تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
رحلة مع| رضا البحراوي

رحلة مع| رضا البحراوي

كيف لخصت رحلة رضا البحراوي الأغنية الشعبية خارج العاصمة؟

كتابة: شريف حسن 9 دقيقة قراءة

من الصعب تتبع مسار مطرب شعبي مثل رضا البحراوي، حيث لا أرشيف واضح أو تسجيلات استديو أو معلومات عن التعاونات مع ملحنين أو موزعين، بجانب ندرة المقابلات الصحفية والتليفزيونية، وإن وجدت لا تجد ما يفيد من معلومات شخصية أو فنية. ما هي إلا دردشة مرتجلة بلا هدف واضح، فكان علينا الغوص في أعماق الإنترنت، وخاصة يوتيوب، لنستطيع نسج صورة قريبة من الحقيقة، لمسار واحد من أهم المطربين الشعبيين في السنوات الأخيرة.

عبر سنوات عديدة كان رضا البحراوي مثالًا نموذجيًا للمطرب الشعبي، ومعبرًًا عن الأغنية الشعبية غير المركزية، القادمة من خارج القاهرة الكبرى والبعيدة عن أضوائها وشهرتها، ورغم ذلك استطاع إثبات نفسه دون الاحتياج لتقديم تنازلات أو تقديم شكل غنائي بعيد عن الغناء الشعبي. من ناحية أخرى، تعتبر تجربة البحراوي الممتدة من طفولته أكبر شاهد على مسار الأغنية الشعبية وتطورها منذ التسعينيات وحتى الآن، فكيف حدث كل ذلك؟

البحراوي من مواليد مدينة طنطا في نهاية الثمانينيات، اكتشف حبه للغناء وامتلاكه لصوت جميل منذ الطفولة، وانطلق مع ذلك الشغف للغناء مع الأصدقاء في منطقته. نشأ على الأصوات الشعبية الهامة في تاريخ الغناء الشعبي في وقتها، والقريبة منه على المستوى الجغرافي مثل المطربة شفيقة «بنت بلدي» كما يطلق عليها، ورمضان البرنس والبحراوي العيسوي وسعيد حلاوة وياسر رماح، وغيرهم الكثير من غير المشهورين بالشكل الكافي في عالم الغناء الشعبي التجاري.

بدأ البحراوي يغني في الأفراح الشعبية في طنطا ويكتسب شهرة واسعة. طفل عمره اثنتا عشر عامًا يمتلك صوتًا جميلًا، ومن هنا قام المنتج طارق عبد الستار والمطرب ياسر رماح بتقديمه للجمهور بأغنية «زمن الوحوش»، وهي أغنية ياسر في الأصل، لكن مع صوت البحراوي الطفولي، وصرخاته في «حوش يا رب حوش.. دول ناس مابيرحموش». حققت الأغنية نجاحًا مهولًا، حتى وصلت إلى القاهرة. أتذكر أنني كنت أتغنى بهذه الأغنية دون معرفة مَن صاحبها، كأنها مثل الحكم القديمة لا صاحب لها.

في تلك الفترة كانت الأغنية الشعبية قائمة على غناء حزين الطابع، عن الوحدة واليتم والأبوة، وهو ما قدمه البحراوي بكل إتقان في مرحلة المراهقة، ومع البحث في أدغال اليوتيوب، وجدنا بعضًا من تلك الأغاني مثل «مغرور يا ابن آدم» و«علمني يابا» مع ياسر رماح، و«خلاص فهمتك يا دنيا» مع إسلام حمدي، و«أعز الحبايب»، والتي غناها آخرون من قبل مثل خالد الأمير. يسير البحراوي على نهج السابقين، تلميذًا نجيبًا لكل من سبقوه في الغناء الشعبي.

وإكمالًا للسير على النهج كانت إعادة غناء الأغنيات القديمة، أمر هام لأي مطرب شعبي صاعد، خاصة الأغاني الحزينة وألحان بليغ حمدي، مثل «كل شيء راح وانقضى» لنجاة الصغيرة، «كان ياما كان» لميادة الحناوي و«صدفة بتجمعنا» لأنغام، «عاللي جرى» لعالية التونسية، «خايفة لما تسافر» لشادية، وأغاني جورج وسوف الصادرة في ذلك الوقت، في ألبوم «سلف ودين» عام 2003، مثل «سلف ودين» و«بنفكر في الناس» و«اسكت». تتسم تلك المرحلة بالالتزام الكامل بغناء الأغنية كما هي في الأصل، مع توزيع شعبي بسيط، وبعض التعديلات في طريقة الغناء لتناسب الأجواء الشعبية.

بعد تلك المرحلة، بدأ البحراوي في الانتشار بشكل أكبر، وبدأت تظهر تسجيلات له من الأفراح، مع عازف الأورج «حمادة محرم» وفرقته. كان البحراوي لا يزال في طور التطوير والتعلم، لا يملك أسلوبًا خاصًا، ولكنه يسير على نهج ما يقدم. استمر في تقديم الأغاني الحزينة، حتى أنه صور أغنيتين فيديو كليب، مع انتشار قنوات الأغاني مثل مزيكا وميلودي، وهما «خلاص فهمتك يا دنيا» و«إحنا فين»، رغم موضوعها الجاد، والذي يتحدث عن اغتصاب الأطفال.

كان البحراوي يتحسس طريقه الغنائي، ويحاول تقديم أغاني هادفة، من باب أن الأغنية يجب أن تقدم فكرة أخلاقية ومجتمعية هادفة، وهذا من تأثيرات التسعينيات بالطبع، خاصة أن تلك الأغاني معه منذ بدايته تقريبًا، بل إنه كان يغنيها في الأفراح، بجانب أغانيه مثل «الورث» و«صرخة أم» وأغنية «بيحسدوني لما بضحك» لجورج وسوف، والتي يتبعها بأغنية «قطر الحياة» لرضا العيسوي.

 وفي نفس المرحلة في بدايات الألفية، كانت الأغنية الشعبية في مصر، وخاصة القاهرة، تشهد تجديدًا في شكل الأغنية الشعبية، بدمج موسيقى الذِكر مع التوزيعات الشعبية، وبدأت تخرج لنا موسيقى «المولد»، والتي استمرت عدة سنوات، صاحبها في ذلك الوقت خروج وظهور محمود الليثي بأغنية الشهيرة «أنا القتيل»، والتي كانت إعادة غناء لـ«أول ما كتب القلم» للعربي فرحان البلبيسي، فما كان من البحراوي إلا السير مع المشهد وتقديم أغنية «أول ما كتب القلم» في الأفراح. 

تدريجيًا يكبر البحراوي وينضج فنيًا، ويبدأ في العمل مع عازفين آخرين مثل مصطفى محمود و المايسترو إبراهيم.

بعد هذه المرحلة، ندخل في فترة انطلاقة الأفلام الشعبية على يد محمد السبكي، وينطلق فيها سعد الصغير والليثي وأمينة ومن بعدها بوسي. أما البحراوي فما زال مستمرًا في الغناء في الأفراح الشعبية خارج القاهرة، دون شهرة أو نجاح كبير يجعله ضمن أسماء الغناء الشعبي المعروفة، حتى خرج إلينا بأغنيتين «مابقاش عندي ثقة في حد»، وهي إعادة تقديم لأغنية أبوالليف، وأغنية «حلاوة روح» والتي تنازل عنها فيما بعد إلى حكيم ليغنيها في فيلم «حلاوة روح» (2014)، من أجل دخول عالم السبكي، فأعطاه السبكي فرصة للمشاركة في نفس الفيلم بأغنية «ما تصدقوش»، وأغنية «جديد» من فيلم «حديد» في نفس العام، ثم مشاركة أخيرة في السينما في فيلم «أمان يا صاحبي» عام 2017،  مع أغلب نجوم الغناء الشعبي ودويتو مع محمود الليثي «مش عليه».

الليثي مع رضا البحراوي يسجلان «مش عليه»

أخرج البحراوي، ابن خشبة المسرح والغناء اللايف في الفرح الشعبي، في أغنية أبوالليف و«حلاوة روح»، كل ما في جعبته من أسرار الغناء الشعبي، وأضاف لهما بخبرته الممتدة لسنين بصمته الخاصة في الحلي واللزمات الشعبية، كي يخلق جوًا صاخبًا وراقصًا جديدًا، مثل «بابا يا بابا»، أو «حلاوة»، أو «ملعون يا زمن الموبايلات خليت البنات فجرت»، أو «يا عبسلام.. اضرب»،  تلك الجملة التي أصبحت أشهر جمل الأغنية الشعبية، وساعدت في شهرة عبد السلام وموسيقاه المميزة والراقصة وقدراته على التلاعب على الأورج بشكل مبهر.

 مع عبد السلام صنع البحراوي دويتو لا يستطيع أحد الوقوف أمامه أو الصمود دون أن يهتز رقصًا ونشوة، كل منهما وجد في الآخر ما يبحث عنه. يقول البحراوي عن عبد السلام: «أنا بقولها قدام مصر كلها، هقولها تاني وتالت ورابع وخامس، لا بعدك ولا قبلك، حتى الجملة اللي بتعملها كل مصر لازم تقولها، معنى كده إنك الرئيس.. اضرب». حتى أن له جملة مشهورة يصرخ بها في وجه عبد السلام في الأفراح عندما يصل الاثنان إلى نشوتهما، وقالها في نفس التسجيل السابق، أمام الليثي، نجم الأغنية الشعبية،: «عليّا الطلاق بالتلاتة ما فيه مطرب في مصر معاه مفتاحك غيري يا عبسلام».

caption

مع ذلك النجاح بدأ البحراوي يعلن عن نفسه بكل قوة، نضَج سنيًا وفنيًا، وامتلك الخبرة والثقة بالنفس، واعتلى الخشبة وفي يده الحديدة «المايك»، ويعلنها بكل وضوح: هل من منافس؟ حتى الليثي صاحب الحضور الطاغي على المسرح ومع الجمهور، لا يمكنه منافسة البحراوي على المسرح. خبرته جعلته متفهمًا لمتى يمكنه الغناء بشكل طربي ومتى يُشعل الفرح ويختفي صوته وسط الموسيقى الصاخبة. ويفعل ذلك بجمله المشهورة في إشعال الأفراح الشعبية مثل: «المسلم والموحد بالله يقوم يقف»، أو «اللي بيخاف ربنا يقوم يقف»، أو «اللي جنبه راجل يقوم يقف»، وغيرها من الجمل التي تجبر أغلب الحاضرين على الوقوف والتحرك ميلًا مع الموسيقى ليعلن سيطرته على الحاضرين.

رغم قلة الأغاني الخاصة بالبحراوي، إلا إنه قادر على الغناء لساعات دون أن يكل أو يمل هو أو الحاضرون. يعي البحراوي مفهوم أن المطرب الشعبي لديه القدرة على غناء أي أغنية مبهجة أو حزينة، بشكل شعبي، أي يضع عليها بصمته في الغناء ويضيف لها ضمائر ومفردات جديدة. يتنقل بين الأغاني بكل سلاسة وتمكن، تستمع لموال شعبي ثم جزء لأم كلثوم بشكل طربي ثم يحول الطرب إلى توزيع شعبي راقص حتى لو كان الكلام حزين، مضيفًا كلمات وحُلي ولزمات الخاصة به، لتنقلب بعد ذلك إلى أحد أغانيه الشعبية.

 دائمًا وأنت في حضرة البحراوي لا تعرف خط سير الفقرة الخاصة به، لكنك في النهاية تخرج سعيدًا منتشيًا طربًا. البحراوي يصنع كل ذلك وحوله على المسرح عشرات الأشخاص ونبطشي يقطع غناءه بتقديم التحيات أو يقدمها البحراوي نفسه، ويسلم على شخص ما، ويهمس آخر في أذنه بأسماء أشخاص مهمين قدموا للتو للفرح ليحيهم. كل ذلك لا يؤثر على أدائه الغنائي، كل ذلك ومعه فرقة موسيقية تسير وراءه، وكأنه شيء غير مرتجل، وكأنهم تدربوا كثيرًا على كل هذه التقاطعات العشوائية. إنها خبرة الأفراح الشعبية، والتي لا يملكها أحد مثل البحراوي في ذلك الجيل، فهو هنا على المسرح منذ طفولته.

caption

هناك مطربون كثيرون مفضلون للبحراوي، ويحب الغناء لهم مثلما ذكرنا في البداية. شفيقة ورمضان البرنس، وبالطبع أم كلثوم وعبد الحليم حافظ. لا يخجل أو يهاب غناء أي أغنية، من العمالقة إلى المطربين الشعبيين، من الأجيال الأقدم مثل عبد الباسط حمودة أو طارق الشيخ، أو يعيد اكتشاف أغاني من التسعينيات،  مثلما فعل مع أغنية حمادة هلال «كل ما أفكر فيك».

 أيضًا يقف على المسرح بجانب أي مطرب آخر مثل الليثي أو أحمد عامر أو حمادة الأسمر أو غيرهم، ويرحب بالغناء والمبارزة الصوتية معهم. يملك الثقة والصوت الجميل، فأهلًا بالمعارك الفنية الجميلة والممتعة للحاضرين والمستعمين، تلك الصفات جعلته يغني في أي مكان، في أتوبيس الفرقة بعد يوم عمل شاق، في جلسات هادئة مع فرقته، يلعب البلاي استيشين ويغني لأم كلثوم، كل ما في الأمر أنه يحب الغناء، لكن كان الأمر الملفت للنظر هو عدم غنائه أي أغنية أو موال أو مقطع لأحمد عدوية، بالطبع هو يكن له كل تقدير واحترام، لكن لن تجد فيديو يدندن حتى في جلسة خاصة أغنية له. لم أجد إجابة على تلك السؤال، ربما كان بعيدًا عن مركزية العاصمة ومركزية الغناء الشعبي، والتي تتمركز عند أحمد عدوية. 

مع وصول البحراوي إلى سن الثلاثين في 2018، وانتهاء أزمة الجيش والسفر، انطلق خارج مصر ليحيي حفلات في الإمارات وتونس، ويعلن عن نفسه بشكل أكبر خارج حدود مصر، ابن مدينة طنطا استطاع بصوته وعمله أن يصبح من أهم مطربي الأغنية الشعبية في مصر. وفي عام 2019 يقدم تتر مسلسل هوجان بطولة محمد عادل إمام، وعدة أغاني أخرى داخل العمل نفسه، ليؤكد قدراته الغنائية ويحصد نجاح سنوات كثيرة من العمل، ومع نجاح الأغاني يعود للتعاون مع نفس البطل مرة ثانية في مسلسل النمر 2021، ودويتو «أبويا قالي زمان» مع مصطفى حجاج. 

caption

رغم كل ما يحدث من تغيرات على الساحة في السنوات الأخيرة من سيطرة المهرجانات ومن بعدها الراب على الساحة الغنائية في مصر بشكل كبير، وتأثر الأغنية الشعبية، واتجاه أغلب الأصوات الشعبية الجديدة لتقديم تعاونات مع مطربي وموزعي المهرجانات من أجل ضمان النجاح، حتى إن هناك مهرجانات حققت نجاحات ضخمة في الشارع المصري وبأرقام المشاهدة كانت قائمة بالأساس على فكرة الغناء الشعبي، مثل «عايم في بحر الغدر» أو «بنت الجيران» أو «صفر المية الحالة ضنك»، وأصبح هناك شكل جديد يدمج بين توزيع موسيقى المهرجانات والغناء الشعبي، وأصبح قليل ما تخرج إلينا أغنية شعبية بشكلها التقليدي المعروف، رغم كل هذا، لم يتأثر البحراوي بشكل كبير، لأنه يقدم شكلًا للأغنية الشعبية خاص به، وكما يقول هو نفسه كأحد لزماته الشهيرة «إحنا أبطالها لحد ما نبطلها»، وله قاعدة جماهيرية كبيرة خارج حدود مركزية العاصمة وعلى مواقع التواصل الاجتماعي أيضًا حتى انتشرت جملة مثل: «رضا البحرواي بعد رضا الوالدين».

https://www.youtube.com/watch?v=R9YtK41-i70

رغم تلك الرحلة الطويلة والشاقة منذ الطفولة، إلا أن البحراوي يفتقد منتِج فني، قادر على الاستفادة من موهبته وكاريزمته على المسرح، منتج يستطيع إخراج الأجواء اللايف في أغاني استديو، ويصنع معه أغاني شعبية كثيرة، تعيد لنا الأغنية الشعبية مرة أخرى على الساحة بقوة، وتؤكد أن البحراوي ما زال يملك الكثير في جعبته ليمتعنا به.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن