رحلة ميادة الحناوي
محاولة فهم لماذا لم يحب جيلنا صوت ميادة؟
في الفترة الأخيرة، انتشر فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، للمطربة ميادة الحناوي، تغني فيه وهي جالسة وسط الحضور في حفلة في وطنها سوريا، بصحبة المطرب السوري محمد خيري، وانتشر المقطع بكثافة، وعاد الحديث عن الحناوي مرة ثانية على الإنترنت بعد الإشاعات والصور والحديث عن عمليات تجميل ونفيها من المطربة نفسها، لكن بعيدًا عن تلك الأحداث الشخصية والجدال المبني على أذواق، حاولت الغوص في مشوار ميادة الحناوي، في محاولة للفهم وإيجاد إجابة عن سؤال طالما راودني كلما استمعت لها: لماذا لم أحب صوت ميادة؟
أغاني قليلة، لا تتخطى أصابع اليد الواحدة، يعرفها مواليد الثمانينيات والتسعينيات للحناوي، وأغلبها بالطبع من تلحين بليغ حمدي، رغم أنها قدمت على مدار أكثر من عشرين عامًا العديد من الأغاني والتعاونات مع أهم ملحني الموسيقى العربية والمصرية تحديدًا. لكن الملاحظ أن الكثيرين لا يفضلون صوتها، رغم تأكيدهم على جماله، لكنهم لا يفضلونه، لأنهم يشعرون أنها نسخة مكررة من وردة الجزائرية، وهناك من لم يفضلونه دون أسباب وأنا منهم.
في البداية، لا أحد في عالم الغناء العربي يملك بداية سيئة مثل ميادة الحناوي، تفتح لك مغارة علي بابا أبوابها مصادفة، لترى بداخلها كل النجاحات والألحان والشهرة والمال، ثم فجأة ينقلب الأمر عليك بشكل عكسي تمامًا، وتصيبك لعنة تحيط بك من جميع الجهات، لعنة مجهولة تفرقت دماؤها بين أشخاص وبلاد وشائعات، وتمسك كل طرف منها برأيه وصمت أطراف عن الأمر حتى رحيلهم.

ولدت ميادة بنت مدينة حلب السورية، في نهاية الخمسينيات. تعلمت الغناء من والدتها، التي كانت تهواه بصحبة جيرانها وأصدقائها، فأحبته ابنتاها ميادة وفاتن. حفظت الكثير من أغاني أم كلثوم، ورددتها في البيت والمدرسة، وتزوجت وهي صغيرة من مسؤول في الحكومة السورية، على حد تصريحها في حوارها مع وائل الإبراشي في مجلة روزاليوسف عام 1999، وقالت: «كنت زوجة سرية للمسؤول السوري الكبير، وهو الذي عرفني على عبد الوهاب».

استمع عبد الوهاب لها في أحد ليالي الصيف في دمشق، وأعجبه صوتها، وطلب منها الحضور إلى مصر لتقديمها للجمهور وصناعة ألحان لها. بعدها بقليل سافرت الفتاة الصغيرة التي لم تكمل عامها الثامن عشر. تخيّل أن يكون أول تعاون لك في عالم الغناء مع الموسيقار محمد عبد الوهاب الكبير سنًا -كان عبد الوهاب يقترب من الثمانين في نهاية السبعينيات- ومقامًا في ذلك الوقت. سكنت ميادة بجوار بيت الموسيقار في حي الزمالك، وبدأ في تدريبها يوميًا على الغناء، ووقّع معها عقدًا فنيًا لصالح شركة صوت الفن. وكان يجب أن يوقّع والدها لأنها كانت ما زالت قاصرًا، وأحضر حسين السيد وطلب منه كتابة أغنية: «هتعملي غنوة برقة بعيد عنك حياتي عذاب»، وبدأت ميادة تتدرب على الأغنية التي حملت عنوان «في يوم وليلة».
حتى جاءت الطامة الكبرى التي عصفت بكل تلك الأحلام الوردية، وتبدأ سلسلة أحداث تتداخل فيها الحقائق مع الشائعات مع المجهول، لا أحد يعلم هل حقًا كانت هناك علاقة حب بين الموسيقار وفتاة في سن حفيدته، هل كانت رواية وزير الداخلية وقتها نبوي إسماعيل صحيحة، بأن محمد عبد الوهاب زاره في مكتبه وبكى من أجل ترحيل ميادة عن مصر حتى لا تتركه زوجته نهلة القدسي، وهو ما نفته ميادة ووصفته بأنه غير منطقي، خاصة أن الوزير يتحدث عن وجود شبهات تجسس من تلك الطفلة لحساب سوريا، وذلك كان سبب الترحيل، أو يكون تحريضًا من زوجة نبوي إسماعيل، المطربة فايدة كامل، والمطربة وردة، كما أشار المنتج الموسيقي، محسن جابر. لكن، لو كان ذلك السبب، فلماذا لم يتم التعاون بينها وبين عبد الوهاب واختفى الاكتشاف وذهبت الأغنية إلى وردة؟ ويمكن مثلما قالت ميادة والإشاعة الأشهر أن كل ذلك حدث بناء على طلب من نهلة القدسي، لا أحد يعرف التفاصيل الحقيقية لتلك الحادثة.

منعت فايزة أحمد ترحيل ميادة للمرة الأولى، ودخلت في صدام مع وزير الداخلية، حتى أعادت ميادة من المطار. وفي تلك الفترة، وبعد ضياع حلم العمل مع عبد الوهاب، كان محمد الموجي صاحب أول لحن للصوت الجديد ميادة الحناوي، وقدم لها الموجي لحن «اسمع عتابي» كلمات محمد حلاوة، و«انت الحبيب» كلمات فاروق شوشة، كانت بداية موفقة رغم كل تلك التخبطات والصعاب.
سافرت ميادة لزيارة والدها المريض في سوريا، وعند عودتها تم منع دخولها وترحيلها على نفس الطائرة، لتبدأ رحلتها الفنية بالمنع من دخول مصر، أحد أهم البلاد في نجاح وشهرة الفنان، خاصة الذي يخطو خطواته الأولى، كانت تلك الغربة التي استمرت ما يقارب 13 عامًا، حتى رحيل محمد عبد الوهاب في مطلع التسعينيات، أحد أهم الأسباب التي جعلت ميادة تقع في فخ الثبات في المكان والزمان.
وقعت ميادة في بدايتها وسط حسابات شخصية وفنية جعلتها لا تملك رفاهية الاختيار بجانب صغر سنها، بعد خسارتها للعمل مع عبد الوهاب وتبعات تلك الخسارة. في تلك الفترة خرجت وردة بأغنية «في يوم وليلة» بعدما أعطاها لها عبد الوهاب. ثم كان الطلاق بينها وبين بليغ حمدي، فكانت ميادة أسهل طريق يسلكه كي يضرب عصفورين بحجر واحد، خاصة إنه مكث في دمشق فترة بعد الطلاق.

استغل بليغ ميادة في حربه العاطفية الحزينة مع وردة، وقدم على لسانها كل ما كان يحاول إيصاله لوردة أو ما يتوهمه على لسان وردة بعد الفراق، رغم ذلك كان بليغ واحدًا من أهم الأسباب -ربما السبب الوحيد- في نجاح ميادة في مصر، فبموهبته الفنية والموسيقية، خلق كعادته أعمالًا تلتصق بالأذن وتعيش في الوجدان المصري، خاصة مع كل الأجواء الشخصية التي تحيط بتلك الأعمال، فجاءت أعمال هي الأشهر في مسيرة ميادة؛ الحب اللي كان، أعمل إيه، فاتت سنة، حبينا وتحبينا 1980، سيدي أنا 1982، مش عوايدك 1983، أول وآخر حبيب 1984، أنا بعشقك 1985، وآخر ألحانه عندي كلام 1992.

حققت ميادة مع بليغ أهم نجاحاتها الفنية، تلك الأغاني التي رددها الجمهور في مصر، خاصة لجيل الشباب في الثمانينيات، لم تأخذ وردة أغنية «في يوم وليلة» فقط، بل أيضا «بودعك» بعد أن كان اتفق بليغ مع ميادة على غنائها، لكنه فضّل وردة.

هل سألت نفسك ذات مرة إلى أي جيل تنتمي ميادة؟ هل تلاحظ أنها أصغر من وردة بأكثر من 20 عامًا، وأنها قدمت أول ألبوماتها في نفس مرحلة محمد منير وعلي الحجار ومدحت صالح وعمرو دياب وأنغام، ورغم ذلك استمرت في تقديم شكل الأغنية الطويلة رغم انتهاء عصرها بكل وضوح.
لذلك تجد مرحلة الثمانينيات كلها تعاونات مع الجيل القديم من الملحنين، عظماء بالطبع، لكن في نهاية رحلتهم الفنية، وسبقهم الزمن بكثير، ورحل أو اعتزل كل من تعاونوا معهم من أصوات، وبدأ جيل جديد يحتل الصدارة كأمر طبيعي. ميادة أصرت على الوقوف ضد الزمن، والملحنون القدماء يريدون الاستمرار في العمل إلى جانب ملحنين أصغر، لكنهم ما زالوا عالقين في مرحلة الأغاني الطويلة، مثلها، فكان كل منهما الاختيار الأمثل للآخر.
فنجد على رأس القائمة بالطبع الأستاذ رياض السنباطي، وتقديمه ألحان قصيدة «أشواق» كلمات مصطفى عبد الرحمن. وعاد حسين السيد بعد واقعة «في يوم وليلة» يكتب أغنية «ساعة زمن»، والاثنتان كانتا عام 1983، لتقدم ميادة تعاونها مع ملحنها المفضل، خاصة أنها تحب ألحان السنباطي لأم كلثوم منذ صغرها، وكانت تغني كثيرًا لحن أغنية «لسه فاكر»، لذلك كانت سعيدة بتلك التجربة دون النظر لأي شيء آخر.
وكتب لها أيضًا شاعر الشباب أحمد رامي في أيامه الأخيرة أغنية «أول ما شفتك حبيتك» ولحنها فاروق سلامة عام 1982، وقدم فاروق سلامة أيضًا لحن أغنيتها الشهيرة «نعمة النسيان» كلمات عمر بطيشة. وفي نهاية الثمانينيات تعود في تعاون آخر مع الموجي في أغنية «جبت قلب منين» و«زي الربيع».
أما آخر ملحن تعاونت معه ميادة في فترة الثمانينيات، فكان محمد سلطان، وقدّم لها ثلاث أغاني بداية من عام 1983، رجعنا للبداية وآخر زمن وأكتر من الحب. وفي التسعينيات تطورت علاقتهما العاطفية وتمت الخطوبة، لكن الأمر لم يكتمل بالزواج.

وحتى بعد مطلع التسعينيات ورحيل محمد عبد الوهاب، وبعد تمكنها من العودة للقاهرة مرة أخرى، بعد سنوات طويلة من العمل عن بعد وتسجيل الأغاني في اليونان، لم تقدم تعاونات جديدة تليق بفترة التسعينيات وتواكب التجديدات والاختلافات في شكل الأغنية وسوقها، وظهور ملحن وموزع مثل حميد الشاعري.
ما جد كان فقط شعراء وملحنين مثل سيد مكاوي، الذي قدم معها في الثمانينيات أغنية «حبك ما ينتهيش»، ثم «احلو عمري» و«محلى الغرام»، وتعاونات مع حلمي بكر في «بتحلف ليه» و«الحب بتاع زمان»، وأعمال مع سامي الحفناوي مع بداية تقديمها أغاني قصيرة مثل ألبوم «حبينا / جالك كلامي»، أو «أمر الهوى» مع صلاح الشرنوبي، والتي كانت به أغنيتها الأشهر في التسعينيات «الشمس».

وجاءت تعاونات مع عبد الرحمن الأبنودي وعمار الشريعي في عدة أعمال كان أشهرها أغنية «الليالي»، واستمر محمد سلطان في التعاون معها، لكن كلها تجارب لم تترك أثرًا في الذاكرة الجمعية خاصة لجيل التسعينيات الغارق مع كل النجوم الجدد، واكتشافات حميد، ونجاحات عمرو دياب، ومحمد منير والحجار.

وفي الألفينيات كانت لها تجربتان على استحياء في التعاون مع ملحنين جدد مثل وليد سعد، بجانب خلافات كثيرة بينها وبين رفيق الإنتاج، محسن جابر، ثم الاختفاء والاعتزال الفني، والاكتفاء بما قدمت.
هذه المسيرة، تفسر في اعتقادي، لماذا لم نحب أو نستسغ صوت ميادة. أعتقد أن من أهم الأسباب في علاقتنا غير الوطيدة بصوت ميادة، أنه لا يحمل بصمة خاصة. صوت جميل لكنه بلا شخصية أو هوية، حتى يصعب عليك أحيانًا التفريق بين صوتها وصوت شقيقتها فاتن. صوت لا يترك أثرًا بداخلك، لم تخلق هوية له، وتركت تلك المهمة لألحانها، والتي كانت جميلة، لكنها قديمة وغير معاصرة لما يحدث في وقتها. وذلك لأنها تجمدت في مرحلة الغناء القديم، وكأنها تعاند محمد عبد الوهاب، أو من أثر المنع عن مصر جعلها غير مواكبة للأحداث، أو عدم قدرة منها على التجديد وخوفها من المغامرة، بجانب أنها كما جاء في خبر اكتشاف عبد الوهاب لها: «والحقيقة الوحيدة التي تقف في وجه ظهور ميادة الحناوي هي أنها لا تحب أن تكون مغنية محترفة وتفضل أن تظل هاوية غناء فقط». يمكننا من خلال تلك الجملة تفهم رحلة ميادة، هي تغني ما تحبه وما تربت عليه، دون أي محاولة تجديد تذكر، وذلك خلق حالة من ضياع هويتها الفنية للأجيال الصغيرة، التي تبحث عن موسيقى تعبر عنها، أكثر ما تعبر عن زمن ماضٍ وبشكل قديم.

لم تقدم حتى أغاني مناسبات في مسيرتها، لا نتذكر أغنية عن حدث سياسي أو وطني أو اجتماعي، لم تحاول خلق مساحة لها في وعينا الجمعي وذاكرتنا البصرية، لم تقدم أغاني تترات مسلسلات، لم تشارك في التمثيل في أي عمل درامي، صوت لا أعرفه ولا يربطني به شيء في الذاكرة، كل ذلك ساعد في زيادة الفجوة بينها وبين جيلي.
استمرت في تقديم أغاني في التسعينيات ولكن بنفس عقلية السبعينيات، لم تتجاوزها، لأنها لم تحرر صوتها من الصدمة الأولى، ظلت عالقة في البحث عن «في يوم وليلة» الخاصة بها، وكأنها تعاهدت على أن تكون مسيرتها كلها على شاكلتها. البحث المستمر عن أغنية في رقة «بعيد عنك حياتي عذاب». وُضعت في سياق أجيال أقدم منها، ولم تعرف إيجاد نفسها من لحظة ترحيلها على مطار بيروت في أيام الحرب الأهلية اللبنانية، لترحل منه إلى سوريا، كل ذلك يحدث لطفلة أقل من عشرين عام.
أعتقد الأمر الآن أصبح أكثر وضوحًا، في تفهمنا لماذا لم نتعلّق بصوت ميادة. تأكيدًا، محاولة استماع أغانيها تجربة جميلة وتستحق، ربما تعثر على أغنية تخصك أنت فقط، أو جملة موسيقية تثير إعجابك وتعلق في روحك، ربما كانت حقًا ميادة لا تريد كل تلك الضغوط، وقتل عالم الاحترافية روحها تدريجيًا، تريد أن تظل هاوية طوال حياتها، ربما لكل ما سبق نفهم أكثر لماذا أعجبنا الفيديو الأخير لها وهي تغني بكل هدوء واستماع بتلك الهواية الجميلة التي تحولت إلى لعنة جمدتها.
تقارير ذات صلة
ريما خشيش: «يا من إذا» تحدٍ ومقاومة ورحلة شخصية
تجربة جديدة لريما خشيش في عالم الموشحات
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
ألبوم ياسمين حمدان الجديد.. إلى الحلوين الخسرانين
قراءة في ألبوم «بنسى وبتذكر»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن