تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رسالة منيحة من زياد

رسالة منيحة من زياد

رسالة عمرها 40 عامًا بعنوان «هدوء نسبي»

كتابة: هاني المصطفى 12 دقيقة قراءة

منذ شهرين تقريبًا، سألني الصديق العزيز، محمد هوجلا كلفت، قبل سفره إلى بيروت: «عايز حاجة من لبنان؟»، فأجبته: «أي حاجة من ريحة زياد رحباني». كنت قد انتهيت لتوي من كتابة تدويناتي اليومية عن موسيقى الجاز، على صفحتي على الفيسبوك، فأرسلتها إليه، توضيحًا لقيمة زياد الموسيقية الكبيرة عندي:

«عود وبزق وأكورديون وقانون وناي وطبلة ورِق وكونترباص وكمان ولحن «آخد حبيبي يانا يمّه» لمحمد سلطان. آلات نعرفها ولحن نعرفه في جو لا نعرفه من إبداع أحد أهم شيوخ طريقة موسيقى الجاز في بلادنا، زياد رحباني، في مقطوعة من مسرحية «بالأفراح» في التعليق الأول

يحرر زياد عازفي الآلات من عزف نفس النوتة مجتمعين من بداية اللحن إلى نهايته، فيكتب لهم إلى جانب الجملة اللحنية الأساسية لمحمد سلطان نوتات منفردة، ويبدل الأدوار بينهم في عزف جمل مقدمة اللحن وخطوط البيز الخلفية بالتناوب، ويخلق لبعضهم مساحات صولو فتدخل في عصب اللحن الأصلي ودون أي تنافر ما تستدعيه ذاكرتهم الموسيقية في تلك اللحظة من جمل لحنية مثل مقدمة لحن (قال يا بيتا لنا جاورتك الأنهر) للأخوين رحباني وجملة من دور (في نور محياك الغني يسرني أشدي لك الألحان) للشيخ زكريا أحمد.

نسق موسيقي وأجواء طربية يرقص لها الروح والجسد، تجعلك تتمنى لو أن الرحباني الصغير أعاد توزيع تراثنا الموسيقي بأكمله. يعطيك الصحة يابو الزيز ❤ 

#لولا_فسحة_الجاز

ثم أرسلت له رسالة أخرى تقول:

«تقريبا أكتر نظام عربي بكرهه في حياتي هو النظام اللبناني عشان فشخوا أهم موهبة موسيقية في منطقتنا اللي من غير الحوارات اللي اتسحل فيها كان حايبقى عندنا حاجة في أهمية تشارلي باركر أو راي تشارلز من حيث حجم العطاء. يلا عزاءنا إن في الآخرة حانقعد كلنا حوالين البيانو بتاعه نسمع مزيكا واحنا شايفين كل المنايك بتتشوى في جهنم قدامنا في أحلى فيديو كليب».

عاد لي صديقي بعدها بأسبوعين ليسألني من داخل أحد محلات الكاسيت في بيروت: «هدوء نسبي ولا بالأفراح؟»، فاخترت الهدوء النسبي، لأنه في نظري المشروع الأكثر تعبيرًا عن طموح زياد الموسيقي، والذي كنت أراه حتى تلك اللحظة مشروعًا موسيقيًا مجهضًا، بسبب الانخراط في الواقع السياسي البغيض لمنطقتنا العربية بشكل عام وللبنان بشكل أخص. ثم عاد الصديق بعدها بأسبوع حاملًا معه مفاجأة سارة وغير سارة في نفس الوقت. فالشريط الذي ابتاعه لي كان جديدًا، مغلفًا بسوليفان محكم، لم يُفتح منذ إصداره عام 1985، أي منذ 40 عامًا بالتمام والكمال. كنت أرغب في الاستماع إليه بكل تأكيد، بعدما شجعني قبل ذلك بشهور مشروع «خرائط الشرائط»، للصديق أسامة أوزأوز، على شراء «ووكمان»، وإعادة اكتشاف متعة الاستماع إلى الشرائط، لكن كيف لي أن أفرّط في الاحتفاظ بشريط جديد لزياد الرحباني.

وضعتُ الشريط أمامي في المنزل، متوسطًا رفًا متواضعًا، يحمل جوائز وشهادات تكريم حصلت عليها. وأصبح لدي طقس يومي جديد بتأمل الشريط ورسالة زياد المغلفة بداخله. وسألت نفسي متى سأفض هذا السوليفان لأستمع إلى الشريط؟ وفكرت في مناسبات عديدة قادمة جميعها مناسبات سعيدة (منها اقتراب إصدار برنامجي الإذاعي الأول عن الموسيقى راديو جيلاتو) إلى أن استيقظت ذات صباح على الخبر الأليم برحيل زياد. 

أقسم أن الصمت الذي حل عليّ ذلك الصباح أسمعني صوت خشخشة السوليفان، كأن ثمة صوص صغير قرر تكسير جدار البيضة والخروج إلى العالم. أمسكتُ علبة الشريط في يدي فترات طويلة ذلك اليوم، واتصل بي صديقي نائل الطوخي -نافذتي الأولى على مشروع زياد الغنائي والموسيقي- ليعزيني في رحيل زياد. تماسكت حتى صباح اليوم التالي عندما قررت أولًا تسجيل صوت خشخشة السوليفان قبل فتحه، ثم تراجعت عن فض السوليفان بالكامل، لأكتفي بفتحة من الأعلى، تسمح فقط بخروج علبة الشريط وتحافظ على سلامة باقي السوليفان، كتذكار من بيروت للإسكندرية.

أطفأتُ الراوتر ووضعت هاتفي في وضع الطائرة، قبل أن أضع الشريط في «الووكمان»، وأستمع إلى الوجهين دفعة واحدة. ساعة من المتعة الخالصة والتأمل، في موسيقى أعرفها عن ظهر قلب، كشفت لي أسرارًا جديدةً عما كنت أظنه مشروعًا موسيقيًا مجهضًا، عندما كنت أستمع إلى تراكاته منفردة في صيغة الإم بي ثري، سواء من مجلد يحتوي أغانيه على جهاز الكمبيوتر أو صفحته على «سبوتيفاي» و«ساوند كلاود». فما استمعت إليه وأدعوكم إلى تأمله هو شريط أنتج في 1985 يحمل رسالة إلى 2025 بعد رحيل صاحبها.

«هدوء نسبي» عبارة اختارها الإعلام الرسمي اللبناني في سنوات الحرب الأهلية لوصف فترات وقف إطلاق النار بين الفصائل المتقاتلة. عِشق زياد لتعددية التأويل للكلمة والجملة اللحنية والتوزيع الموسيقي التقط تلك العبارة لتكون عنوانًا لمشروعه الجديد في 1985. فالهدوء لا يمكن أن يكون نسبيًا. فإذا كان هناك ثمة تهديد لهذا الهدوء فإنه يحوله إلى توتر بسبب الترقب والخوف. ولكن هذا هو الموجود في تلك الحالة، وهي حالة لبنانية شديدة الخصوصية قرر زياد أن يخاطب العالم منها، ومن هنا كان اختياره ليكون مشروعًا موسيقيًا خالصًا، حتى في حضور بعض الكلمات. 

الخصوصية اللبنانية يعبر عنها زياد في مقدمة فيلم تسجيلي -أُعدَّ عن هذا المشروع بنفس عنوانه «هدوء نسبي»- بأنه فقط في لبنان يمكنك تخيل قطعة هامبرجر بطعم قرص الفلافل لتوافر الاثنين بنفس المعدل في الحياة اليومية. ثم يجلس على آلة البيانو (الهامبرجر) ليغني لنا أفكاره شديدة اللبنانية كأقراص الفلافل. آن دي تروا كاتر…

caption

بلا ولا شي

لحن بسيط مكون من جملتين موسيقيتين، يعبران عن حالتين موسيقيتين، الأولى متبرمة منزعجة تختفي خلف كلمات ذات جرس موسيقي قوي ودلالات فظة «جوقة أمك بيك، مسخرة، نسوان تحيك، كل شي فيه تزيين، الثُقلا والمهضومين، إلخ..»، والثانية حالمة رقيقة تختفي خلفها الكلمات ما عدا تلك الكلمة التي يفرد لها مساحة لحنية أطول «الفيّ» (الظل) تلك المساحة التي «مش لحدا»، ولهذا يدعو حبيبته للجلوس فيها. هذه المقابلة بين كلمات الحالة الموسيقية الأولى وموسيقى كلمة الحالة الثانية تلفت النظر إلى ملاحظة ذكرها زياد، في حواره بالفيلم، عن الفرق بين الأغاني والموسيقى، بأن الأغاني حكر لمتحدثي لغة ما، أما الموسيقى فهي «لغة أممية»، يجلس العالم بداخلها دون أن يحتكرها أحد. هنا تخرج أغنية «بلا ولا شي» من عباءة «الحب اليساري»، الذي سجنت بداخله لعقود طويلة، لتمتد للحديث عن علاقتنا الملتبسة بالموسيقى الخالصة، والتي نهرب منها إلى مساحات احتكارية، مثل الأغاني التي تسيطر عليها اللغات غير الأممية.

هدوء نسبي

عنوان الشريط والمشروع والحالة المزاجية التي تعكس في ماذا يفكر زياد عندما تتوقف الحرب ولو لدقائق. 

يجلس زياد إلى آلة البيانو ليعزف عليه لحن رق شرقي قديم، بتقسيماته شديدة الشرقية. جُملة الرق بتقاسيمها المتعددة يلعبها (أو يدقها بتعبير زياد)، بأسلوب موسيقى الجاز، المتفِّق مع أيديولوجيته الفكرية والسياسية والثقافية. وهي باختصار شديد، جملة لحن رئيسية، تلعبها آلات الفرقة الموسيقية بنوتات موسيقية مختلفة، في نفس اللحظة، تتركب سويًا في نسق هارموني مُحكم، ثم يتناوب العازفون واحدًا تلو الآخر في ارتجال تفسيرهم الخاص للجملة الرئيسية، كل على آلته، فيما يسمى بالصولو أو العزف المنفرد، بينما يقوم باقي العازفين في تلك اللحظة بملء الفراغات الصوتية، التي يخلفها العازف المرتجل، وراءه، إلى أن ينتهي من وصلة العزف المنفرد هذه، فيعود مرة أخرى من موقع القيادة المؤقت إلى صفوف الجماهير، للعب الجملة الرئيسية للحن، مع باقي العازفين، قبل أن تنتقل السلطة مؤقتًا وطوعيًا إلى عازف جديد، وهكذا إلى أن ينتهي اللحن.

في الجاز وجد زياد ذلك الفضاء، الذي تتداول فيه السلطة سلميًا، ويسمح للفصائل المختلفة بالتعبير عن نفسها بشكل عادل يفاجئ المستمع بممكنات موسيقية جديدة، تعبر عن أفكار ومشاعر جديدة في كل مرة يعزف فيها اللحن. لم يجد زياد هذا الفضاء في واقعه السياسي والاجتماعي والثقافي ولا في المشهد الموسيقي الشرقي المتجمد خلف التفسير الأحادي للحن، حيث تعزف جميع الآلات نفس النوتة خلف مطرب وكلمة يقودان من البداية إلى النهاية جماهير تركض خلف التطور فقط -بحسب تعبير زياد في الفيلم- «كمستهلكين للسيارات وبنطلونات الجينز وأجهزة التبريد ولكنها تنفر من تجديد الموسيقى»، التي تتطلب مجهودًا ذهنيًا ووجدانيًا للاستمتاع بها.

نفس الشغلة، يلا كشوا بره، ما تفل 

بعد الهدوء النسبي يبدأ زياد في إدخال العنصر البشري تدريجيًا، وبشكل إبداعي، داخل النسيج الموسيقي للتراكات التالية. ففي «نفس الشغلة» تدخل الأصوات البشرية بالآهات والهمهمات، كآلات موسيقية لتنتج نفس الشغلة، وهي تأثير الهدوء النسبي. تأثير الموسيقى الخالصة باستخدام آلات التراك السابق نفسها. وفي «يلا كشوا بره» و«ما تفل» تلعب الكلمة نفس دور الجملة الموسيقية الرئيسية التي يختبر جميع العازفين إمكانياتها الغنائية، عن طريق تكرار المفردة عدة مرات، لكن بأسلوب جديد في كل مرة. 

يؤكد زياد على عدم جِدة هذا الأسلوب الموسيقي علينا كمستمعين، بل ويعود بنا إلى لحن قديم لملهمه الأكبر الشيخ زكريا أحمد اسمه «حِلم»، ليشرح لنا كيف استطاع تكرار مقطعي «بقى يقوللي» و«وأنا أقوله»، بشكل لا نهائي، دون تكرار للأداء اللحني، لنشعر بها في كل مرة ككلمة جديدة، إلى أن نصل لمقطع «وخلصنا الكلام كله». 

من هنا تنبع ثقة زياد في تراثه الموسيقي المتمثل في المجددين من أمثال زكريا أحمد، فيكرر التجربة مع عبارتي «يلا كشوا بره» و«ما تفل»، بصوته وصوت سامي حواط ومونيكا عسلي والجوقة، وسط موسيقى الآلات العصرية التي تعبر -بحسب زياد- تعبيرًا صادقًا عن اللحظة الموسيقية، التي ولدت فيها «فيك تعرف في أي سنة انلعبت وايش كنا لابسين». يختار إيقاعًا شرقيًا راقصًا للأولى، وهو يخبر جمهوره بضرورة أن «يكشوا بره»، وإيقاعًا جرووفيًا متسارعًا للثانية راجيًا إياهم ألا «يفلوا». ثم يهبط بهم إلى نهاية الوجه الأول مع توزيع جديد لمقطوعة موسيقية، من عمل مسرحي أقدم، بعنوان «بالنسبة لبكرا شو»، يختار له قالب البوسا نوفا، لالتقاط الأنفاس قبل مواجهة الوجه الثاني، الذي يقرر فيه أن يتحدث معهم.

بصراحة

«طيب ما فيه حديث مهم كمان لازم أحكيلك ياه»، يختار زياد لهذا الحديث إيقاع الفنك الخفيف، ليخفف من وطأة ما سيقال، «بصراحة وما في أحلى م الصراحة»، بصوته للمرة الأولى في هذا الشريط. يبطئ اللحن ويطعمه بحليات لحنية شرقية غير مكتملة (ربع تون)، عند التعبير عن الهزيمة «ما عدت أعنيلك شي.. ما عدت أنفع لشي»، وينضم إليه سامي حواط ليغني معه الجملة المكررة من طبقة مختلفة في لحظة تضامن، تدفعهما إلى الضحك والسخرية في النهاية من هذه الهزيمة، ثم العودة باللحن مرة أخرى إلى الفنك الراقص والغناء الجماعي متعدد النغمات، معلنًا أن الحياة لن تتوقف بترك حبيبته له ومعددًا مواقفه الإيجابية معها، باستخدام مفردات تحتمل كل منها معاني مختلفة، في نفس الوقت «اذكري - نضيف - كبير - بهيم»، وعندما تبدأ الجوقة في تكرار الجمل الغنائية بشكل لا نهائي ينخفض الصوت تدريجيًا، ليفسح المجال -دون أن يختفي- للألتو ساكسفون ليعزف صولو مكون من نغمات تعبر عن بعث وارتقاء جديدين من تلك الهزيمة المؤقتة.

من الـ5 للـ7

تعبير فرنسي يُستخدم للتعبير عن الأنشطة التي يقوم بها الأفراد، بين روتينهم الصباحي في العمل والمسائي في المنزل. فهي المسافة الزمنية بين انتهاء فترة الدوام الصباحي والوصول إلى المنزل ليلًا. يحاول فيها المرء استغلال ذلك الوقت في التسكع بحثًا عن معنى لوجوده أو علاقة عابرة أو متعة مختلسة. أما زياد -قبل الوصول إلى محطته الأخيرة في التراك القادم- فيبحث بتجواله على مفاتيح كيبورده الكهربائي عن علاقة موسيقية جديدة مع آلات فرقته، في لحن يبنيه على جمل متحاورة بين الكيبورد والجيتار والساكسفون والترومبون، يعود بعد كل حوار إلى جملته الأساسية، التي بدأ منها التسكع الموسيقي، متأثرًا بنغمات اكتسبها من حواره السابق مع آلة ما، وصل معها إلى حالة توافق أو تنافر، ولكنه مر منها سالمًا وحيدًا في نهاية الأمر، في اتجاهه لمواجهة كابوس روتينه المسائي، الذي ضجر منه، فقرر أن يسلم له نفسه طائعًا قائلًا له:

روح خبِّر

أعاد زياد من قبل إنتاج ألحان عالمية بكلمات عربية، تعبر عن محتوى اللحن العالمي. ففي «ولا كيف» حافظ على جو استعادة الجمال الغائب في الخريف لأغنية «أوراق الخريف الميتة» لإيف مونتاند، وفي «شو بخاف» حافظ على حالة الترقّب لأغنية «صباح يوم الكرنفال»، للويس بونفا، وكذلك فعل بالحفاظ على خفة جو كلمات «مش بس تلفنلي» المستوحاة من أغنية رقص السامبا البرازيلية. أما في «روح خبر» فزياد يختار أن يذهب في اتجاه معاكس تمامًا لفحوى الكلمات. يحافظ فقط على حالة امتلاء الروح بجو ما، ولكنه يختار جوًا مضادًا لجو كلمات أغنية بيل ويذرز، سأكتفي فقط بعرض مقطع واحد منها، هنا جنبًا إلى جنب، وهو ما وجدته مقصودًا، بطرح رؤية شديدة الخصوصية، في سياق موسيقي عالمي:

خدني بحلمك مرة واحدة خدني وروق                 صباح سان فرانسيسكو يأتيني صافيًا منعشًا

كل اللي قايلهون عني وصلولي                         لست متأكدًا أمستيقظ أنا أم ما زلت أحلم

كل شي مرق علي بعمري جروح وحروق           أركب قطارًا مع فات والر الذي يخبرني

مش مارق عمخي هيك فصولي                         بأن الموسيقى هي الحقيقة وما عداها مزيف

مش متوقع منك إنت هيك بالذات                       جيلي رول يعزف موسيقاه في ستوريفيل

ومش عم صدق لما بيقولولي                           ولويس آرمسترونج يشدو في شيكاغو

لا بتفل                                                        ها هم يعزفون

ولا مخليني إني فل                                      أحاسيس عميقة لا تزول

شوف شي حل                                           يتركون صوت 

حاجي تحوم                                             أرواحهم

حاجي تدور                                            في الهواء

حاجي تكذب ع الجمهور                           أستطيع سماعها بوضوح

راح بتشوووووف                                   وأنا أعلم

جرب غيري وشوف                                أنهم تركوا 

روح خبر                                              ظلال أرواحهم

عني وقول                                            على عقلي

شي معقول                                           على عقلي

أو روح ع طول                                    على عقلي

في ظروف مختلفة، كان زياد سيخبرنا عن صباح محبب في أحد أماكنه المفضلة، يتذكر فيه أثر موسيقى ملهميه الموسيقيين، وهم كثيرون (زكريا أحمد، دوك إلنجتون، باولو كونتي، ستان جيتز)، ممن تركوا ظلال أرواحهم على عقله. ولكن ثمة شيء أو شخص أو موقف سياسي أو حرب أهلية أو إخفاقات عاطفية تقف حائلًا بينه وبين شغفه الكبير بالموسيقى ومعرفته الموسوعية. تمثل «روح خبر» في هذا السياق حوارًا مع هذا الحائل على مستوى يواجهه بحقيقة جثومه على صدره ككابوس، وعلى مستوى آخر حوار مع بيل ويذرز، يخبره على نفس اللحن، لماذا لا يستطيع أن يقدم طوال الوقت موسيقى خالصة يتواصل من خلالها مع ملهميه مثله، إلا في فترات الهدوء النسبي.

من كل بد، خلاص، فينالة

عودة زياد إلى حضن الموسيقى الخالصة في الثلاثة تراكات الأخيرة بعد مواجهة «روح خبر» هي ما جعلتني أعيد النظر في فكرتي عن مشروعه الموسيقي «المجهض»، الذي كنت أستمع إليه كتراكات منفصلة، تشعرني بالتعاسة. ففي حقيقة الأمر، وبعد الاستماع إلى الشريط كاملًا ودون توقف، أرى أن زياد عبر بموسيقاه هنا، في هذا المشروع، عما يعبر عنه بالكلمة، في مشروعاته الغنائية والمسرحية الأخرى. ففي قلب معركته وشكواه من عدم تفرغه لصناعة موسيقى خالصة كبيل ويذرز وآخرين يحبهم، فهو ينتصر على واقعه السياسي بمشروع موسيقي ملتزم، يجهض محاولات خنقه بالحروب والإحباطات السياسية. 

لم أعد مهمومًا بانتظار لحظة انتقام العدالة الشعرية من الواقع السياسي، الذي حاول إجهاض مشروع زياد الموسيقي. فقد بعث موت زياد الحياة في مشروعه الموسيقي من جديد. ويشهد شريط «هدوء نسبي» عما كان يشغل بال زياد في قلب جحيم الحرب الأهلية. ولم أكن لأنتبه لذلك، لولا الصدفة التي قادتني لقراءة رسالة زياد، من السوليفان وحتى الفينالة. فشكرا لنائل وأوزأوز وكلفت -ساعي بريد زياد الرحباني- على توصيل الرسالة.

عن الكاتب

هاني المصطفى

مصور فوتوغرافي ومخرج أفلام قصيرة. يزور الكتابة أحيانًا كي يصف صورًا مرت عليه دون أن يلتقطها. يسافر في البلاد يُدرس الأطفال ويمشي في الأسواق. يسمي الله ويأكل مما يليه.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن