تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رسالة «كوب 27»: مناخ سياسي جدًا

رسالة «كوب 27»: مناخ سياسي جدًا

كتابة: ندى عرفات 9 دقيقة قراءة

على مدار أربعة أيام، كنت أهرول بين موائد النقاش المفتوحة للصحفيين وقاعات الأنشطة الجانبية، ضمن فعاليات مؤتمر المناخ «كوب 27» في شرم الشيخ.

تبدأ رحلتي كل يوم في الثامنة صباحًا. أستقل الحافلة المخصصة لنقل زوار «كوب» بالمجان لمكان انعقاد المؤتمر. تمر حافلة كل خمس دقائق أو أقل، جميعها متشابهة، لكنها تختلف في الرقم الذي يحدد مسارها داخل المدينة وصولًا لمكان انعقاد «الكوب». كما تختلف في اللون الذي يزينها من أعلى؛ الأزرق إشارة لعملها بالغاز الطبيعي، والأخضر يعني سيرها بالكهرباء.

لكن اللونين لا يغيّرا طول الرحلة. فرغم أن المسافة لا تتجاوز عشرة كيلومترات بين خليج نعمة وأرض المؤتمرات، تستغرق رحلة الحافلة تقريبًا ساعة بسبب توقفها المتكرر وسيرها ببطء. أقضي هذه الساعة عادة في انتقاء أي من الجلسات سأتواجد فيها، وأي من الحضور سأحاول لقائه. وفي أوقات قليلة، أقضي ساعة الانتظار في التحدث مع الركاب الآخرين. 

خلال الطريق الطويل إلى المؤتمر في اليوم الأول، مال عليّ صديق كيني الجنسية، وهمس متسائلًا بصوت منخفض ومُرتاب: «هل التصوير ممنوع في بلدكم؟» لم يتح لي فرصة الإجابة على سؤاله الشائك، بل استطرد بصوت أكثر انخفاضًا من الذي ألقى به سؤاله، وروى لي قصة أحد زملائه بأحد أشهر القنوات التلفزيونية الكينية الذي أوقفته قوات الأمن المصرية عشية المؤتمر، أثناء محاولتهم للترويج للمؤتمر الهام.

لم يكن فعل مذيع القناة الكينية غريبًا، فهو ثبت كاميرا الفيديو الخاصة به أمام الفندق المقيم به، ثم وقف يعدّل هندامه ويراجع الكلمات التي كتبها عن تواجد قناته في قلب الحدث. وبعد أن بدأ الحديث المباشر من شرم الشيخ، بحسب صديقي الكيني، اقتربت منهم قوات الأمن وطلبت من المذيع والمصورين بيانتهم كاملة. وفي المساء، علموا من إدارة الفندق أن قوات الأمن استفسرت منها على إقامتهم.

كان الأمر غريبًا على صديقي الكيني وكذلك زميله المذيع. لماذا تتدخل قوات الأمن لاستجواب صحفيين متواجدين بشكل رسمي في المدينة السياحية لتغطية مؤتمر أممي سنوي يتناقش فيه قادة العالم حول مصير الجنس البشري.

لكنه لا يُعتبر تصرفًا غير معتاد، بالنسبة لي أنا الصحفية المصرية. نظرت إلى سقف الحافلة التي نستقلها بينما حاولت تجميع شتات أفكاري لتبرير ما حدث لزميله أو شرح الحالة المصرية للصحافة. لكن ذلك كان بلا جدوى، فلم أجد ما أقوله. ابتسمت وتمتمت قائلة: «في بعض الأحيان، نعم.» ثم استدرتُ إلى الشباك بجانبي لمشاهدة الطريق، وتجنب مزيدًا من الإحراج. 

على جانب الطريق الواسع، لا أحد يمشي على الأرصفة. لن تلمح إلا زوار الـ«كوب» واقفين في انتظار حافلة أو خلف شبابيك واحدة. المدينة هادئة، المارة ليسوا فقط وحدهم الغائبين، بل أخبرني أحد عمال المطاعم أن قوات الأمن نبهت «محدش يخرج بعد ما يخلص شيفته». اختفت كذلك سيارات الأجرة التي كانت تفيض بها المدينة، قبل أن يتقلص عددها. لكن، اطمئن. رجال وسيارات الأمن ينتشرون على مد البصر، ويسيطرون بشكل كامل على الحركة المرورية، الدنيا سالكة تمامًا. وبين الحين والآخر، تجد وسط  النخل عمودًا معدنيًا تطل من فوقه صور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ثم تلمح بعض إعلانات منطقة «شاركس باي» بشرم الشيخ في ثوبها الجديد بعد «التطوير» الذي يشمل مارينا يخوت عملاقة جديدة، تحوّل المنطقة من منتجع سياحي يزخر بالحياة البحرية إلى موقف يخوت الأثرياء، لتتحول المنطقة لما يشبه مدينة الجونة.

أخيرًا، توقفت الحافلة في محطتها النهائية، حيث تتواجد قاعة المؤتمرات العملاقة، التي تحتضن بداخلها المنطقة الزرقاء والتي تشرف على أمنها وتنظيمها الأمم المتحدة، بمساعدة مئات من رجال الأمن المصري بملابس مدنية. 

تُخصص المنطقة الزرقاء للمؤتمرات الكبيرة والاجتماعات المهمة. بشكل أوضح، هي المنطقة التي يجتمع فيها ممثلو دول العالم سنويًا على مدار 27 عامًا في محاولة تحقيق هدف واحد: ألا يختفي البشر من الوجود. 

في سبيل ذلك تحفل المنطقة الزرقاء بالمناقشات الجادة حول مصطلحات مثل التكيف والتخفيف، والتمويل المناخي، والانبعاثات الكربونية، والتحول الأخضر. بلا شك، هي المنطقة الأهم للمؤتمر. لا يميز تلك الأهمية المشاركين في المؤتمر وحدهم، ولكن أيضًا كل المهتمين بقضايا المناخ في كل بقاع العالم، لذلك حرصوا كل عام على إقامة تظاهرات بالقرب منها، للتأكد من أن قادة العالم المجتمعين يستطيعون سماعهم.

لكن، ليس في مدينة السلام. 

قبل انطلاق مؤتمر المناخ بأيام قليلة، تجول محافظ جنوب سيناء، اللواء خالد فودة، في شرم الشيخ، محتفيًا بتطويرها. وفي أحد النقاط بالقرب من حواف المدينة، أكد أن هذه هي المنطقة التي اختارتها المحافظة لتكون ميدان للتظاهرات «فيه كافتيريات ومطاعم ومظلات في المنطقة هنا عشان أي حد عايز يتظاهر يتفضل.»

على أي حال، لم تكن استعدادات الحكومة كافية لضمان تجنب التجمعات في المنطقة الزرقاء. في اليوم الأول، وبعد أن دلفت إلى قاعة المؤتمرات، وأثناء تجولي بين أروقتها، فوجئت بطوابير ممتدة على مرمى  البصر في منتصف الساحات الفاصلة بين الأجنحة. ارتبكتُ للحظة، سألت زميلتي إن كان هناك شيء ما على وشك الحدوث، لكن بعد اقترابي منهم زالت مخاوفي. إنهم فقط يحاولون شراء الغداء، فوقفت معهم قليلًا قبل أن أتذكر مدى أهمية الوقت الذي أقضيه هنا، فرحلتُ. بعدها بساعات، اكتشفتُ كم كنت محظوظة برحيلي بعد أن عرفت أن زميلتي دفعت 345 جنيهًا من أجل ساندوتش وزجاجة عصير. 

 

لم تكن أسعار الطعام وحدها هي ما يؤرقني وزملائي. فقبل أشهر قليلة من القمة العالمية بدأت الفنادق كلها في الاستعداد لها، وتضمن ذلك قائمة أسعار جديدة، أعلى بأضعاف عن أسعار ما قبل المؤتمر، وهو ما دفع شبكة العمل المناخي العالمية، التي تضم نحو 1900 منظمة بيئية حول العالم، للتعبير عن قلقها من غلاء الأسعار. وبعد بدء المؤتمر، قامت بعض الفنادق بإلغاء حجوزات مراقبي المجتمع المدني والنشطاء والخبراء الذين دفعوا ثمن تذاكرهم وحجزوا الفنادق بالفعل قبل الوصول إلى شرم الشيخ.

ورصدت الشبكة البيئية الأهم في العالم العديد من الحالات التي يُطلب فيها من مراقبي المجتمع المدني دفع ضعفين إلى خمسة أضعاف سعر الحجز، ورفض إقامتهم في حالة عدم السداد. وأشارت بأصابع الاتهام إلى تورط الحكومة المصرية في ذلك. 

ورغم نفي رئاسة مؤتمر الأطراف المصرية أي تورط حكومي في رفع أسعار الفنادق، اطلعت الشبكة على رسالة موقعة ومؤرخة باللغة العربية أرسلتها غرفة الفنادق المصرية إلى الفنادق في شرم الشيخ تصف فيها الـ«كوب» بأنها «فرصة سياحية فريدة من نوعها»، وأشارت إلى الحد الأدنى لأسعار الغرف الفندقية خلال المؤتمر، تكلفة ليلة بفندق خمس نجوم ما لا يقل عن 500 دولار، ويبدأ سعرها في الفنادق من فئة النجمتين من 120 دولارًا.

على أي حال، انخفضت الأسعار اليوم بنسبة 50%، وأصبحت المشروبات والمياه مجانًا، بقرار من الرئيس عبد الفتاح السيسي، حسبما قال العاملين بأكشاك البيع داخل المؤتمر. 

من حسن حظي، كان أول يومين بالمنطقة الزرقاء هادئين، وهو ما يعني أن بإمكاني التعود على المكان في هدوء. 

لم يستمر هذا الهدوء طويلًا. فتحول الـ«كوب» البيئي إلى «كوب سياسي» بامتياز؛ في ثالث أيام المؤتمر، عقدت حملة العدالة المناخية مؤتمرًا صحفيًا، استضافت فيه الناشطة السياسية سناء سيف، شقيقة الناشط السياسي علاء عبد الفتاح، المحبوس حاليًا في سجن وادي النطرون. وبعد انتهاء كلمات الحاضرين، فُتح الباب للأسئلة. جاء السؤال الأول دون مفاجآت. لكن، السؤال الثاني كان محملًا بالكثير منها.

في وسط الحضور، وقف مَن عرف نفسه بأنه النائب البرلماني عمرو درويش. لكن، بدلًا من توجيه سؤال للمشاركين في الجلسة، بدأ في إلقاء خطاب باللغة العربية عن علاء عبد الفتاح، موجهًا له اتهامات لم توجهها له جهات التحقيق ولم يعاقبه عليها القضاء المصري، مثل «التحريض ضد الجيش المصري وإهانة المرأة المصرية». تحدث درويش عن جنسية عبد الفتاح الأجنبية، وتساءل عما أسمّاه بـ«استحضار» جنسيته البريطانية.

ثم بدأ درويش في الصياح اعتراضًا على وصف سيف له بأنه «ممثل للدولة»٬ وهو ما دفع رجال الأمن التابعين للأمم المتحدة لإخراجه من قاعة المؤتمر. 

في اليوم التالي لطرد النائب، وخلال وجودي في مقر الصحفيين بالمنطقة الزرقاء، لاحظت حركة غير اعتيادية بين الصحفيين المصريين. سألت أحدهم عمّا يحدث، فأجابني: «بيقولوا في حاجة بتحصل عند بوابة 1». ذهبت بسرعة لأجد عشرات الصحفيين والمصورين والكاميرات، وبعض رجال الأمن، لكن لا أحد سوانا. 

وقف الصحفيون والمصورين ينظرون لبعضهم في بلاهة، حتى صاحت زميلة: «إحنا تقريبًا رُحنا مكان غلط، الصورة اللي جاتلي في مكان تاني» تحرك الجمع إلى البوابة الأخرى لكن لم نجد شيئًا أيضًا. في طريق العودة سألت أحد الصحفيين عن مصدر هذه المعلومة، فقال لي: «رؤساء التحرير حتى مش عارفين، جالهم تليفون كلهم وقالولهم نزلوا الصحفيين هناك عشان فيه حاجة بتحصل.» 

لم يسعفني الحظ أن أكون وسط التظاهرة الأولى التي تشهدها المنطقة. فبعد حوالي نصف الساعة، فوجئت بظهور صور ومقاطع فيديو لمظاهرات في نفس المكان. قد تكون تلك هي إحدى المظاهرات المعدودة التي شهدتها مصر خلال السنوات الماضية، لكن ذلك لم يكن ما فاجأني، بل مَن شاركوا فيها.

ظهرت في الصور مجموعة من الأطفال بزي موحد، وبجوارهم سيدات، ما ذكرني بصور الرحلات المدرسية أثناء الطفولة. حمل الأطفال لوحات مطبوعة وملونة يظهر فيها وجه درويش، الذي أصبح بين يوم وليلة أحد أكثر الأوجه شهرة في مصر والعالم. طفلة وحيدة كانت تحمل لوحة ترفض تلويث المحيط، يبدو أنها من بواقي مظاهرة اليوم الذي سبقه. وفي إحدى المقابلات التلفزيونية مع طفلة مشاركة في مظاهرة دعم درويش، سألت المذيعة مشاركة عما يريدونه من التظاهرة فقالت لها: «رفضًا لاسمه إيه؟ علاء؟ رفضًا لعلاء عبد الفتاح وتأييدًا للنائب عمرو.. اسمه عمرو إيه؟ عفيفي؟؟» لتجيبها المذيعة: «النائب عمرو درويش». لكن حتى بعد ذكر اسمه، لم تهتم الطفلة بتكرار الاسم الذي ذكرته المذيعة، بل أعادت الجملة كما قالتها في البداية «تأييدًا للنائب عمرو عفيفي.»

من باب التغيير، والبُعد عن داعمي عفيفي أو درويش المنتشرين في كل مكان، قررت، أمس، اكتشاف المنطقة الخضراء الخاضعة لإشراف الحكومة المصرية مباشرة، والتي لم تبدأ فيها الفعاليات سوى الثلاثاء الماضي.

ذهبت لحضور محاضرة عن أهمية الصحافة البيئية في هذا التوقيت الحساس. تبعد المنطقة الخضراء عن المنطقة الزرقاء نحو 30 دقيقة سيرًا على القدمين، ولا توجد وسيلة مواصلات لهناك.. حتى الحافلات الزرقاء والخضراء لا تذهب لهذه المنطقة من العالم. 

بمجرد وصولك إلى المنطقة الخضراء يأتيك شعور مختلف تمامًا. الغالبية العظمى من المصريين، والقليل من الجنسيات الأجنبية، والكثير من المسؤولين المصريين متوسطي وقليلي الأهمية، والعديد من أعضاء تنسيقية شباب الأحزاب، والعشرات من القنوات والصحف المصرية. 

لم يمكنني ألا رؤية الأرانب والزرافات والحيوانات الضخمة التي لم أميز نوعها، المصنوعة من مخلفات ومواد أخرى لم أتمكن من تمييزها أيضًا على جانبي المساحات في المنطقة الخضراء. 

كانت الفعالية بالمسرح الروماني بحضور أربعة متحدثين، ونحو عشرين شخصًا من الحضور. لم يبد على أي من الحضور أي قدر من الاهتمام بما يحدث، فانصب تركيزهم على قراءة ما ترويه لهم شاشات هواتفهم المحمولة. 

كانت محاور الحديث حول أهمية الصحافة البيئية وصعوباتها من منظور دول مختلفة. تطرقت متحدثة من جنوب إفريقيا لضرورة فتح المجال العام للصحفيين والباحثين، وفتح مصادر المعلومات من بينها المواقع المحجوبة، لكن مدير الجلسة التقط الحديث بسرعة ونقله للمتحدثة المصرية. 

في نهاية الجلسة، لاحظت أن شخصًا ما يجلس بين الحضور يتواصل مع فتاتين بالنظر، ثم أشار لهما بأن ينظرا لهواتفهما المحمولة، وبعد دقائق فُتح الباب لتلقي الأسئلة. رفعت الفتاتان والرجل أياديهم بتلقائية، ليسألوا أسئلة لا معنى لها مثل «كيف يمكن للصحافة البيئية أن تدعم الصحافة البناءة التي أشرتي إليها منذ قليل.»

اليوم والفعالية كانا مرهقين لدرجة كافية، فقررت استقلال تاكسي للمنطقة الزرقاء مرة أخرى، وهو ما كلفني 80 جنيهًا في مسافة لم تستغرق سبع دقائق.

عند المدخل الرئيسي للمؤتمر، ظهرت مياه تُغرق الأرض٬ وعلى الجانب الآخر من الطريق سيارة تسحب المياه. لكن حركة المرور لم تُعطل بسبب المياه التي كانت نتيجة عدم تحمل البنية التحتية كل هذا العدد من الضيوف في آن واحد. 

توقعت أن يعود الهدوء اليوم، لكن في الصباح، وعلى جانب أحد المساحات العامة بين الأجنحة، تكونت بسرعة مجموعة أشخاص يرتدون الأخضر، ويرفعون شعار «تحالف القوى المدنية من أجل المناخ» والذي دُشن رسميًا منذ أسبوع تقريبًا. في منتصفها تقف فتاة وتهتف Meet for all not for one وClimate justice.

بعد دقائق، ظهرت القناة الأولى ووقف المذيع ليظهر الجمع خلفه وقال شيئًا ما عن حرية الرأي والتعبير وحق التظاهر. بمجرد إنتهاء التصوير، خلع المتظاهرون ملابسهم الخضراء وتفرقوا. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن