تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
زيت الطعام المستعمل.. ثروة مهدرة في المجاري

زيت الطعام المستعمل.. ثروة مهدرة في المجاري

كتابة: أميمة إسماعيل 8 دقيقة قراءة

في يوم عمل روتيني داخل محل بقالة صغير بمدينة السويس قبل ست سنوات، التقى محمد صدقي، 34 سنة حاصل على دبلوم فني، شخصًا عُرف فيما بعد أنه تاجر زيوت مستعملة، طلب منه أن يكون محله الصغير نقطة تجميع للزيوت التي سترد إليه من بعض مواطني السويس إذا وافق. في البداية، ظن صدقي أن الرجل يسخر منه، وتساءل عما إذا كان «الزيت الهالك» له قيمة حتى يُباع ويُشترى، لكنه فكر قليلًا ثم أجاب بالموافقة على سبيل الفضول والتجربة، بحسب ما قاله صدقي لـ«مدى مصر»

تمرَس صدقي في التجميع، وقرر بعد شهور قليلة التخلي عن نشاط البقالة لصالح الزيت المستعمل بعدما حقق مكاسب مُرضية في فترة قصيرة «فهمت الشغلانة ولقيت مكسبها كويس، وكان ممكن يبقى المكسب في السما لو كل الأهالي بيجمعوا الزيت ويبيعهولي بدل ما يرموه في الصرف»

انخرط صدقي في تجارة زيوت الطعام المستعملة، وقرر العمل لحسابه الشخصي. أنشأ صفحة ترويجية لنشاطه على فيسبوك، مُشجعًا ربات البيوت على التجميع من خلال هدايا عينية مقابل كل لتر (صابون، زيت، أطعمة معلبة، شيكولاتة)، محاولًا استقطابهن للاستحواذ على مساحة كبيرة من السوق الذي شهد مزاحمة كبيرة مؤخرًا.

تُظهر البيانات الرسمية أن حجم استهلاك مصر من زيت الطعام يبلغ نحو 2.4 مليون طن سنويًا، بمتوسط 20 كيلو للفرد سنويًا. وعلى الرغم من أهمية العائد الاقتصادي والبيئي للاستثمار في إعادة تدوير الزيت المستعمل في أغراض مثل الوقود الحيوي، إلا أنه ثروة مهدرة في مصر.

باستثناء بعض التقديرات غير الرسمية للكميات التي يتم تصديرها للخارج، لا توجد بيانات عن حجم الزيت الهالك المُعد للتصدير أو المعالج بغرض إعادة التدوير أو الكميات التي يتم التخلص منها بطريقة غير آمنة للبيئة من خلال الصرف الصحي.

يقول  أشرف سراج، مدير عمليات بأحد شركات التصدير، إنه لا توجد جهات رسمية أو منظمات مجتمع مدني تُحصي حجم الزيت الهالك الإجمالي. كما أن بيانات تجميعه غير متوفرة، موضحًا أنه من واقع البيانات التي تحصرها شركته من أجل دراسة المنافسين، فإن أغلب الزيوت الهالكة التي يتم تجميعها، موجهة للتصدير، لافتًا إلى أن ما يتم تجميعه لا يتجاوز 10% من المستهلك.

يُضيع التخلص غير السليم من زيت الطعام المستعمل على الاقتصاد القيمة المضافة التي يمكن أن تنتج عن إعادة التدوير، ويكبده خسائر إضافية في معالجة الآثار البيئية الناتجة عن التخلص الخاطئ، حيث يمكن استخدام الزيت الهالك في إنتاج الوقود الحيوي (وهو وقود مشتق من الزيوت النباتية أو الحيوانية، لكنه قابل للتحلل الحيوي وغير سام، على عكس الوقود الحفري) أو الصابون أو حتى التصدير للخارج. بعملية حسابية بسيطة، يمكن أن نتعرف على الفرص الضائعة لهذا النشاط.

بحسب تصريحات سابقة لرئيسة شركة «تجدد» مريم عفيفي، فإن لتر الزيت المستعمل يُعاد تدويره لإنتاج 0.9 لترًا من الوقود الحيوي. كما يمكن أن يُعاد تدوير لتر الزيت لإنتاج لترين من الصابون، بحسب سوسن العوضي، رئيسة مؤسسة Najma للتوعية البيئية. تقول العوضي إن الكميات المستهلكة من الزيوت المُعاد استخدامها تقدر بمتوسط 1.2 مليون لتر سنويًا، وهو ما يعني 2.4 مليون لتر منظفات و1.08 مليون لتر وقود حيوي، في حين تمثل الفرصة الضائعة من التصدير مبالغ كبيرة.

أما عن الخسائر البيئية الناجمة عن التخلص غير الآمن من الزيت الهالك، فيمكن اكتشافها من خلال تتبع مسارات التخلص، وهي الصرف الصحي والمجاري المائية. 

يؤدي التخلص من الزيت في الصرف الصحي إلى انسداد المواسير، لأن الزيت مادة دهنية تزداد كثافتها مع انخفاض درجات الحرارة عن درجة حرارة الغرفة، وبالتالي يؤدي إلقاؤه في الصرف الصحي إلى تشحمه وتسببه فى انسداد الصرف، مما يؤثر على البنية التحتية. وتزداد الأضرار البيئية بالطبع حال انفجار المواسير أو حدوث تسرب لمياه الصرف على مياه الشرب.

المشكلة الأكبر هنا أن كل لتر زيت يُفسد طن مياه، ويحول دون إعادة تدويره لسببين: أولًا لأن تراكم الزيت يؤدي إلي انسداد المواسير، وبالتالي عدم وصولها أصلًا إلى الشبكة الرئيسية التي يحدث من خلالها إعادة التدوير. وثانيًا بسبب صعوبة فصل جزيئات الزيوت عن المياه.

وأما المسار الثاني للتخلص من الزيت وغالبًا يتم في الشارع أو المجاري المائية المختلفة مثل نهر النيل أو البحر مثلًا، تشرح سوسن أن الكثافة العالية للزيت تجعله بمثابة طبقة عازلة لأي بيئة يتواجد فيها، ففي حالة إلقاء الزيت في أحد المجاري المائية للري، ستقع أضرار بيئية على النبات، لأن الزيت سيحول دون عملية الري بكفاءة عالية ويحجب الضوء عن التربة فتموت الكائنات الدقيقة المفيدة في التربة والتي تساعد النبات على النمو. وأيضًا يمثل الزيت عازل للضوء في باقي المجاري المائية، مما يؤدي إلى نمو الطحالب والتي بدورها تمتص الأكسجين وتحجب الضوء عن الأعماق الضحلة والمتوسطة بما يضر بالثروة السمكية في هذه المجاري المائية.

ولهذا تركز منظومة تجميع الزيت المستعمل الحالية في مصر على استهداف الأهالي للاشتراك في منظومة التجميع كحلقة أولى، إلى جانب المطاعم والفنادق، لأن الفاقد من زيت الطعام المستعمل ينتج بالأساس عن ممارسات التخلص غير الصحيح من الزيت في البيوت المصرية، وهو ما يؤكده محمود علي، مدير التسويق بشركة «تجدد». يشير علي إلى أن أهم تحدٍ يواجه شركته هو الوعي البيئي المتدني لدى الأهالي بالمخاطر البيئية للتخلص من الزيت الهالك في الصرف الصحي.

تتفق سوسن مع أن الوعي البيئي بالتخلص الآمن من زيت الطعام المستعمل أصبح ضعيفًا جدًا، مشيرة إلى أنه قديمًا كانت النساء في البيوت المصرية تستخدمن الزيت الهالك في صناعة الشمع والصابون والجلسرين. أما حاليًا، تغير أسلوب الحياة وتغيرت معه ممارسات البيوت المصرية. «كل ما الحياة بتبقى فيها رفاهية وأسهل كل ما المخلفات بتزيد، لدينا أطنان من المخلفات مش عارفين نتصرف بيها ازاي» تقول.

يمتد تاريخ إعادة تدوير الزيت المستعمل في مصر إلى عقود مضت. يشير صالح*، والذي تعمل عائلته في تجارة الزيوت الهالكة وتمتلك أحد مصانع المنظفات، لـ«مدى مصر» إلى أن الزيوت الهالكة لم يكن لها سعر في التسعينيات بل كانت المطاعم والفنادق تدفع لمصانع المنظفات خمسة جنيهات مقابل تخليصها من كل برميل (60 لترًا). وبطبيعة الحال، استخدمت المصانع الزيوت المتحصل عليها من المطاعم في تصنيع المنظفات. ومع انتشار مصانع المنظفات وتعددها، تحول الأمر وأصبحت المطاعم تبيع لمصانع المنظفات زيوت مطابخها المستعملة بستة جنيهات للبرميل. وبدأت الأسعار ترتفع حتى تراوح سعر اللتر في 2007-2008 بين 2-3 جنيهات.

يعتبر صالح العام 2007 نقطة التحول الحقيقية في هذه المنظومة، مع بداية التصدير للاتحاد الأوروبي لاستخدامه في صناعة الوقود الحيوي، موضحًا أن السعر الذي حدده المُصدر في ذلك الوقت بلغ 3.5 آلاف جنيه للطن بهامش ربح يبلغ 500 جنيه.

وبحلول 2010، بدأ تصدير الزيت ينتشر تدريجيًا ولم تعد المطاعم والفنادق هي المصدر الوحيد للزيت بل اتجه التجار لتشغيل مندوبين للتجميع من المنازل، وهو ما حدث مع محمد صدقي. ويؤكد صالح أن ارتفاع الطلب على أسعار الزيوت رفع سعرها بمعدلات لم تعد مصانع المنظفات تستطيع تحملها ضمن بنود تكلفة الإنتاج وهو ما دفعها للتخلي عن استخدامها لصالح بدائل أخرى كيميائية.

في السنوات القليلة الماضية، شهدت حركة الصادرات المصرية من الزيت المستعمل نشاطًا ملحوظًا، بحسب سوسن، دفعت الأسعار للارتفاع إلى ثلاثة أضعاف، وبالتحديد منذ 2015 لأنه العام الذي التزمت فيه الدول الموقعة على توصيات قمة المناخ بإنفاق مبالغ محددة سلفًا بالدول النامية للحد من التغيرات المناخية والحفاظ على البيئة، مما دفع هذه الدول للجوء إلى زيادة الطلب على تصنيع الوقود الحيوي المعروف بأنه أقل ضررًا بالبيئة من خلال الاستيراد من الدول النامية.

الآن، تستقبل أسواق دول الاتحاد الأوروبي وأمريكا كميات تتراوح بين 4-5 آلاف طن شهريًا بما يعادل 60 ألف طن سنويًا بمتوسط ألف دولار للطن، بحسب أشرف سراج، مدير العمليات بأحد شركات تصدير الزيت. بما يعني أن متوسط قيمة الصادرات من الزيت نحو ستة مليارات دولار سنويًا، موضحًا أن هذه تقديرات سوقية لا تتمتع بالطابع الرسمي نتيجة عدم وجود جهة معينة تُحصي هذا النشاط التصديري.

تتجه مصر إلى تصدير هذا الزيت وليس إعادة تدويره وإنتاج الوقود الحيوي منه بسبب عدم وجود بنية تشريعية ولا بنية تحتية تسمح بهذا، بحسب علي، الذي أوضح أن مصر بها شركتين لتصنيع الوقود الحيوي (البيوديزل) من الزيت الهالك. ولكن الحاجة إلى استثمارات كبيرة وانعدام القوانين التي تتيح عملية تداول الوقود الحيوي في مصر أدت إلى التخلي عن إعادة التدوير لصالح تصدير الزيت إلى دول الاتحاد الأوروبي. «مفيش شركات تانية بتصّنع، مفيش شركة خاصة تقدر تبيع في السوق، تسهيلات البيع مش موجودة» يقول علي، «بره بيبيعوا بشكل منفرد، مفيش حد اتحرك في القصة دي خالص لا 'تجدد' ولا حد من الشركات البترولية، محتاجين استثمارات كبيرة، والاستثمارات دي محتاجة أحدد قد إيه محتاج أنتجه وده مش متوفر.»

يقول النائب الأسبق لرئيس هيئة البترول، مدحت يوسف، إن الوقود الحيوي الناتج عن إعادة تدوير زيت الطعام لا يمكن استخدامه بشكل مباشر كوقود، ولكن يجب خلطه بالسولار بنسب محددة. هذه النسب يتم تحديدها حسب جودة إعادة التدوير. ويرتفع سعر الوقود الحيوي عن السولار، وباعتبار أن السولار لا يزال مدعومًا من الدولة، فإن خلط السولار بالوقود الحيوي يعني زيادة سعر المنتج النهائي، وهو ما يمثل عبئًا على الموازنة والمواطن لأنه يجعل سعر البيع أغلى، بالإضافة إلى عدم وجود تشريع ينظم عملية التعامل مع القطاع الخاص في نشاط المحروقات، قائلًا «التشريع هيبقى موجود لو المنتج بقى موجود بالمواصفات أو الأسعار المناسبة.»

«تجدد»، باعتبارها أحد الأعضاء الفاعلين في النشاط، تقترح إعمال مبدأ الثواب والعقاب من خلال إثابة المواطنين الذين يمتنعون عن إلقاء الزيت في الصرف ومعاقبة من يفعل العكس. يشير علي إلى أن أحد المقترحات التي تدرس شركته التقدم بها لوزارة الري باعتبارها أكثر المتضررين بيئيًا من التخلص غير الآمن، وكذلك مرفق المياه، أن يتم تجميع الزيوت من المنازل مع تحصيل فواتير المياه، وتوقيع غرامة على الوحدات السكنية التي لا تقوم بتجميع زيوتها الهالكة وعمل خصومات، على سبيل المثال، على فواتير المياه أو منح المواطنين سلعًا مقابل الزيت.

المبدأ نفسه تقترح سوسن تطبيقه ولكن على شركات تكرير وتقطير الزيوت في مصر، لافتة إلي أنه لا بد من إلزام الشركات بإلحاق وحدات إعادة تدوير في مصانعها، وهو ما يُحمس هذه المصانع على التجميع من خلال نقاط البيع الخاصة بها.

وفي انتظار بنية تحتية تشريعية ومجتمعية تسمح باستثمار أكبر لثروة الزيت المستعمل المهدرة، ووسط المزاحمة والمنافسة التي يشهدها هذا النشاط، لا يزال صدقي يحاول ابتكار ما يجذب عملائه إليه منتظرًا حلولًا مؤسسية للتخلص غير الآمن من الزيت بإلقائه في الصرف الصحي وحلول عملية لاستغلاله اقتصاديًا.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن