«رأس الحكمة» وجيب المواطن.. لا جديد حتى الآن
نهاية الأسبوع الماضي، حصلت مصر على عشرة مليارات دولار من الإمارات كدفعة أولى من قيمة صفقة «رأس الحكمة» البالغة 24 مليار دولار، بعد أقل من أسبوع من توقيع رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، الصفقة، وسط دعاية حكومية واسعة لآثار الصفقة الإيجابية على الأزمة الاقتصادية، سواء على المدى القريب بنزع فتيل زيادة الأسعار المستمرة، أو على المدى الأبعد بإيجاد حل مستدام للفجوة المزمنة في النقد الأجنبي.
عدد من المصنعين والمستوردين والخبراء الاقتصاديين قالوا لـ«مدى مصر» إن الأسعار ستتأثر بالإيجاب عندما تصبح التصريحات أمرًا واقعًا على الأرض، بما في ذلك تدبير الدولارات للمستوردين والإفراج عن البضائع المكدسة بالموانئ لخفض الأسعار في الأشهر القليلة القادمة، وتحقيق استدامة في ذلك على المدى الأطول.
منذ توقيع الصفقة، شهدت أسعار الصرف في السوق السوداء تراجعًا قويًا، لتصل إلى ما دون 50 جنيهًا، وبالتبعية تهاوت أسعار الذهب، وهما المؤشران اللذان اعتمد عليهما التجار سابقًا في تقدير أرباحهم، والاقتصاديون في فهم أداء الاقتصاد. لكن هذا الانخفاض لم يؤثر على أي من أسعار مشتريات المواطن اليومية، وبالأخص الطعام.
«حسسونا إن الدنيا مطرت دولارات، طب مفيش سكر رخيص يمطر علينا»، قالت سيدة، بتهكم، وهي تسأل البائع عن موعد وصول السكر بأحد محلات البقالة في الدقي.
«الكُرة في ملعب البنك المركزي»، يقول أحد المصنعين في حديثه لـ«مدى مصر»، موضحًا أن «الانفراجة» المتوقعة لا تزال تنتظر تدبير البنوك للعملة الصعبة اللازمة للاستيراد، والإفراج عن البضائع المُكدسة بالموانئ.
ورغم توجيه رئيس الوزراء، في 25 فبراير الماضي، بالإفراج عن بعض السلع الاستراتيجية التي وصل قيمة المُتراكم منها بالموانئ إلى 1.3 مليار دولار، لكن يبدو أن أحدًا لم ينفذ التوجيه، فعاد مدبولي، أمس، بتوجيه مماثل بالإفراج الفوري عن البضائع من الجمارك. هذا بخلاف العديد من السلع «غير الاستراتيجية» التي تقدر قيمتها بين 5 و14 مليار دولار، تنتظر توفير العملة الصعبة للإفراج عنها، تباعًا، بحسب مصادر بقطاعات الدواجن والماشية والتبغ والأعلاف والتوابل والبنّ وغيرها من السلع الأساسية.
«هل حصل تغيير منذ الإعلان عن رأس الحكمة؟ الإجابة لأ. الإفراجات لسه متعطلة، سواء في الموانئ أو إمكانية فتح اعتمادات مستندية ومستندات تحصيل جديدة»، يقول رئيس شعبة الأدوات المنزلية بغرفة القاهرة التجارية، أشرف هلال، لـ«مدى مصر».
وأضاف هلال أنه حتى حدوث ذلك، سيستمر الوضع كما هو. «لسه بنروح لحد عنده عوائد تصدير علشان نستفيد من قدرته على الاستيراد ونوفر الدولار من السوق السوداء والراجل يطلع بعمولته علشان نعرف نستورد. مفيش حد استورد تلاجة بألف جنيه هيبيعها بـ900 علشان فيه فلوس دخلت البنك المركزي. لازم الفلوس دي الأول تسمّع فعلًا في البنوك، ويبقى سهل على أي حد يروح البنك يطلب توفير دولار أو مستندات استيراد مختلفة ويقدر يعملها بسعر البنك علشان نقول إن فيه تغيير»، يوضح هلال.
رغم ذلك، تحركت أسعار بعض السلع الخام، مثل الحبوب وخامات الأعلاف. الصويا، أحد أهم خامات الأعلاف، شهدت تراجعًا في أسعارها من 38 ألف جنيه للطن، لتصل إلى ما بين 29 و30 ألف جنيه للطن. انخفضت، أيضًا، أسعار الذرة الصفراء بحوالي أربعة آلاف جنيه للطن، ما أدى إلى تراجع أسعار أعلاف الدواجن بأكثر من 8%. بالمثل، انخفضت أسعار القمح والدقيق، بشكل طفيف، بحسب الأسعار المُعلنة، حتى أمس، من المصانع والتجار، والتي اطلع عليها «مدى مصر».
أحد وكلاء الأعلاف بمحافظة المنيا، هلال المهندس، فسّر لـ«مدى مصر» ذلك الهبوط بأنه نتيجة اندفاع كبار التجار بسوق الأعلاف، لشراء كميات كبيرة وتخزينها، في أثناء صعود الدولار إلى أكثر من 70 جنيهًا، بدافع «اشتري بسعر النهاردة، قبل ما السعر يغلا بكرة». لكن بحلول فبراير الماضي، بدأ تداول أخبار صفقة «رأس الحكمة»، بالتزامن مع امتناع البنوك عن قبول إيداع المستوردين مبالغ دولارية بخلاف المحصلة من عمليات تصدير، كما اشتعلت الحملات الأمنية العشوائية على تجار العملة، فتوقفت الأسواق تمامًا. «لا بيع ولا شراء لأي سلعة أو حتى للدولار» يقول المهندس.
ومع تأكد أنباء التدفقات الدولارية، بعقد مؤتمر توقيع الصفقة، قبل أسبوعين، ووعود بإفراجات جمركية، انخفض الدولار لأدنى من 50 جنيهًا في السوق الموازي، بالتزامن مع صعوبة الحصول عليه من تلك السوق، وكل ذلك تراقبه أعين كبار اللاعبين بسوق السلع الغذائية الأساسية، المُخزنة لديهم بسعر صرف 70 جنيهًا للدولار.
اختلف الوضع تمامًا، إذ سارع كبار التجار إلى التخلص -بالبيع- من مخزوناتهم من خامات الأعلاف وغيرها من السلع الاستراتيجية، لتقليص خسائرهم، فتحول المخزون إلى عرض مُندفع تنخفض أسعاره يومًا تلو الآخر.
أمام زخم العرض امتنع المُشترون، باختلاف أحجامهم، عن الشراء لانتظار أسعار أقل. واقتصر الشراء، سواء من أصحاب مزارع الدواجن أو الماشية أو تجار الأعلاف، على الكميات الضرورية التي يحتاجها لليوم، فتراجع الطلب بشكل كبير ما سبب ركودًا.
لذلك، توقف انخفاض الأسعار عند قمة الهرم الإنتاجي، ولم ينتقل إلى باقي سلسلة الإنتاج والبيع لتصل إلى المستهلك النهائي، انتظارًا للتحقق من مدى استدامة هذا الانخفاض. ويعد السبيل لتحقيق ذلك هو تحرك «المركزي» و«المالية» نحو إتاحة الدولار والإفراج الجمركي ودوران عجلة الإنتاج في دورة كاملة.
على سبيل المثال، في قطاع الدواجن، سجلت أسعار البيع من المصنع لجميع أنواع أعلاف الدواجن، انخفاضات في حدود 8% خلال الأسبوع الماضي، لكن سعر كيلو الفراخ للمستهلك النهائي زاد من حوالي 102 جنيه قبيل الإعلان عن «رأس الحكمة» إلى 105 جنيهات، أمس، وكان أقل سعر سجله الكيلو 98 جنيهًا، بينما ظل البيض على أسعاره دون تحرك عند 170 جنيهًا للطبق (30 بيضة).
«الفراخ اللي طالعه النهاردة واكلة أغلى علف»، يقول المهندس الزراعي وأحد صغار المربين بمحافظة الدقهلية، محمود الفار، لـ«مدى مصر»، مضيفًا أنه لكي تنخفض أسعار الدواجن والبيض؛ «علينا الانتظار لدورة إنتاجية أخرى تستمر خلالها الأعلاف بأسعار منخفضة»، أي خلال النصف الثاني من شهر رمضان.
يتفق معه صاحب مزرعة دواجن بمحافظة قنا، محمود فيكتور، الذي توقع استمرار الأسعار المرتفعة على المدى القصير نظرًا لارتفاع الطلب الموسمي قبل «رمضان» مقابل انخفاض المعروض من الدواجن حاليًا، جراء توقف عدد أكبر من المنتجين عن العمل، خلال الدورة الإنتاجية الأخيرة التي شهدت ارتفاعات قصوى في تكاليف الإنتاج.
مع ذلك، يمكنك عزيزي المستهلك أن تجد تخفيضات في أسعار عدد من السلع الغذائية لدى سلاسل السوبر والهايبر ماركت، التي اعتادت طرحها كل عام مع موسم رمضان، وتزامنت هذا العام مع صفقة «رأس الحكمة». بحسب جولة قام بها «مدى مصر» في بعض تلك السلاسل، ستجد تخفيضات تتراوح بين 5% و30%. لكن أسرع يا عزيزي لأن المدة محددة بأسبوعين فقط، بدأت مع أول مارس.
مدير عام التسويق في أحد تلك السلاسل، قال لـ«مدى مصر» بعد طلب عدم ذكر اسمه، إن سلاسل السوبر ماركت الكبيرة، التي تمثل ما بين 7 و10% على أقصى تقدير من سوق البيع بالتجزئة، تتمتع بمزايا تنافسية لا تتوفر بالمحال الصغير، تمكن السلاسل من طرح تلك التخفيضات كل عام بهدف الاستفادة من الإقبال الجماهيري على شراء الأغذية قبل رمضان وزيادة مبيعاتها، وبالتالي تسريع دورة رأسمالها، ما يعني أرباحًا أكثر. أول تلك المزايا هي قدرتها على الحصول على البضاعة بأسعار تنافسية، نظرًا لتمتعها بقدرة مادية على شراء وبيع كميات أكبر من السلع، والميزة الثانية هي الحصول على السلعة من المُنتِج مباشرة، ما يوفر تكاليف ثلاثة مراحل وسيطة تقريبًا بين المصانع والمستهلكين، مثل الوكلاء وتجار الجملة ونصف الجملة.
وأكد المصدر: «دا موسم وكل سنة بنعمل كدا.. كل الشغل الحاصل في السوق دا خطط بيعية متفق عليها مسبقًا».
على المدى الطويل، «رأس الحكمة» وحدها -رغم كِبر حجم الصفقة- لن تكون كافية لإحداث تغيير حقيقي في مسار الاقتصاد المصري، «إلا إذا عملت مصر على تغيير مسارها الاقتصادي بالكامل»، بحسب باحث بأحد بنوك الاستثمار، تحدث مع «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه.
وأوضح الباحث أن الحكومة ستواجه صعوبة في تحديد أولويات إنفاق العائد من الصفقة، ما بين ديون طويلة ومتوسطة الأجل بنحو 33 مليار دولار، وديون قصيرة الأجل، ومتأخرات مستحقات شركات البترول والغاز الأجنبية، وعجز كبير في أصول الجهاز المصرفي. كل ذلك بخلاف قيمة البضائع المتكدسة في الموانئ تنتظر الإفراج عنها.
«علشان نقدر نشوف إذا كانت الصفقة هتحل أزمة مصر، لازم الأول نوّصف المشكلة صح» تقول محللة الاقتصاد الكلي، منى بدير، لـ«مدى مصر»، مضيفة: «الصفقة بالتأكيد هتحل أزمة عملة صعبة على المدى القصير، خصوصًا لما يتبعها صفقات مماثلة أو اتفاق مع صندوق النقد الدولي. لكن المشكلة الحقيقية في الاقتصاد أكبر من كده، وسابت ندوب على مدى الفترة اللي فاتت في صورة أزمة ثقة في العملة المحلية والاقتصاد المصري هتاخد وقت كبير علشان تتغير».
الأمر نفسه أشار إليه الباحث ببنك الاستثمار، مؤكدًا أن «تصحيح المسار» الذي تحدث عنه مدبولي وقت الإعلان عن «رأس الحكمة» يجب أن يكون مُقنعًا للمواطنين المصريين والمستثمرين على حدٍ سواء.
«حتى لو كانت الفلوس اللي اتدفعت في تنمية العلمين الجديدة، والطرق، والعاصمة الإدارية بتجيب عوائد، زي ما قال مدبولي في الإعلان، فالعوائد دي مجتش إلا بعد عشر سنين. خلال الفترة دي أنت زنقت نفسك اقتصاديًا بشكل كبير جدًا. كان المفروض على قد لحافنا نمد رجلينا ونكبر شوية شوية»، يقول المصدر.
«دا هيبان خلال الشهور الجاية في عدة حاجات من أولها أوجه صرف الفلوس اللي جاية. اللي المفروض يحصل إني أبدأ أفك الاختناقات الموجودة في الواردات علشان عجلة الاقتصاد تدور وتتحرك. كمان عندي ديون كتير محتاجين نفكر في إعادة هيكلة جزء منها علشان نخفف الضغط على الموارد الدولارية، وبعد كده نبدأ نبص على باقي الاستخدامات والموارد المتاحة»، يوضح المصدر.
تقارير ذات صلة
السيطرة على الأسعار بـ«التهويش»
لا وجود لجريمة تدعى «التلاعب في الأسعار» في أي من القوانين المصرية
سوق الدواجن «للكبار فقط»
حل الأزمة لا يكمن في الاستيراد
هكذا اشتعلت الأسعار واختفى «الدخان»
لماذا اختفت السجائر وماذا حدث في السوق؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن