رعشة الأبدان في محيط كنيسة القديسين
نصف شارع لا نمشي فيه على راحتنا منذ رأس سنة 2011
«الإنسان حيوان بلا ريش يمشي على قدمين»
أفلاطون
لسنوات طويلة أُغلق نصف شارع خليل حمادة، في حي سيدي بشر بالإسكندرية، وأصبح المشي فيه مقيدًا ومحدودًا، بعد انفجار وقع أمام كنيسة القديسين، وأسفر عن مقتل ما يقرب من 27 شخصًا و100 مصاب. ظلت ملابسات الحادث والجهة المسؤولة عنه لغزًا غامضًا لم يُحل حتى الآن. حدث ذلك في صباح اليوم الأول من شهر يناير عام 2011، وتحديدًا في الساعة 12:20، وبعد خمس دقائق من انتهاء ما يقرب من 1500 شخص من الصلاة، أثناء تبادل التهاني أمام الكنيسة. لا يوجد ما هو أبشع من هكذا افتتاحية للعام، والتي يُمكن اعتبارها فتحة القوس الكبير لثورة يناير، وبداية نهاية العصر القديم.
نشرت الجرائد صورة قيل إنها لمُنفذ الانفجار، حيث عُثر على جثة مجهولة الهوية بالقرب من الحادث، وأشلاء رأس غير مكتملة، واستعانت الجهات الأمنية بخبراء تجميل لترميم الرأس، ونُشرت صورة تقريبية له.
لا تُظهر الصورة -على ما يبدو- سوى وجه نُظّف بعد احتراقه في الجحيم، أقرب لملامح قرد أو شكل الإنسان الأول، أو تلك الصور التي تظهر للناس بداخل حبات الطماطم والبطاطس لتخبرهم عن معنى الوجود. الصورة مرعبة، خاصةً لأن نشرها كان يستدعي عند الناس تخمين شخصية القاتل والإبلاغ عن هويته، وحتى مع تأويلات أخرى للصورة، فقد انشغل السكان لفترة بتجميع تفاصيل الحادث، وموقع كل واحد منهم لحظة وقوعه، العاملين في المقاهي والمحلات والورش هم أكثر الرواة حضورًا، خاصةً وهم يتعاملون بشكل يومي مع الجيران، روايات تختلط فيها الحقائق بملء الفراغات، لذا تظل عالقة في ذهني تلك الأحاديث العابرة مع الجيران، عن اللحظة التي فتحوا فيها نوافذهم للفرجة على احتفالات الشوارع بـ«رأس السنة»، واختلطت لديهم أصوات وأضواء الـ«فاير ووركس» بالانفجار، وأنهم لم يدركوا لبضع دقائق حقيقة ما حدث. عادةً تنتهي تلك الأحاديث بصمت قصير، يشبه صمت الزيارات العائلية، يعبرون فيها بأسى، عن كيف أن أرواحهم كانت غفلة، وأنه خُدعوا بنذالة. الشباب الصغير هناك هم أكثر الشهود على بشاعة المنظر، هم الموجودين بكثرة في الشارع عند آخر ساعة من العام، عادة تحتفل الأُسر في منازلهم، بالمحمصات والتسالي والفرجة على التلفزيون، أو يخرجون للاحتفال في بارات ومقاهي وسط المدينة. أما الشباب الصغير فلديهم طقوسهم الخاصة للاحتفال، استعراض ركوب الدراجات النارية وتقليدهم المبتذل لصراخ النساء، وإشعال أسلاك تنظيف المواعين والعبث بها في الهواء، لقد تحول كل ذلك إلى طقس استغاثة واستنفار.
منذ تلك اللحظة تم إغلاق نصف «خليل حمادة»، الجزء الذي وقع فيه الحادث الإرهابي، وتم منع السيارات من العبور فيه، والسماح فقط بالسير على الأقدام. نصف شارع اكتسب شكله الدراماتيكي مثل السبب وراء تسمية المخرج الإيطالي فدريكو فلليني لفيلمه «½8»، أو الطابق الغامض الذي يقع بين طابقين في فيلم «Being John Malkovich» لكاتب السيناريو الأمريكي تشارلي كوفمان.
بعد أسابيع قليلة، لا تتعدى أصابع القدم الواحدة، سوف تأتي الثورة وتستعيد مفهومًا آخر عن المشي؛ المشي مع الغرباء في مسيرات طويلة لها ألفة مبيتة، مارش نحمل فيه زجاجة مياة وباكو شيكولاته من النوع النظيف.
لا مجال لتبادل الأحاديث والتعارف، بل كل شيء يحدث عبر لغة جسد غير مُنقحة، خالية من التعبيرات الجاهزة، لا خوف أن يُغشى عليك وسط الجميع في الأوقات الصعبة، أن تشبك يدك بالماشي بجوارك دون سابق معرفة، ولا غرابة أن تحتضن الغريب -رجلًا أو امرأة أو عجوزًا أو عامود نور- بعد خطاب تنحي مبارك.
طوال تلك السنوات، نَمَت لدي الرغبة في محاولة فهم الطبيعة الطيفية للمشي المقيد والمحدود لمسافة نصف شارع في محيط كنيسة القديسين. في البداية كانت تمشية الأهالي هناك لها طابع التحفز والخوف، من تبعات انفجار آخر، تتنافر الأقدام عند مرورها، وتتطلع نظرات المُشاة لأعلى، كأن قنبلة ستسقط عليهم من السماء، أو تراقب الغرباء خوفًا من حقائبهم، خاصةً لو كانت حقيبة مدرسية، على الأقل هذه واحدة من التصورات التي افترضها الفحص الجنائي للحادث. أن المشي في الشارع مكشوف، ويسمح بقراءة لغة المشي، خاصةً وهي تختلف عن التمشية مع الحيوانات الأليفة، أو التمشية بغرض التعبير عن أسلوب الحياة الصحي، أو بغرض تنقية الأفكار وتأمل المناظر الحضرية. لغة تُبقي غموضها ومفاتيحها بداخلها، لها لهجاتها وتعابيرها التي تأتي من حركة الجسم، ومن النظرات الفاحصة للأجساد والملابس، والاستماع لرابش الأحاديث بعد رجوع الناس من السوق. لغة تتشكل من الألفة الغريبة والصريحة للشارع، تبعت تلك السنوات سنوات أخرى، كانت الأهالي تبطئ من إيقاع سرعتها الجسدي والنفسي عند العبور في النصف شارع، لقد بدا المشي فيه كما لو أنه يُعيد تشكيل أحذيتنا، مثل المشي على سلك رفيع، ثم تحوله لفضاء للتسكع، ثم فتح مجال للحديث مع الأجساد الأخرى. حالة لا تستطيع العين المجردة أن تنكرها، لكن في نفس الوقت يمكن تجاهلها كلية، حديث عن تجديد عهد التعايش السلمي، وما يدين كل واحد للآخر من جيرة بين مسلمين ومسيحيين.
إذا استطعنا جمع الخرائط الذهنية للمشاوير اليومية لكل سكان مدينة ما، لتكن الإسكندرية مثلًا، ساعتها سوف نعرف أين تبدأ المدينة وأين تنتهي، لكن مشكلة وضع خرائط متخيلة مصنوعة من ورق الكَلك فوق بعضها، سوف تبدو أمامنا مثل فوضى عارمة، لكنها ليست الفوضى التي يخلقها الناس، ولا الهندسة المعمارية الصلبة هي التي تحدد الجغرافيا الشخصية للمدينة، مثلًا كلما ابتعدنا عن أطراف المدينة وفي اتجاه مركزها، تتحدد جغرافية المركز على أساس مسارات جنة الفائض والمسموحات، أما جغرافية أطراف المدينة فهي تأخذنا لطريق الكوابيس.
هذا النصف شارع، كان ولا يزال من الصعب جدًا أن يتجنب الجيران المرور منه، واستبداله بآخر، كان المرور عليه ضروريًا، حيث يصل المنطقة القبلية بالبحرية. والشوارع الموازية والمحتملة كبديلة له، إما إنها ضيقة أو متعرجة، أو موازية وتقع على مسافة أبعد، لا تناسب الطاقة اللازمة لإنجاز المشاوير اليومية المعتادة. لا مجال لتخريمة من الكارثة، والتي رغم غيابها أصابت الجيل الذي عاصرها برعشة في الأبدان، تظهر مع أي صوت غير مألوف في الشارع ويشبه صوت الفرقعة، في اللحظات التي تسبق إرسال الأذن إشارة صوتية إلى الدماغ لتفسيرها.
هناك صراع واضح بين سلطة المتحكمين في الطريق اليومي والمعتاد، وبين المشاء الواحد، سلطة البلدية في تشجير وتبليط الرصيف، وسلطة أصحاب المحلات والمنازل في صبغ أذواقهم في الجزء المحيط بهم. هذا الغلق لا يشبه غلق الأزقة بين الشوارع في أحياء أخرى، التي تكون لأسباب مثل أنه يفضي إلى جهة أمنية أو تملكه عائلة ذات سطوة أو اتفاق بين السكان ليمنحها أمان وخصوصية ضد الأقدام الغريبة، كما أنه واحد من الشوارع التي لها مخرج من أحد الأزقة على شكل درجات. فله مخرج درجات صعود، مجرد التطلع إلى تصميمها ينهك الأقدام، درجات تطهر وارتقاء، فلا غرابة أن ينتهي هذا الدرج بمستشفى.

تستيقظ الإسكندرية كل يوم متأخرة، لا تدب فيها الخطوة قبل السادسة والنصف صباحًا، إن ما يُحدد ساعة النهار هي مواعيد الذهاب إلى العمل والمدارس وفتح الشواطئ للمصيفين والفسحة مع الكلاب وتريض العجائز.
وهي مدينة بلا ليل، الذي يبدو دائمًا امتدادًا للنهار، بسبب الورش والمحلات التي تبيع سلع غير مُلحة، اسكرينة موبايل وحلق فالصو. ليل ينتظر انتقام الغد، ولا يمحو حواف الشوارع، والتمشية الليلية فيه وصمة، دائمًا ما يُنظر إليك من قِبل جواسيس الليل بأنك تبحث عن مخدرات أو صحبة، الاستثناء الوحيد هو عودة عمال الوردية المتعبين. النوم لساعة متأخرة تصل أحيانًا إلى الظهيرة، في أيام الآحاد والجمع، أنها فرصة لتأمل مدينة نائمة أو على أحسن تقدير ملتزمة منازلها، تستطيع أن تأتي في أي نهار وتصعد درجات سلالم العمارة فيها دون أن يشعر أحدٌ بخطواتك.
بعد مرور عشر سنوات من الكارثة، سمحت الجهات المعنية بعبور السيارات في «خليل حمادة»، لقد استرد الشارع نصفه المسلوب. ولكنه لا يزال له تلك السطوة في تغيير إيقاع المُشاة هناك، دخول غائم في مستطيل محل بقالة عم منقريوس، ثم يأتي الشباب الصغير القادم من طريق الكورنيش، باستعراض التمدد في منتصف الشارع والتقاط صور تقول إن المدينة ملكهم. إنهم يقدمون حلًا، وإن لم يُكن نهائيًا، فعلي الأقل يتعامل مع اللغز الذي نتعثر فيه كل يوم، عبر سحق الأسطح المقرمشة للشارع بالتزلج والاسكيت رول، ضد عكاز التعافي.
بالعودة إلى صورة الجاني، يبدو أن لا أحد تعرف عليها، في النهاية هي صورة صُممت بالذكاء الاصطناعي، وهمٌ مزعج يُشبه إعلان محل هريسة الحلبي في التسعينيات عن آيس كريم بالكمبيوتر. السنوات مرت سريعًا، وانشغل الجيران بصورة أخرى. افتُتح محل لبيع اللحوم المستوردة، بأسعار وجودة ممتازة، جعلت سكان سيدي بشر يفضلون الشراء منه. محل نظيف، والعاملون به لطفاء في التعامل مع الزبائن. يضع المحل في واجهته صورتي فوتوغرافيا للشريكين، واحدة على اليمين والأخرى على اليسار.
صورتان لشابين، تبعث في الزبائن شعورًا مُطمئنًا، وتذهب بمخيلة الأهالي إلى أن يتصوروا علاقة صداقة وعمل قوية بين الشابين. وبعد فترة، يبدو أن خلافًا كبيرًا حدث بينهما، لأن الصداقة لا تدوم أطول كثيرًا من العاطفة، مما دفع أحدهما لحجب صورة شريكه بعد انفصالهما، ولكي يحافظ على سيمترية محل الجزارة والمنطق وتطور الشعور، استبدل صورة شريكه بصورة بقرة، ولأن الاستبدال حدث في عجالة ونتيجة غضب، فالصورة الجديدة ظلت فوق صورة الخل الوفي المغدور، وليست مُثبتة بإحكام. تقف الحشرات الدقيقة الطائرة على جلد صورة البقرة، وتظن الأهالي أن بمقدور صورة البقرة أن ترتعش بجلدها فتطردهم بعيدًا عنها.
تقارير ذات صلة
إلى عُمر، صورة متخيلة
#268| دليل يصدر في الويك إند للتخلص من أعباء الأسبوع
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن