تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«ديالكتيك الفن».. الفن البصري من منظور ماركسي

«ديالكتيك الفن».. الفن البصري من منظور ماركسي

عرض لكتاب جون مولينو، ترجمة أشرف عمر

كتابة: كمال مغيث 8 دقيقة قراءة
ياسر علوان - Boy from the Tannery - 2008 - من كتاب جون مولينو «ديالكتيك الفن»

كلمة «ديالكتيك» اليونانية تعنى الجدل أو الحوار، وفي العصر الحديث، أصبحت تشير إلى منهج فى التفكير يسعى إلى فهم الظواهر فى علاقاتها المتشابكة وتفاعلاتها مع الطبيعة والزمن والإنسان. من هنا يأتي كتاب «ديالكتيك الفن» لجون مولينو، الذى يسعى لتطبيق المنهج الماركسى في قراءة تاريخ الفن والمدارس الفنية المختلفة. ترى الفلسفة الماركسية أن الأعمال الفنية تصبح أعمالًا عظيمة بالقدر أو بالدرجة التى تقدم بها تعبيرًا قويًا وثاقبًا عن العلاقات الاجتماعية وبالأخص تلك العلاقات الجديدة والمتغيرة. 

الكتاب الصادر في 2020 قد يهم قارئ الفن المتخصص والمثقف العام على السواء. ترجمه من الانجليزية أشرف عمر ونشرته دار «ليون» الناشئة هذا العام. عمر هو كاتب ومترجم ورسام وموسيقي، والكتاب يعد من أول ترجماته في مجال الفن، حيث ترجم مسبقًا السيرة الذاتية لليون تروتسكي، وكتاب آخر لمولينو نفسه «لينين في القرن الحادي والعشرين». عند ظهور ترجمة «ديالكتيك الفن»، كان عمر أتم أكثر من عام في الحبس الاحتياطي، سجينًا سياسيًا. 

 يطرح المؤلف، وهو كاتب وأكاديمي اشتراكي، سؤال ما هو الفن؟ الفن هو ما يفعله الفنانون أو ما يقولون إنه فنًا، لكن أيضًا كل ما يفعله الإنسان يعد فنًا، فهو ليس فقط الرواية والمسرحية والشعر والموسيقى والخزف والرقص، ولكنه أيضًا الطهو والملاكمة وغيرها. ولأن كلمة art  أخذت من كلمة «آرس» أو «آرتيس» اليونانية التي تعني المهارة، فالفن يعنى المهارة اللازمة لصنع سفينة أو بناء منزل أو عمل إناء أو قياس مساحة أو مخاطبة جمهور. يعود مولينو في النهاية ليؤكد أن الفن هو ذلك المنتج البشرى الذى يتفاعل فيه الفنان مع العالم حوله ومفردات الطبيعة، فيسعى، وفق إرادته الحرة ورؤيته الخاصة وباستخدام أدواته، ليجسد معنى ما ذو مضمون فكري أو عاطفي. 

ويشير مولينو إلى ضغوطات الرأسمالية على الفن الحر، وتحكمها في عملهم الإبداعي، وتهديدها لاستقلال الفنانين، وذلك بعصا الفقر والانعزال والتهميش وجزرة المال والتقدير والشهرة المشروطة. ومن هنا، فإن على الاشتراكيين أن يدركوا التناقض بين الرأسمالية والفن وأن يدعموا الفن والفنانين ضد النظام الطبقي. يرى الكاتب أنه يمكن للاشتراكية أن تقضى على كل ما تسعى إليه الرأسمالية من الفصل بين العمل الذهني والبدني، وبين الفنان والجماهير، وبين الزعم بوجود فن رفيع وآخر وضيع. يتخيل أن الاشتراكية ستحول العمل نشاطًا خلاقًا ليصبح كل المنتجين، بمعنى ما، فنانين.

يشير الكاتب إلى المنافسة بين ليوناردو دافنشي ومايكل أنجلو، وهما عبقريان متعاصرين عاشا معًا ربع القرن الأخير من القرن الخامس عشر وربع القرن الأول من القرن السادس عشر. بالنسبة للكاتب، يتفوق دافنشى على أنجلو بفضل موسوعيته وتنبؤاته حول المخترعات التى تحقق منها الكثير، ومع هذا يقر بالإبهار والشموخ والعبقرية التي تميزت بها أعمال مايكل انجلو، تلك العبقرية التي يرجعها بعض الدارسين إلى الوحي الإلهي. يقول جورجيو فازارى مثلًا، وهو أحد دارسي مايكل انجلو، «إن العناية الالهية قد قررت من أجل تخليص الإنسان من زلاته أن يبعث للأرض عبقريًا شاملًا في كل فن يًظهر بمفرده كمال الخط والظل ويمنح الارتياح برسومه والحكم السليم بنحته وبهندسته المعمارية». ولكن، الحقيقة، كما يرى المؤلف، أن رسوم مايكل انجلو وتصميماته النحتية ما هي إلا محاكاة لأجمل الأشياء في الطبيعة، والتي تعتمد على اليد الماهرة لنقل كل شيء يمكن أن تراه العين، وهنا نعود للربط بين الفن والمهارة. إنه من شبه المستحيل أن يقف المرء أمام تمثال «ديفيد» أو «موسى»، التمثالان اللذان نحت كل منهما من كتلة رخام واحدة، ولا يشعر برهبة عميقة من المهارة التقنية المذهلة فيهما. ينتهي الكاتب في رؤيته أعمال مايكل أنجلو إلى أن المراحل المبكرة للرأسمالية عند ميلادها عاشتها جماهير عريضة باعتبارها فترات من التوسع الهائل في حرية البشر والتحرر الكبير في شخصية الإنسان، وهو ما يبدو بجلاء وقوة وجمال في أعمال مايكل انجلو أكثر من أي أعمال أخرى في التاريخ الأوروبي.

«ما هو الفن» سؤال يحدده عملية الحكم على الفن. يقول مولينو إن الحكم على الفن تغيرت مؤسساته وأدواته عبر الزمن. اليوم، نستطيع أن نحدد الأطراف التي تشكل الأحكام الجمالية في النقاد الأكاديميين والنقاد للصحفيين والمؤرخين ومديري المتاحف والمعارض والتجار وجامعي الأعمال الفنية والأشخاص العاديين المنخرطين في الحركة الفنية وأخيرًا الفنانين أنفسهم، مع الوضع في الاعتبار أن الوزن النسبي لهؤلاء يختلف من مجتمع لآخر. تختلف تعبيرات الحكم على الفن بين الاستحسان أو الاستهجان في كلمات وصفية مثل: مذهل وبارع وبديع وجميل وحساس وأصيل وآخاذ ورائد ومثير للاهتمام، في مقابل أوصاف مثل مبتذل وركيك وقبيح وضعيف ومقلد وممل. غالبًا ما تدور تلك الصفات حول مجموعة من المعايير منها «المحاكاة»، مع اختلاف مفهوم تلك المحاكاة تبعًا لاختلاف الزمن، وما إذا كانت تلك المحاكاة تنصب على الشكل الخارجي أو على الجوهر. 

من خلال المحاكاة وتوجهاتها المختلفة، من التصوير المثالي، إلى الواقعي، إلى الاستشرافي، يمكننا رصد الحركة السياسية في الفن. في الندوة التي أقيمت لمناقشة الكتاب بنقابة الصحفيين في يوليو الماضي، تحدث الكاتب أنور مغيث عن اختلاف معنى المحاكاة تبعًا لاختلاف معناها عند الرسام. فإن أحد نقاد بابلو بيكاسو انتقد في لوحة له شكل حبات القمح والتي تختلف عن شكلها في الواقع، فرسم بيكاسو حبات قمح شديدة الدقة والمحاكاة للواقع، فهجمت بعض الديكة عليها، ولما أعجب الناقد بدقة وطبيعية حبات القمح، قال بيكاسو: ولكنني يا سيدي لا أرسم لوحاتي للديكة. 

غير اختراع التصوير الفوتوغرافي في منتصف القرن التاسع عشر مفهوم المحاكاة، محدثًا التأثير الأكبر على المدرسة الانطباعية أو التأثيرية. جعل التصوير الفوتوغرافي مفهوم المحاكاة ينتقل من الشكل واللون إلى المفارقة بين الظل والضوء. كذلك، حول التصوير الفوتوغرافي معايير الحكم على الفن والمتمثلة في الأخلاق والفضيلة والسياسة، فقد كانت الفضيلة الأخلاقية والاستقامة السياسية معيارًا للتقييم الجمالي في الفن المسيحي السابق على عصر النهضة. كان يفترض أن الغرض من الفن هو «تمجيد الرب»، فكان أحد الوظائف الرئيسية للرسم هو شرح قصص الإنجيل من أجل تثقيف العامة أخلاقيًا ودينيًا. 

مع مطلع عصر التنوير، أصبح الفن ذا طابع علماني. هاجم اليمين المتطرف الفن الحديث باعتباره شيوعيًا وغير أخلاقيًا، كما ابتكر النازيون مصطلح «الفن المنحط» لمهاجمة الاتجاهات التقدمية فى الفن. كما يعد النقد النسوي لتراث التعري الأنثوي في الفن الأوروبي نقدًا أخلاقيًا وسياسيًا في نفس الوقت. تأتي القوة العاطفية كأحد عناصر الحكم على الفن. ولكن، مع نمو الرأسمالية وتسارع وتيرة التغيرات الاجتماعية والثقافية، أصبح الإبداع من أبرز معايير الحكم على الفن، كما تكثف التركيز على الأصالة، فقد أصبح السعي إلى الأصالة والإبداع يتخلل ثقافة الفن الحديث بالنسبة للفنانين والنقاد وتجار وجامعي الأعمال الفنية على حد سواء. 

يتوقف المؤلف عند لحظات تلاقي الثورة مع الفن. رمبرانت الذى عاش فى القرن السابع عشر أحد طلائع الفن الحديث وأن لوحاته واسلوبه يعد بمثابة ثورة في مجال الفن، إلى الحد الذي يعتبر فيه أن اللغة قد تعجز عن التعبير عن البلاغة التي تميز أعماله. يقول المؤلف إن لوحاته تتحدث إلينا نفسيًا وعاطفيًا بصورة مباشرة، فان التحديق في لوحاته ونقوشه ورسوماته ستخبرنا بأكثر بكثير من أي  كلمات، فإن فن رامبرانت يعد فنًا ثوريًا من حيث طريقة الرسم والرؤية التي قلبت المفاهيم والمعايير السابقة، وكون فنه نتاجًا لثورة اجتماعية وسياسية في هولندا بالنصف الثاني من القرن السادس عشر، قدم من خلال التعبير القوي للكثير من سمات تلك الثورة، وكون فنه نتاجًا للموقف النقدي الراديكالي لما أسفرت عنه الثورة من مجتمع رأسمالي ناهض. شرف عم

وبعد دراسته لعشرات من لوحات رامبرانت يقول الكاتب: لم يكن بإمكان رامبرانت أن يتبنى موقفًا سياسيًا متماسكًا مناهضًا للرأسمالية، لكنه تمكن من التمرد بطريقة عفوية على العلاقات الاجتماعية تحت وطأة الراسمالية، وعلى عكس الكثير من المتمردين العفويين والفطريين، كانت لديه وسيلة للتعبير بأدواته وبفنه الثري والمختلف.

يتوقف المؤلف أيضًا طويلًا أمام لوحة «آنسات أفينيون» لبيكاسو التي أتمها سنة 1907 ليقول: إنها تستحق انتباهًا خاصًا، فإلى جانب مكانتها كواحدة من اللوحات الرائعة في القرن العشرين، هناك أيضًا أهميتها الهائلة كنقطة تحول في تاريخ الفن وبالطبع في التاريخ الثقافي الأوسع. يعتبر المؤلف أن «آنسات أفينيون» تعتبر البداية الحقيقية للفن الحديث، والذي يعمد تشويه المظاهر المادية أو يتخلى عنها تمامًا، كما في الفن التجريدي والسريالي، مما يختلف عن الفن الواقعي ما قبل بيكاسو، فقد رسم بيكاسو هذه اللوحة كأيقونة مدنسة مزقت النساء إلى أشلاء وما من عمل آخر يكشف حجر الأساس للتحيز المعادي للإنسانية أو يتمادى في تبرير هيمنة الرجل على المراة والاحتفاء بهذه الهيمنة أكثر من هذه اللوحة. 

يذهب الكاتب إلى اللحظة المعاصرة ويتناول أعمال الرسامة الانجليزية تريسى إمين، والتي عبرت بجرأة عن حياتها الفوضوية الجنسية من خلال العديد من أعمالها كـ«خيمة العشاق» و«السرير». يقول الكاتب إن إمين لا تقدم نفسها باعتبارها فنانة نسوية، لكنها تهتم بتناول التحيز الجنسي الفج والشائع بين فئات معينة من البشر. هناك شعور بأن مجمل شخصيتها وممارستها الفنية تتحدى المعايير الاجتماعية المزدوجة المتعلقة بالجنس.

كذلك يأتي الكاتب إلى مصر، عارضًا أعمال المصور العراقي المعاصر، ياسر علوان، الذي ولد في أمريكا واستقر في القاهرة منذ سنة 1994 حتى وفاته عام 2022. تعبر صور علوان، وخاصة صور العاملين والكادحين، عن مساواتية إنسانية عميقة، قلما تظهر فى التاريخ الطويل للفن عموما وللتصوير الفوتوغرافي في تاريخه القصير نسبيًا.

يؤكد الكاتب أن عمله ليس عمل تأريخي ولكن محاولة لقراءة تاريخ الفن من منظور ماركسي. 

ياسر علوان - Boy from the Tannery - 2008 - من كتاب جون مولينو «ديالكتيك الفن»

يرى الكاتب أنه يمكن للاشتراكية أن تقضى على كل ما تسعى إليه الرأسمالية من الفصل بين العمل الذهني والبدني، وبين الفنان والجماهير، وبين الزعم بوجود فن رفيع وآخر وضيع. يتخيل أن الاشتراكية ستحول العمل إلى نشاط خلاق ليصبح كل المنتجين، بمعنى ما، فنانين.

مايكل أنجلو - The Creation of Adam - 1508-12 - من كتاب جون مولينو «ديالكتيك الفن».

يتوقف المؤلف عند لحظات تلاقي الثورة مع الفن. 

رمبارنت - The Jewish Bride - 1665 - من كتاب جون مولينو «ديالكتيك الفن»
بابلو بيكاسو - Les Demoiselles d'Avignon - 1907  - من كتاب جون مولينو «ديالكتيك الفن»
تريسي إيمن - My Bed - 1999 - من كتاب جون مولينو «ديالكتيك الفن»

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

#فن بصري

هكذا نتخيل المدينة في «بساريا»

رُحنا وشُفنا معرض «العقل كمدينة» الذي ينظمه جاليري بساريا للفنون، ويقدّم أعمال ستة فنانين اجتمعوا في برنامج إقامة الجاليري الفنية لستة أسابيع من إدارة القيّمة الفنية فريدة يوسف.  العقل كمدينة…

هاني المصطفى 2 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن