تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«ديوك وكتاكيت»: ملهاة المرح الأسود.. مرايا الأصالة الهزلية

«ديوك وكتاكيت»: ملهاة المرح الأسود.. مرايا الأصالة الهزلية

قراءة نقدية لأحدث روايات الكاتب نائل الطوخي

كتابة: محمد عمر جنادي 22 دقيقة قراءة

بعد أن أصدر روايته «بابل مفتاح العالم» عام 2007، بدأ الروائي المصري نائل الطوخي في توسيع لعبته الروائية، والدخول إلى منطقة أكثر عبثًا واتساعًا. لاحظت من حديثه، سواء كان ضمن محادثات شخصية بيننا، أو في حواراته ولقاءاته المنشورة والمسجلة، ولعًا حقيقيًا بالملحمة. «الحرافيش»، و«رأفت الهجان»، و«الحرب والسلم»؛ ثلاث روايات يحبها الطوخي كثيرًا، وجميعها ذات بعد ملحمي وتناول للصراعات الإنسانية الكبرى. اهتممت من وقتها بكل ما يكتبه الطوخي، وتساءلت: كيف يمكن أن تجتمع السخرية من كل شيء مع الولع بالملحمة؟

كانت الإجابة مع النقلة الكبرى التي صنعها الطوخي في «نساء الكرنتينا»، ملحمة دموية ساخرة، قدم من خلالها تاريخًا مغايرًا وجغرافيا بديلة لمدينة الإسكندرية. ثم جاءت «الخروج من البلاعة» لتتناول مأساة بطلة مهمشة تعيش داخل زمن مضطرب، زمن ثورة يناير وما تلاها من أحداث.

لكل عمل أدبي «أفق توقع» أو «أفق انتظار»، أي مجموعة من التوقعات المسبقة التي يحملها القارئ عند مواجهة نص جديد، وتتشكل بناءً على خبراته القرائية السابقة ومعرفته بتقاليد النوع الأدبي وبمنجز الكاتب. لذلك عند قراءة «ديوك وكتاكيت»، رواية الطوخي الأخيرة، توقعت ظلال الملحمة داخل العمل، لكن الفارق أن الطوخي لا يقدم أبطالًا تقليديين أو معارك بطولية، بل يخلق ملحمته من الهامشيين، التافهين، والمُتفرجين على التاريخ الذين يحاولون عبثًا الانتقال من الفرجة إلى اللعب في التاريخ نفسه وصناعته.

وجدت في «ديوك وكتاكيت» أجيالًا عالقة في دورة عبثية من الصعود والانهيار، أشبه بصدى بعيد لـ«الحرافيش»، لكن بلا أي وهم بالخلاص الجماعي. وفي قلب الرواية إعادة تعريف للوطن والمقاومة، لكن دون جاسوس بارع مثل رأفت الهجان، وإنما من خلال شخصيات تكتشف تدريجيًا أنها مجرد صور مشوهة لأوهام الآخرين.
في هذا العالم، لا توجد حرب كبرى كالتي رسمها تولستوي، بل حرب باردة مستمرة، وصراعات داخلية يخوضها الأفراد وسط الأحداث الكبرى والأحلام الثورية المنهارة. ما يقدمه الطوخي هنا هو ملحمة من نوع مختلف: ملحمة العبث، ملحمة السقوط الحر في واقع لا يعترف بالأبطال.

غلاف الرواية

 الكتابة الجديدة.. جدًا

تصف إحدى شخصيات رواية «ديوك وكتاكيت»، الصادرة سنة 2024 عن دار المحروسة، كابوس نهاية العالم الذي عشناه في زمن الوباء بأنها حالة من اليوتوبيا المستحيلة، «مستنقع آسن يطن فوقه الهاموش»، أو كما يعلق الراوي أن الوباء فاجأنا جميعا بالنهاية، لكنها نهاية مريضة، منزلية الصنع. فيما تفكر شخصية أخرى في أن كل نهايات العالم لا بد لها من حشرات تحكيها، لأنها الوحيدة التي ستبقى في النهاية.   

في مزج هزلي بين الأفكار واللوثات والنزوات والأحلام والعقائد، تحيا شخصيات الرواية وكأن قدرها المسير بين قوسين باتساع العالم؛ أولهما التفاهة، وثانيهما القيامة أو الأبوكاليبس.   

شاعت تسمية «الكتابة الجديدة» عبر الخطاب النقدي والصحافة الثقافية، واستخدمت في وصف أعمال جيل الألفية من الكتاب/ات المصريين/ات قبل ثورة يناير. كان السجال خلال تلك السنوات حول مفهوم «الجدة» نفسه، وإن كانت تتمثل أسلوبيًا أم على مستوى الخطاب والموضوعات.

يمكن القول الآن إن روايات نائل الطوخي تمثل جانبًا محوريًا من تلك الروح «الجديدة»، الساعية دائمًا إلى التحدي والجدة، حتى إن خبا الاهتمام بما يعنيه أو يمثله المصطلح، مع ظهور عوائق ثقافية وسياسية واقتصادية لم تكن موجودة من قبل.

والتحدي المقصود  ليس مجرد سخطًا أو احتجاجًا أو موجة عابرة وإنما هو الشكل والكيفية التي تتخذها الكتابة نفسها في العلاقة مع المجتمع، وتحديها لمعايير المؤسسة الأدبية المبنية وفق تصورات السلطة الحاكمة وحُراس الخطاب.

ربما يبدو من السطور السابقة أنه بالإمكان اختزال مقاربة نائل الطوخي الروائية في أوصاف محددة، فالكتابة «جديدة» والعالم الروائي «بين قوسين». لكن واقع الأمر أنه حتى الحبكة نفسها في «ديوك وكتاكيت» غير قابلة للتلخيص. وذلك ليس بسبب ضخامة الرواية فحسب -إذ تتجاوز السبعمائة صفحة- وإنما لأن الحبكة ليست مجرد الحكاية أو ترتيب الأحداث، بل هي أيضًا «كل الوسائل المستخدمة في مجرى السرد وإبطائه»، وكل وسائل تغريب الأحداث المألوفة بواسطة الإطناب أوالإطالة 1

 يُسقط الطوخي الألفة عن الحركات والحالات المألوفة عبر إبطاء وإطالة الوصف، أحيانًا من أجل أن يأتينا باستبصار جديد لطبيعة شعور معين، كالحزن مثلًا، أو إدراك جديد لحالة مألوفة. وأحياناً أخرى من أجل غايات لغوية وأسلوبية، كما سأبين لاحقًا.

 

الرواية مقسمة إلى ثلاثة فصول. الفصل الأول بعنوان «إجوهات مرهَقة»، ويتناول العلاقة بين مجموعة مثقفين مكونة من خمسة أفراد. أسمتهم الرواية «شلة الشبه دايرة» لاعتيادهم التجمع في مقهى أطلقوا عليه «الشبه دايرة» بدلًا من اسمه الأصلي، «النجاح».

caption

نتعرف في البداية على مخايل وديع، مفكر اشتراكي معروف في السبعين. تظهر الشخصية مليئة بالمتناقضات، فهو ماركسي يكره الفقراء، ولا يناصر القضية الفلسطينية. ويرى أن «الأصالة» هي فضيلته الأساسية. يعمل مخايل على كتاب عن الحتمية التاريخية، ثم يكتشف في نهاية الفصل أنه انتحل فكرة كتابه الرئيسية من عبد الغفار أبو وردة، صديقه اللدود.

وأبو وردة مناضل ناصري، فقد ذراعه أثناء سجنه وقت انتفاضة الأقصى، وفقد ساقه بسبب قصف إسرائيلي لأحد اجتماعات منظمة التحرير بمدينة تونسية. أبو وردة معبود شباب ثورة يناير، يرونه قديسًا وأبًا روحيًا فيما يُكن له مخايل ضغينة منذ تعارفهما في أوائل الثمانينيات. 

محمود حجازي، فنان تشكيلي وأكبرهم سنًا، يواجه نضوبًا إبداعيًا فينتقل من رسم المستطيلات التي عُرف بها إلى الافتنان بالخط العربي. ولدينا سيد الشربيني، صحفي وروائي، يواجه هو الآخر معضلة في تخيل شخصيته الروائية. وقرب نهاية الفصل، يتحرش بصحفية شابة تعمل معه في نفس المجلة التي يديرها، مما يدفعه إلى العزلة والاختفاء. وأخيرًا محمد متولي، عازف عود، يحاول النجاح كبقية أقرانه، وينتشر صيته بعد أدائه الذي يحاكي فيه مواء القطط على العود.

الفصل الثاني بعنوان«رجال قيد التكوين». ننتقل فيه إلى عالم الشباب. ونتعرف على مجموعة من الأصدقاء، مينا، وسامر، وبهاء، ونسمة.  يتعارفون من خلال المسيرات والمظاهرات مثل أحداث محمد محمود وماسبيرو. ويحاولون الاندماج في عالم المثقفين.

يتناول الفصل علاقة الحب بين نسمة وبهاء، والأفكار التي تشغل بال الأخير مثل النازية ونهاية العالم، ومحاولات سامر، الشهير بـ«بطشو»، كتابة روايته الأولى. ويركز الفصل على «مينا منير»، بحثه عن صفات تخصه وحده، وإعجابه الخفي بنسمة، ثم تحوله إلى شاب يصادق الأجنبيات العجائز، ويمارس معهن الجنس مقابل المال. ينتهي الفصل بسفر بهاء إلى الكويت ونهاية علاقته مع نسمة، وتحول بطشو إلى «سانوس» تيمنًا بـ«ثانوس» الشرير الجبار في عالم مارفل السينمائي ثم سفره إلى برلين للعمل في صناعة البورن. أما مينا فينتقل إلى مجالسة مخايل وديع ومساعدته في ترتيب شؤونه وتحرير أوراقه.

ويتناول الفصل الثالث، «أفكار في الهواء»، علاقة العمل بين مينا ومخايل، ومينا مع محمود حجازي؛ إذ تحول من مصادقة النسوة العجائز إلى مجالسة المثقفين ومساعدتهم من أجل إتمام مشاريعهم. ويتتبع الفصل مصائر بقية الشخصيات وأفكارهم وهواجسهم، وكيفية تقاطع عالم الشباب مع مجموعة العجائز.

 

مع نهاية الفصل الأول، نقرأ الجملة الآتية: «إذا كانت الديوك مجازنا لعالم العجائز، والكتاكيت لعالم الشباب، فإن دميانة ستمثل الدجاجة الواصلة بين الاثنين». ودميانة هي والدة مينا، تدفعها وفاة زوجها إلى الخدمة في البيوت.  

دميانة الواصلة كذلك بين طبقتين، البرجوازية والفقيرة، رغم انتمائها فعليًا إلى الأخيرة. والواصلة أيضًا بين فئتين، المثقفين والعاديين، إن جازت التفرقة.  تتعرف دميانة من خلال عملها كخادمة على مخايل وديع، ثم تتحول تدريجيًا إلى محررة كتابه. كما يعهد إليها مخايل بأرشيف عبد الغفار أبو وردة بعد وفاته. وتصير همزة الوصل بين مخايل ومينا. ومن خلال مجالسته للكهل الصلف، يتعرف مينا على بقية شلة الشبه دايرة.

تدور معظم الأحداث خلال سنوات ما بعد يونيو 2013 حتى جائحة وباء الكورونا في عامي 2020 و2021، مع بعض التنقلات الزمنية إلى عقود سابقة، أثناء فترة حكم مبارك وما قبلها.

باستثناء اغتيال شخصية «سانوس» في ألمانيا على أيدي بعض المتطرفين، نتيجة رواج فيديوهاته التي يمارس فيها نوعًا غريبًا من «فن الاستمناء»، لا يوجد حضور كثيف للموت داخل الرواية، أو شعور بالفقد أو الغياب على الرغم من وفاة عبد الغفار أبو وردة الحالمة، ومصرع مخايل وديع في حادث عبثي.     

وفي ذلك تختلف «ديوك وكتاكيت» عن سابقتيها. كانت «الخروج من البلاعة»، الصادرة عام 2018، مأساة أخذت روح الملهاة، مع سيطرة أجواء منذرة بالشر على عالمها. أما «نساء الكرنتينا» المنشورة في 2013 فكانت مهزلة دموية، ملحمة عنيفة، مع الكثير من الموتى والخسائر.

 

 التفاهة، والحماقة، والغباء الإنساني، ثالوث الصفات الذي ينسج منه نائل الطوخي شخصياته. إضافة إلى السمات الكرتونية للشخصيات من حيث طبيعة انفعالاتها ورؤيتها إلى العالم. 

هناك مفكر ينهي مسودات كتبه ثم يتراجع عن النشر في لحظات ما قبل الطباعة، لاكتشافه أخطاء جسيمة بها، فيضمها إلى «حثالة الأفكار» كما يسميها. تدهسه سيارة ويموت وهو يلاحق كيس قمامة أسود ظنًا منه أنه خفاش عَلّم نفسه الطيران. وشاب قبطي بلا صفات، في بحث دائم عن ملامح تخصه وحده، فلا يجدها. وصحفية شابة لا تدري إن كانت سمكة أم عصفورة.

تطلق الرواية على مينا الوصف الذي استخدمه الروائي النمساوي روبرت موزيل عنوانه لروايته الضخمة: «رجل بلا صفات». ثمة تناص بين «ديوك وكتاكيت» و«رجل بلا صفات»، يتجاوز بطليها، مينا وأولريش. في الروايتين رصد للاحتمالات الغافية داخل كل إنسان، أي إعادة تعريف الإنسان كاحتمال مؤجل دائمًا، والهوية كحالة في تشكلٍ دائم هي الأخرى. كما تتناول الروايتان الحياة في ظل الشمولية والتقلبات السياسية.

شخصيات «ديوك وكتاكيت» لا يمكن اختزالها إلى مجرد نماذج قابلة للقراءة من منظور التحليل النفسي، أو مجرد صورة مباشرة للواقع الاجتماعي. إذن، كيف استطاعت الرواية رغم ذلك أن تعبر عن الواقع المصري عقب ثورة يناير؟ وإلى أي مدى كانت تأريخًا لحياة أجيال من المثقفين المصريين، ونقدًا للوعي المصري المعاصر؟

لكن السؤال الأهم، أو ربما التحدي الأهم، ربما يكون الآتي:

كيف يمكن أن تخلق عملًا فنيًا أصيلًا من عالم يفتقر إلى الأصالة، أو بالأدق، من عالم روائي اختار الكاتب أن يبدو كذلك؟

 ملهاة من الهزل الأصيل

تحقق الرواية أصالتها الخاصة عبر «الأصالة الهزلية»، بتعبير الفيلسوف الفرنسي، هنري برجسون، وهي بذلك تقدم رؤيتها عن الواقع والمجتمع.

 يقول برجسون في كتابه «الضحك» إن الأصالة الهزلية توضح لنا «وسائل عمل التخيل البشري»، وبصورة خاصة «التخيل الاجتماعي، الجماعي، الشعبي». وذلك لأنها «تنبثق عن الحياة الواقعية»، «وتقترب من الفن». ويوضح أن الهزل يجعل من التواطؤ على الحياة الاجتماعية مادته. الهزل نفسه نوع من التآمر الخفيف.  

الضحك في «ديوك وكتاكيت» نابع من قدرة السرد على كشف التواطؤ على مستوى المجتمع والأفراد. يكشف السرد عن الطبقية والعنصرية والذكورية المتخفية وراء ادعاءات العقلانية والتحرر وقبول الآخر. تظهر رواسبها عميقة في الوعي مهما جاهدت الشخصية في تلوينها والتعمية عليها. نرى ذلك في أغلب علاقات الصداقة داخل الرواية، وفي علاقة مخايل مع دميانة. يسألها مخايل باستهزاء عن سبب ارتدائها نظارة طبية، كأنها ليست في حاجة إليها إن كانت ستعمل كخادمة. أو في العلاقة بين نسمة ومينا، حين ترفض نسمة الارتباط بمينا لأنه مسيحي، لكنها في النهاية تتزوج فرنسيًا، «مسيحيًا طبعًا ولكنه فرنسي وهذا المهم»، بتعبير الرواية. 

تتميز الرواية بكل خصائص الملهاة المتعارف عليها، مع تحريفات جوهرية. والتحريف الأهم يتعلق بوعي الشخصيات. تظهر الشخصيات في الملهاة على درجة وعي أقل من الإنسان العادي، من أجل إثارة الضحك من جهلها. لكن شخصيات «ديوك وكتاكيت» مناقضة لهذه الركيزة. تثير الشخصيات الضحك من فرط وعيها بذواتها. والذي ربما يساعد صاحبه على الوصول إلى حل مشكلة ما، لكنه يلجأ إلى التواطؤ والخداع.

شخصيات الرواية في سعي دائم من أجل بناء حس أقوى بالهوية الفردية. ورغم محاولاتهم للتعرف على أنفسهم، فإن علاقات الصداقة والحب تفتقر إلى المعنى الحقيقي للتواصل والعطاء. تبدو علاقات الصداقة بين شخصيات الرواية كأنها علاقات إخضاع أو تبعية. ثمة تراتبية قائمة دومًا. كما نرى في علاقة الصداقة بين مخايل وديع و محمود حجازي، وبين بهاء وبطشو، أو بإصرار محمود حجازي وسيد الشربيني على إهانة محمد متولي كشرط لقبول صداقته مرة أخرى. علاقة الحب الوحيدة الناجحة في الرواية هي بين إنسان وروح متخيلة، بين دميانة وطيف عبد الغفار أبو وردة الذي صاغته بخيالها كيفما تريد. لا توجد شخصية قادرة على تجاوز حدود الأنا الخاصة بها.

 فالحب هو الخبرة التي من نبني من خلالها حقيقة جديدة حول الاختلاف، فإن نحب يعني «أن نجرب العالم من منظور الاختلاف» ونتعدى حدود النرجسية، وأن نقابل العالم و«نختبره بوعي آخر غير الوعي المنعزل»، كما يؤكد الفيلسوف الفرنسي آلان باديو في كتابه «في مدح الحب».

الأنانية والوعي المنعزل من العيوب الأساسية في شخصيات «ديوك وكتاكيت»، هما سمتان لا يمكن للحب أن يتحقق في وجودهما.  

تصف الرواية  حقيقة الحب في الكلمات التالية:

«ما يفعله الحب أنه يبلل أرواحنا، يدفعنا لإعادة اكتشاف الأغاني اللزقة والمشاهد الممحونة، نحب الخير والناس ونتحول لقديسين... نصير ملائكة ونحن ننط على بعض، نبحث عن خرومنا المختبئة وراء أجنحتنا».

يعمل التهكم على كشف التناقض بين الحب والرغبة الجنسية التي تأججت في دميانة، وكيف يخرج الداعر من المقدس. كما يكشف السرد المتهكم في فقرات أخرى عن تناقضات مفهوم الأمومة لديها. يصير التهكم مجاز المفارقة، أي أنه يكشف عن اللغة المجازية المضللة كما في غالبية العناوين الفرعية في الرواية.

يتنقل الراوي بين عوالم الشخصيات الداخلية، وهو راوٍ متطفل إلى حدٍ ما. ورغم صوته الساخر فإنه يحاول ألا يطغى وعيه على أصوات الشخصيات. وهو يعلق دون هيمنة على الأصوات، ويتهكم من خلال لغة تقوم في وقت واحد بوصف الحدث وتقليد أسلوب معين في الكلام والكتابة، أي يخلق نوعًا من المحاكاة التهكمية. كأن الأسلوب لا يتفق مع الموضوع.

 ما وراء الضحك

إذا كانت الملهاة وفق المعنى اللغوي هي «النشيد الماجن» 2، فإن نائل الطوخي لا يدخر جهدًا في تحقيق كافة الغايات الماجنة للهزل أو الضحك: الهدم والتعرية والهجاء الساخر والفحش والبذاءة. 

لكن ما الذي يقبع وراء الضحك؟

يصور الطوخي مواقف معينة محاولًا من خلالها النفاذ إلى أغوار لا وعي شخصياته. تظهر من خلال الأحلام والهواجس والتأملات. عند هذه النقطة تلتقي الكوميديا والتراجيديا. إنها المنطقة التي «يلتقي عندها الفاجع الرهيب بالسخيف العابث» 3. ومنطقة الالتقاء هذه هي المنطقة الأثيرة التي يشيد نائل الطوخي عليها عوالم رواياته.

بالعودة مرة أخرى إلى أمومة دميانة. رسمت الرواية علاقة فريدة بين دميانة ومينا قوامها العطاء والتواطؤ والصدق والنفعية. وهي أمتن علاقة إنسانية في الرواية رغم مخالفتها الرؤى المستقرة عن الأمومة. في المأساة، يكون الموقف الأوديبي بين الابن والأم هو المعنى الحقيقي. لكن الملهاة أو الكوميديا تقلب الوضع الأوديبي. وهذا ما نراه في «ديوك وكتاكيت». يلعب الابن دور الأب الظافر بالحرية الجنسية والمنجزات الواضحة بدلا من الهيام بالأم والعيش في ظل الخوف من الإخصاء. بل إنه يتفهم  تورط أمه في علاقة مع رجل متزوج. وتتدخل دميانة بدورها في العلاقات النسائية لابنها، وتستغل معلوماتها عن نساء أجنبيات تعرفهن من خدمتها في البيوت، كي تدله إلى التعرف عليهن.

 التداخلات والتمازج بين الأسلوبين، الكوميدي والتراجيدي، قديمة قدم الدراما. من يوريبيدس وسوفوكليس إلى شكسبير. وربما لا يمكن للكوميديا أوالتراجيديا أن توجد إحداهما منفصلة عن الأخرى، حد تصريح كاتب مسرحي مثل كريستوفر فراي بأنه يجد معينًا لا ينضب من الكوميديا في سفر أيوب، فالشخصيات دائمًا تتمثل الموت وهي تقبل على الحياة.

 إلا أن هذا التمازج في روايات نائل الطوخي يرتبط أكثر بالسمات الأسلوبية والخطابية لما بعد الحداثة. فهو مزج على عدة مستويات، متعدد الأشكال لا يقتصر فقط على التداخل «التراجيكوميدي». ويعتمد على «التناقض» و«الهدم»  بدلا من «التوليف» و«الانتقاء» بالمعنى الحداثي.

 أما السمة الأهم فهي «اللعب»، بوصفه غاية معارضة لمفهوم «القصد» في العمل الدرامي، المتمثل في «التطهير» أو النقد الاجتماعي الإيجابي. أو ما يسميه المفكر والناقد إيهاب حسن: «المرح الأسود»، نقلًا عن كتابه «منعطف ما بعد الحداثة».      

يتردد هذا المفهوم في كتابات إيهاب حسن بتنويعات مختلفة، منها: اللعب السوداوي، الهزل المظلم، وغيرها. لكن المرح الأسود تبدو التسمية الأقدر على التعبير عن أجواء «ديوك وكتاكيت». إضافة إلى أن نائل الطوخي نفسه يستخدمها في موضعين داخل الرواية من أجل وصف أفعال بعض شخصياته.

ينقلب المرح إلى كآبة، والكآبة نفسها نحدق فيها بعيون مرحة. يتحقق هذا الانقلاب في مشاهد مثل اعتداء بهاء وبطشو على مينا، جنازة سانوس، أو جلوس دميانة على الرصيف «متصاغرة لفرط الفقر والخزي ومصير الخادمة».

يوظف النص مجازات اللعب، فهو حر وخيالي وغامض متقلب غير متوقع. اللعب يخرق القواعد الأدبية المتعارف عليها، ويتجاوز الحدود بين الأنواع والأجناس، وينقض البحث الصارم عن الحقيقة. وهو بُعد أصيل في الوجود الإنساني كما يوضح الفيلسوف الألماني، هانز جورج غادامير.   

سانوس -بطشو سابقًا- من الشخصيات المعبرة عن مفهوم اللعب داخل الرواية. يصنع سانوس فيديوهات ذات خيال إباحي ماجن. اللعب عنده تمثيل ذاتي، يحول عبثه إلى أثر فني، وهو يلعب في كامل إنسانيته.

ويتحقق المرح الأسود عبر أساليب وأنماط مختلفة من التهكم، وكذلك عبر «الكرنفالية» بالمعنى الذي يقصده الناقد الروسي، ميخائيل باختين، إذ يوضح أن الكرنفال يُعد انتصارًا لنوع من «التحرر المؤقت على الحقيقة السائدة» وإلغاءً للعلاقات التراتبية والامتيازات والقواعد. فنرى مثلا انتصارًا مؤقتًا للفقراء مع نهاية الفصل الأول، وتحول جنازة سانوس إلى كرنفال لا فرق فيه بين فئات الناس المختلفة مع نهاية الفصل الثالث.

 الباروديا وأصداء الُفحش

تمزج لغة الرواية بين الفصحى والعامية، حيث لا تتوزع الأدوار بينهما بالشكل التقليدي، فلا تقتصر العامية على صياغة الجمل الحوارية فيما تكون الفصحى لغة الحكي. هناك عملية تهجين بين الفصحى والعامية، تمزجهما «ديوك وكتاكيت» مع حضور قوي للبذاءة بكل ما تحمله من طاقة احتجاجية. نقرأ مثلًا:

«هدأت بحار الزيف والزيطة والهبل والهمبكة التي اجتاحت البيت منذ وصول الأسرة». وتتساءل الرواية عن مينا «هل كان قديسًا للنهاية أم عرصًا للنهاية؟»، أو يسأل مخايل نفسه عن جدوى نظرات زوجته إلى عبد الغفار: «إذا كانت المسافة من عينها لعينه هي نفس المسافة من عينها لعبد الغفار، لَبونة مثلًا أم شرمطة أم حقارة ملهاش مثيل؟».

يرتبط «الفحش» بالاحتجاج كما يرتبط باللعب. يوضح إيهاب حسن أنه في ثقافة محكومة بالقمع الجنسي، «يأخذ الاحتجاج شكل الصدى الدائري للفحش». يستخدم حسن مصطلح «فحش الأدب» لرداءة سمعته وسط الأوساط الأدبية الرسمية. تتصدى العامية والتعابير البذيئة بسخرية مثيرة للكلام «الرسمي» و«الأدبي». يتبدى الفحش كلعبة تباديل بين الكلمات، لعبة محاكاة ساخرة بلا قواعد لغوية، كما يبين حسن في «منعطف ما بعد الحداثة».

تدحض الرواية وهم «اللغة الأدبية» كمُعطى قبلي. وتنقض أي تراتبية متوهمة بين العامية والفصحى. يلجأ الكاتب إلى نوع من اللغة المشتركة، فلا يفصل بين ألسنة ولهجات شخصياته وبين لغة الحكي والخطاب المباشر. اللغة تُنتج المعنى فعلًا وليست مجرد نسقًا لتثبيت المعاني التي تشكلت مستقلة عنها.

يمارس نائل الطوخي الباروديا على ألسنة شخصياته. لا تجد الحقيقة صداها سوى داخل الكشف المتزايد للكذب عن طريق الباروديا. فلا يعبر عنها في قصدية مباشرة، وإنما يُعاد لها الاعتبار بواسطة «اختزال الكذب إلى حد العبث». كأن الباروديا تمكننا من رؤية ما وراء كلام الشخصيات.

يوضح باختين أن أسلوب الرواية الهزلية يدحض جدية الأفكار والمنظورات الاجتماعية والإيديولوجية التي تنتجها الشخصيات المتكلمة. الجدة الحقيقية تتمثل في هدم كل ما هو زائف سواء كان مؤثرًا أو عاطفيًا، تحقيقًا للنقد الجذري.

لكن الطوخي يستوعب استدراكًا مهمًا يورده باختين بعد ذلك، أن العاطفي والمؤثر لا يمكن تجاوزهما تمامًا. لذلك نتأثر مثلًا برحيل عبد الغفار أبو وردة واغتيال سانوس، ونقدر الصداقة بين حجازي والشربيني رغم التواطؤ والنفاق. ونصدق يقين مينا حين يقول إنه يتذكر لحظة ميلاده، لحظة خروجه من ظلام رحم الأم إلى نور العالم.   

 بوب كالتشر أو الابتهال إلى الكارثة

يوظف نائل الطوخي الثقافة الشعبية (أو البوب كالتشر) داخل رواياته. الإحالات إلى الأعمال والشخصيات الفنية سمة مميزة داخل السرد. 4

تتنوع الإحالات من رواية إلى أخرى. في «نساء الكرنتينا» هناك تناص مع المسلسلات الدرامية التي تناولت مدينة الإسكندرية مثل «الراية البيضا»، إضافة إلى بعض الأفلام المصرية القديمة مثل «رد قلبي». كولاج من الحكي والدراما الشعبية ورواية الأجيال والتأريخ المضاد. ومن السمات الأسلوبية لما بعد الحداثة محوها التمييز القديم بين الثقافة العليا والثقافة الجماهيرية أو الشعبية.

تعيد «نساء الكرنتينا» كتابة الثقافة الشعبية التي تمثل معرفة مشتركة بين القراء، وإعادة الكتابة في جوهرها هي إعادة كتابة للذاكرة ومُساءلة التاريخ وتفكيك الصور النمطية للمدينة.

أما في «ديوك وكتاكيت»، تتنوع الإحالات بين أفلام مارفل عن الأبطال الخارقين، وأشعار أحمد فؤاد نجم وبعض الأغاني والأفلام المصرية الرائجة، مع الإشارة إلى بعض الروايات الأكثر مبيعًا (أو البيست سيلر)، منها المكتوب في الواقع بالفعل مثل رواية «هيبتا»، ومنها ما يتخيله السرد ويقدم حبكات وهمية له.

لا يشتبك السرد مع تلك الأعمال بالتعليق النقدي أو الجمالي عليها، ولا يوظفها من أجل خلق الإحساس بالنوستالجيا أو بالزمن الزائل، وإنما هي جزء من «ثقافة الفترة»، وتناولها يقربنا من «بنية الشعور» للأفراد والمجتمع، كما يعبر الناقد البريطاني، ريموند ويليامز، في عمله الرائد «الثقافة والمجتمع».

تتناول الرواية واحدة من أهم الأفكار الرائجة في ثقافة عالم الشباب، وهي فكرة نهاية العالم. اشتركت شلة الشباب، مينا وبطشو وبهاء، في «عبادة الديستوبيا»، حيث يتخيلون النيزك الذي سيدمر العالم إلهاً يُعبد. تتحدث الرواية عن الديستوبيا بوصفها «الجنس الأدبي البازغ الآن في الأدب المصري»، روايات يكتبها أدباء شباب تظهر فيها ملامح مستقبلية مظلمة.

يتضافر الشغف بـ«الأبوكاليبس» مع عبادة الديستوبيا. وترجح الرواية أن هذا الشغف بالقيامة منشأه/مبعثه رواج أفلام مارفل أو هزيمة الثورة. يشجع بهاء بطشو على كتابة رواية «أبوكاليبس ديستوبية» تنهار فيها الأهرامات نهارًا وتأكل الناس الجثث ليلًا.

لكن فكرة النهاية لا ترتبط فقط بثقافة الفترة والبنية الشعورية لأفرادها من الشباب، وإنما هي ذات علاقة وثيقة بشيوع فكرة النهايات في فلسفات القرن العشرين، عند فلاسفة ومفكرين مثل هايدجر وبارت وفوكوياما.

حين يتساءل بهاء، وهو يتابع المظاهرات وتصريحات الساسة، عن سبب تأخر النيزك الذي سيبيدنا جميعًا، يرد عليه مينا: «لا تستعجل الرب إلهك». هذا الرد يشبه مقول إيهاب حسن عن الإحساس بالنهايات: «الابتهال بكوارثنا شائع جدًا». يتساءل حسن عن نهاية كوكب الأرض والتي قد تكون كارثية، أو تمثل بداية حقيقية نتجاوز من خلالها الإرهاب والاستبداد والفقر. لكن عدوى عبادة النيزك تنتشر بين الأجيال في «ديوك وكتاكيت»، حيث «الخلاص الجمعي قد تُرجم إلى حلم نهاية العالم» كما تقول الرواية. لا أحد يريد بداية جديدة، الكل في انتظار النهاية، وربما في انتظار ما لا يجيء.

 رواية الأفكار والخراء

قد توحي «ديوك وكتاكيت» بأنها «رواية أفكار» بما أنها تدور في عوالم المثقفين. يوضح الناقد البريطاني، ديفيد لودج، أنه في هذا النوع من الروايات تكون «الأفكار هي مصدر حيوية العمل وهي التي تؤصل وتشكل وتدفع الزخم القصصي، بدلًا مثلًا من العواطف أو العلاقات الشخصية أو تحولات المصائر الإنسانية».

ينطبق تعريف رواية الأفكار على «ديوك وكتاكيت» حيث الشخصيات الروائية كافة مسكونة بأفكار وهواجس حول الذات والعالم. في الرواية محاورات وسجالات، وتأملات من الشخصيات الروائية في عدد من الثنائيات: الثورة والإصلاح من الداخل، اليوتوبيا والديستوبيا، اليسار والإسلاميين، الإنسان والآلة. إلا أن الرواية تعتبر كذلك نوعًا مضادًا من روايات الأفكار. فالرواية تهتم في المقام الأول بالخطوط الحكائية المختلفة وتحولات المصائر، وتخصص للأنشطة البشرية الفسيولوجية مثل الأكل والشرب والتبرز والتعرق نصيبًا وافيًا من السرد. وتقدم غالبية النقاشات في حس تهكمي ساخر.  

إنها تستثمر الإمكانات الروائية في الكشف عن «ما لا يمكن لغير الرواية اكتشافه»، بتعبير الروائي التشيكي، ميلان كونديرا. يصبح «نداء الفكر»، وفق رؤية كونديرا كما صاغها في كتابه «فن الرواية»، هو قدرة الحبكة والبناء الروائي على «استنفار جميع الوسائل العقلية والتأملية القادرة على إضاءة كينونة الإنسان». الفلسفة داخل العمل الروائي لا تقوم على توضيح أفكار بعينها أو إثبات صحة بعض المقولات والتأكيدات الفلسفية، وإنما تكون الأفكار تلاعبًا بالمفارقات أو محض ارتجالات.

حين ينتقل نائل الطوخي من كتابة مقالاته التي يتأمل فيها اللغة والثورة والدين إلى داخل حدود الرواية، فإنه يصبح «لاعبًا» لا يسعى إلى تأكيد أفكار محددة. ويصير كل شيء داخل الرواية في حالة لعب. يسلط الطوخي الضوء الهزلي على شخصياته وهي تتفرج على نفسها في مرايا الكذب، مثلما هي الحال بين غالبية الأصدقاء في الرواية، وهي تحوّل بلاهة الأفكار إلى لغة الجمال.

لكن هناك ثيمة فكرية يستمر الطوخي في توظيفها داخل رواياته، ألا وهي «الكيتش». أو بالأدق، يواجه الطوخي تأثير الكيتش على مواضيع رواياته وشخصياته عبر استباقه. وكما تستبق الرواية الشارحة النقد باستيعاب المنظور النقدي داخلها، تواجه روايات نائل الطوخي الكيتش (أي الحس الفني الزائف المبتذل، والمبالغات الموجهة للإثارة العاطفية) باحتضانه، بإنتاجه عن وعي وقصد.

يصف الفيلسوف والكاتب الإنجليزي روجر سكروتون في مقاله «سطوة الكيتش التي تتحدى الزمن» هذا الأسلوب بـ «الكيتش الاستباقي»، حيث «تضع الكيتش الفعلي بين قوسين» فيتحول إلى نوع من «المحاكاة الساخرة العميقة والمركبة». تتناول الرواية مفهوم الأداء الفني القائم على استباق الكيتش من خلال شخصية محمد متولي وفن المحاكاة بالعود، لكنه يفشل في التأثير على جمهوره خلال وباء الكورونا.

أما سانوس، فيُعتبر فنان إعادة التدوير والكيتش الاستباقي بامتياز، إذ ينتج موسيقاه من موسيقى الآخرين، ويحول ولعه الذاتي بقضيبه إلى أداء فني.

يصف كونديرا الكيتش بأنه «نفي مطلق للبراز»، واستبعاد للـ«نفايات»، بمعنى أنه بحث عن صورة نقية وزائفة عن العالم، تستبعد كل ما هو غير مثالي، وكل ما يُذكر الإنسان بحقيقته البيولوجية الزائلة. أي أن الكيتش في جوهره هو خوف من مواجهة الغرابة والقبح والتناقضات داخل الوجود الإنساني.

وفق هذا المنطلق، لا يستبق نائل الطوخي الكيتش فقط، وإنما يقوّضه بإدراج ما ينفيه الكيتش ذاته. نرى في أحد المشاهد الأصدقاء الثلاثة، بهاء ومينا وبطشو، وهم يبحثون عن قطعة حشيش وسط مقلب زبالة، «في قلب العفن»، بينما يستخدم السرد تعبيرات مثل «الذوق السنتمنتالي في الوجود»، و«ابتسامة عرفان صوفي» لوصف الحالة الحوارية والمزاجية بينهم. كذلك ينصح مخايل دميانة بشأن أحد الأمور الحياتية في ثقة شديدة، بسبب السكينة التي غمرته بعدما تخلص من غازات بطنه في الحمام.

تواجه الشخصيات هواجسها وأفكارها عن العالم، وفي الوقت نفسه، يدفعها الراوي من خلال السرد إلى مواجهة من نوع آخر، مواجهة قبح حقيقتنا البيولوجية، وكل ما هو فج وجسدي ومنفر في الوجود الإنساني. 

 عدمية أم إنسانية؟

يحصر الفيلسوف الإيطالي، جياني فاتيمو، ظاهرة ما بعد الحداثة على المستوى الفكري في خمسة مبادئ هي: نهاية الفن وأفوله، وموت النزعة الإنسانية، والعدمية، ونهاية التاريخ، وتجاوز الميتافيزيقا. وهي كلها تنويع على فكرة النهايات 5.  

هل تتبنى «ديوك وكتاكيت» هذه المبادئ والأطر المعرفية ؟ أي هل ينحاز الخطاب الروائي إلى ما بعد الحداثة بوصفها منطقًا للرأسمالية المتأخرة، منطقًا مناوئًا لمقولات التغيير وإمكانية خلق واقع جديد؟ 6

 يمكن القول إن المعرفة التي نكتسبها من خلال العمل الفني ليست معرفة مفاهيمية كما في الفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية، وإنما هي اختبار لشكل أو أسلوب في معرفة شيء ما بدلا من الحكم الأخلاقي عليه أو التعامل معه بيقينية.

في روايات نائل الطوخي رفض للشمولية واليقين المعرفي المطلق والحتمية، ومناهضة لكل أشكال السلطة سواء في السياسة أو في الخطاب أو في الفن. وهي أسس مشتركة في رواياته وفي تيارات ما بعد الحداثة أيضًا. لكن هذا الموقف الهدام لا يعني العدمية والإيمان بموت الإنسان وانعدام قدرته على الفعل. ولا يعني أيضًا محاولة الفصل بين محتوى العمل الروائي وشكله.

تقول الكاتبة الأمريكية، سوزان سونتاج، إن العمل الفني هو شيء موجود في العالم لا مجرد نص أو تعليق حول العالم. ربما يكشف الهزلي في «ديوك وكتاكيت» عن افتقار كل شيء إلى المعنى، إلا أن الرواية نفسها تصنع عالمها، ولا تكتفي بالتعليق على عالمنا الواقعي. ومن خلال تشابهات وتناقضات العالمين، يُخلق المعنى من الجدل بينهما. ويكتسب الأدب وزنًا من جديد وهو يغامر بالخفة.

لا أبالغ حين أقول إن «ديوك وكتاكيت» رواية ذات نزعة إنسانية، أي أنها تضع التجربة الإنسانية في القلب منها، تدرك أن الحياة جميلة رغم كل الشغف بالنهاية، وتؤمن بإمكانات الإنسان في تحقيق الذات من خلال التجربة.

 لكنها تخبرنا في الوقت نفسه عن تفاهة أحلامنا، وعن رغبتنا المستمرة في ترجمة حماقات أفكارنا إلى حقائق وجودية.

وحتى أحلامنا عن اليوتوبيا، إن تحققت، ستكون يوتوبيا مثل «مستنقع آسن يطن فوقه الهاموش»، كما يقول مخايل وديع الذي مات وهو يطارد كيس قمامة أسود.

لكن، كيف نصدق رجلًا كان يستمد طاقته من «طغيان الكراهية في قلبه على ما عداها»؟    

هوامش:

 1- رامان سلدن، النظرية الأدبية المعاصرة، ترجمة جابر عصفور، الهيئة العامة لقصور الثقافة، الطبعة الثانية، 1996.

 2 – مولوين ميرشنت وكليفورد ليتش، الكوميديا والتراجيديا، ترجمة علي أحمد محمود، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1980.

 3 -  Martin Grotjahn، Beyond Laughter: Humor and the Subconscious،  Blakiston Division، 1957.

 4- يثير مصطلح مثل «الثقافة الشعبية» جدلًا حول المقصود منه. فهو لا يعني تمييزًا بين ثقافة من الدرجة الثانية وأخرى رفيعة، أو ثقافة طبقات دُنيا. كذلك فإنه لا يشير إلى مفهوم «الثقافة الجماهيرية»، لا بالمعنى التجاري، أو بما يحمله من دلالات التوجيه والبروباجندا في الحقبة الناصرية داخل السياق المصري.

 5- انظر مقدمة الباحث بدرالدين مصطفى لترجمة مقال إيهاب حسن الشهير «سؤال ما بعد الحداثة»، موقع مؤمنون بلا حدود، قسم الفلسفة والعلوم الإنسانية.   

 6- انظر مقال الناقد الأمريكي فريدريك جيمسون «مابعد الحداثة: المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة»، ترجمة أحمد حسان.  

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن