَّنه. رُبما لأنه رغمًا عنه يتذكَّر شقيقين في لوحة، اثنين كأنهما واحد يجلس إلى مائدة نفسه، ليأكل في خريف حربٍ بينه وبين أخيه. ومع ذلك، فَإنَّ مجرد منظر الشواء في الليل سيسرُّ النَّاظرين، كأنه مشهد من فيلم أو رواية، (مغامرة في الصحراء) أو (رحلة إلى مَشْرق الشمس)، أو شيء من هذا القبيل. كما أن الشراب سيكون بلا حساب، يبتسم فؤاد في نفسه، سوف تتدحرج على الرمل الناعم براميل ذات صنابير فيتدحرج قلبه معها، وستظهر من العَدم ألواح الثَّلج، وفي الوقت المناسب سوف تنبثق سَدَّادات الفلين مِن زجاجات النبيذ مُفرقعة كأنها إيقاع آخَر مُصاحب للموسيقى المنبعثة مِن عازفين موزِّعين على مسافات مضبوطة، الكلُّ يرقص ويغني، والبعض يجلس مستريحًا وضائعًا في فقاعةٍ مِن دخان الماريجوانا أو الحشيش. والعشَّاق يتناثرون اثنين اثنين، يتعانقون تحت الأبصار بلا خوف أو حَرج، أو مِن وراء الخيام الصغيرة البيضاء بقماشها الخفيف يَظهرون من خلفه ظلالًا بلا تفاصيل.
شَرطٌ واحد كان على ضيوف هذه الجنَّة التَقيُّد به، هو الاستعداد للتَّعرِّي التام ونزع الأقنعة بمجرد الوصول. أدركَ فؤاد أنَّ المقصود ليس عُريَ البدن؛ فهو ليس ضروريًّا، وإن لم يكن محظورًا. المطلوب هو الاستعداد للانكشاف أمامَ الآخرين، القُدرة على فَضْح الذات والاعتراف والبوح بأبشع الأسرار والسَّوْءات والعيوب، مِن غير أن يُطلَب منهم وفي اللحظة التي تروق لهم وبالكيفية التي يرونها مناسبة، وأمامَ شخصٍ واحد أو عشرات لا فرق. المهم أن يكون الجميع مستعدِّين لأن يُولدوا هُنا مِن جديد، وربما أن يتَّخذوا أسماءً جديدة يتعاملون بها، وأن يتخلَّوا عن كل ما يربطهم بالعالَم الخارجي، ذلكَ القاسي الأناني المحكوم بالنِّفاق والاستغلال، وأن يتطهَّروا من أدرانه وشوائبه، فيُخلَقون خَلقًا جديدًا، بالنيران في أَتُون النَّشوة أولًا، ثُمَّ بالماء في رَحم السكينة ثانيًا. أو هكذا كانت تَرجمة فؤاد للُّغَة السرية في بياض بطاقة الدَّعوة، وقد ظلَّ يعمل عليها على مدى أكثر مِن أربعين عامًا، بينما يجتهدُ لفَكِّ شفرة الخريطة واكتشاف الطرق المؤدية إلى ذلك الحفل، حيث الولادة الجديدة.
ورأى كأنَّه يصلُ إلى المكان الذي حدَّدته الدعوة كما تخيله، قبيل غروب الشمس بقليل، ورأى هناك أشخاصًا مِن جميع الاتجاهات والتيارات والأديان والعقائد والمذاهب والطوائف، يتشكلون في جماعاتٍ صغيرة، وكل جماعة تكتفي بنفسها وتتبادل مع الآخرين نظرات الترقب والقلق، في انتظار أن تبدأ المراسم وأن يُفتتَح البوفيه. لأجل خاطر هذه الوليمة والمناسبة السارة، نسي الجميعُ خلافاتهم، المُلحَّة أو المُعلَّقة منذ الأزل تقريبًا، وضعوا جانبًا التاريخ الحافل بالمعارك والسجالات والدم والنار والدموع والسجن والتعذيب والتخوين والتشهير. سيجلسون إلى طاولات مستطيلة ممتدَّة وخالية إلَّا مِن أدوات مائدة فضية تلمع في نور القمر، وصِحافٍ خاوية وأقداح مملوءة بالهواء. نتبادل تحيات متحفِّظة وابتسامات مغتَصَبة وصفراء، وكل منَّا يتخيَّل بعضَ الآخرين عَرايا بعد أن ينتصف الليل وتبلغ الوليمة ذروتها ويسقط بُرقع الحياء. كان برعمُ الأمل يرتعش في الصدور ملهوفًا مع انحسار آخر حُمرة الغَسق وحلول أوَّل المساء.
لن يأتي أحد، لن يخدم على مائدتنا إنسان، ولن يسأل عنَّا مخلوق. لن نستطيع أن نواري القلق، مهما انشغلنا بالتعارُف الحَذِر، مهما تناقشنا في شؤون عامة وتبادلنا الآراء المتريثة والانطباعات الحذرة، لكيلا نفسد جوَّ الاحتفال، منتظرين أن تبدأ الموسيقى وصبُّ الشراب. سيمضي الوقت وينتصف الليل، دونما احتفال أو طعام أو شراب، حتَّى ندرك الحقيقة ونعترف بها. هذا ليس حفلًا ولا وليمة، هذه مكيدة أو فخٌّ. نحن أَسرَى، هذه هي الحقيقة، نحن رهائن لديهم، جميعنا رهائن عندهم، ولا فكاك لنا. وبين حين وآخر يرفع أحدنا شوكة أو سكينًا دون أن ندري ماذا عسانا نفعل بها. بطريقة أو بأخرى، كان لا بدَّ للوليمة أن تبدأ.
تقارير ذات صلة
كيف تكونين من هنا
مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن