النظر إلى الوراء إلى النظر إلى الوراء حيث الفن المعاصر أو: لوكنج باك تو لوكنج باك
كُتِب هذا النص في الأصل كرسالة بالبريد الإلكتروني إلى الصديقين أحمد سمير وأحمد السروجي. وهذه النسخة تفترق عن أصل الرسالة في بعض المواضع على نحو طفيف لأغراض الوضوح.
الأحمدان العزيزان،
هذه خواطر حول الفن المعاصر في مصر من وحي ندوة الأمس التي وصفها عبده بالحزينة.
1
يخيل إلى أن الثقافة النشطة سياسيا هنا صارت على غرار حقل دراسات ما بعد الاستعمار الأكاديمي معنية بما هو فكري ولا إرادة لديها للذهاب أبعد من الانخراط الذهني والخطابي في واقعها، بما في ذلك واقعها المباشر، الداخلي. لكنها معنية الآن أيضًا فيما يبدو بسد الفراغ الذي خلفته الثورة وانسحابها هي من الانخراط بالواقع قبل الثورة وبعدها -إن لم يكن حتى في أثنائها- معنية، بعبارة أخرى، بتعويض نفسها عن تضييع وقتها مع الثورة من قبل ومن بعد: معنية بالبزنس.
2
في 1970 كان الفن المعاصر قد استنفد بالفعل أغراضه الثورية، إذا أخذنا بملاحظات حبيبة قلبي شولاميث فايرستون المنشورة في ذلك العام. أو كاد أن يستنفدها إذا اعتبرنا أن زخم 1968 لم يكن قد انقشع بعد؛ أي تلك السنوات التي اشتغلت على أفكار مبدعي المواقف في سياق ثوري كان البيان الشهير عن بؤس الوسط الطلابي يستشرفه بحس نقدي تشريحي عميق لصورة الطالب المتمرد؛ أي أن مبدعي المواقف -وبفضل 1968- ربما منحوا نفخة حياة في الفن المعاصر عبر الملصقات والمطبوعات و«المواقف» والاحتجاجات المبدعة. فيما يلي ما أوردته شولي في عملها الفذ، كتابها الفكري الوحيد (نُشِرت لها بعد عقدين ونيِّف نصوص مستوحاة من المصحات النفسية التي صارت تتردد عليها زمنًا طويلًا)، والذي تُرجم من حسن حظنا إلى العربية أخيرًا (صدرت الطبعة العربية في 2019، بعد 50 عامًا!) ويبدو أن المترجمة عزة حسون قامت بعمل جاد ورائع إذا حكمتُ من النظرة السريعة –قرأتْ سارة الطبعة العربية وقالت إنها ممتازة، لذا سأورد عقب الأصل ترجمة حسون طبق الأصل دون أي تصرف:
Is the current state of aesthetic culture all bleak? No, there have been some progressive developments in contemporary art. We have mentioned how the realistic tradition in painting died with the camera. This tradition had developed over centuries to a level of illusionism with the brush – examine a Bouguereau – that was the equal of, better than, the early photography, then considered only another graphic medium, like etching. The beginning of the new art of film and the realistic tradition of painting overlapped, peaked, in artists like Degas, who used a camera in his work. Then realistic art took a new course: either it became decadent, academic, divorced from any market and meaning, e.g., the nudes that linger on in art classes and second-rate galleries, or it was fractured into the expressionist or surrealist image, posing an alternate internal or fantastical reality. Meanwhile, however, the young art of film, based on a true synthesis of the aesthetic and technological modes (as Empiricism itself had been), carried on the vital realistic tradition. And just as with the marriage of the divided male and female principles, empirical science bore fruit; so did the medium of film. But, unlike other aesthetic media of the past, it broke down the very division between the artificial and the real, between culture and life itself, on which the aesthetic mode is based.
Other related developments: the exploration of artificial materials, e.g., plastics; the attempt to confront plastic culture itself (pop art); the breakdown of traditional categories of media (mixed media), and of the distinctions between art and reality itself (happenings, environments). But I find it difficult unreservedly to call these latter developments progressive: as yet they have produced largely puerile and meaningless works. The artist does not yet know what reality is, let alone how to affect it. Paper cups lined up on the street, pieces of paper thrown into an empty lot, no matter how many ponderous reviews they get in Art News, are a waste of time. If these clumsy attempts are at all hopeful, it is only in so far as they are signs of the breakdown of ‘fine’ art.
The merging of the aesthetic with the technological mode will gradually suffocate ‘pure’ high art altogether. The first breakdown of categories, the re-merging of art with a (technologized) reality, indicates that we are now in the transitional pre-revolutionary period, in which the three separate cultural streams, technology (‘applied science’), ‘pure research’, and ‘pure’ modern art, will melt together – along with the rigid sex categories they reflect. (The Dialectic of Sex: The Case for Feminist Revolution, Shulamith Firestone, Farrar, Straus and Giroux, 2003,, pp 169-170)
هل الحالة الراهنة التي تشهدها الثقافة الجمالية بهذه الحلكة؟ لا فالفن المعاصر يشهد تطورات. لقد ذكرت كيف أن المنهج الواقعي في الرسم مات مع ظهور الكاميرا. تطور هذا المنهج على مر قرون إلى مستوى أخذ يخدع الحواس بالريشة (راجعوا ما فعله بوغرو). وهذا يتساوى بل يتفوق على التصوير في مرحلته الأولى إلى أن تم اعتبار الفن وسيطاً تصويرياً كالنحت. تداخلت بداية فن الأفلام الجديّة مع المنهج الواقعي في الرسم ووصل التداخل إلى الذروة في أعمال فنانين من أمثال ديغاس الذي استخدم الكاميرا في عمله. بعد ذلك وصل الفن الواقعي إلى منعطف طرق؛ إما أن يكون فناً أكاديمياً منحلاً وعلى قطيعة مع السوق والمعنى كاستخدامه للموديلات العارية التي تقف طويلا في صفوف الرسم ومعارض الدرجة الثانية؛ أو أن يتمزق بين الصورة التعبيرية والسوريالية اللتين تفرضان واقعاً باطنياً أو خيالياً. في هذه الأثناء حمل الفن السينمائي الحديث، والذي يمزج بين المركب الجمالي الحقيقي والوضع التقني (كما كانت التجريبية) التقليد الواقعي الأساسي. وكما في زواج الذكر والأنثى ألقى العلم التجريبي ثمرة وكذلك فعل الوسيط السينمائي. ولكن على عكس وسائل الإعلام الجمالية في الماضي فقد كسر هذا الوسيط الانقسام بين ما هو صناعي وما هو حقيقي بين الثقافة والحياة وهذا كان جوهر الوضع الجمالي.
هناك تطورات أخرى وثيقة الصلة بهذا كاستكشاف المواد الصناعية على سبيل المثال، ومحاولة مقارعة الثقافة البلاستيكية (فن البوب وتحطيم التصنيفات الإعلامية التقليدية (وسائل الإعلام الدخيلة) والفروق بين الفن والواقع بحد ذاته الحوادث البيئة). ولكن أجد أن هذه التطورات الأخيرة أنتجت أعمالاً صبيانية وخالية من أيّة معانٍ. فالفنان لا يعرف ما هو الواقع فما بالكم بالتأثير عليه. إنّ الكؤوس الورقية التي وضعت على الرصيف وقطع الورق المرمية على أراض فارغة، وبغض النظر عن التقييمات المملة التي حصلت عليها هذه الحركات في مجلة الأخبار الفنية، ليست سوى مضيعة للوقت. إن كانت هذه المحاولات الخرقاء باعثة على الأمل فهو الأمل بانهيار الفنون «الجميلة».
سيخنق دمج الوضع الجمالي مع التكنولوجي الفن الراقي «المحض» تدريجيًا. يشير انهيار التصنيفات وإعادة دمج الفن مع الواقع «المقنن» إلى أننا الآن في مرحلة انتقالية ما قبل ثورية حيث ستذوب كل الاتجاهات الثقافية الثلاثة والمستقلة : التكنولوجيا «العلم التطبيقي» و«البحث المحض» والفن المعاصر «المحض» مع كل التصنيفات الجنسية المتكلسة التي تعكسها. (الدياليكتية الجنسية: دفاعًا عن الثورة النسوية، شولميت فايرستون، ترجمة عزة حسون، 2019، دار التكوين، صص: 257-258)
وفقا لكاتبة سيرتها الموجزة جدا والممتازة في الـ«نيويوركر»، بعد وفاتها المؤلمة، كانت شولي تحضر لشيء لا يمكن وصفه إلا بمشروع فن معاصر مثير للاهتمام البالغ، ويبدو، وفقا لقراءتي، أنه كان مرتبطًا ببعض مقترحاتها في نهاية الكتاب، وتحديدًا فيما يخص السيبرنطيقا، والتكنولوجيا بشكل عام. لم يخرج ذلك العمل إلى النور، ولا أعرف إن كانت ستصنفه بتجهيز فني أو معرض أو عمل أدائي أو غير ذلك، وهذا الأخير -وتحديدًا «الحوادث» بترجمة حسون- وثيق الصلة بإبداعية المواقف.
إذن ربما تكون سنوات 68 قد مدت عمر اللحظة التي رأت فيها شولي شيئًا كبيرًا ثم تقادم وشاخ بسرعة على نحو بعث فيها الملل والقرف. ولا نعلم الكثير عن لماذا حاولت بعد ذلك الانخراط فيه بنفسها ولماذا فشل المشروع.
3
في نَفَس واحد، ويا للهول، يحيِّي محمود خالد نضال الطلبة في الإيه يو سي واعتصامات جامعات الولايات المتحدة، ويؤكد أن لكل شيء قيمة تجارية وأن هذا لا بأس به، أن كل شيء سلعة. ونقطة. (لا يضيف مثلا عبارة «في ظل الرأسمالية»؛ تصالح تام مع الوضع القائم.) «نزع الوصمة» عن بيع وشراء الفن، بنبرة توحي بأن ذلك عمل من أعمال الثورة وليس -بأمانة- تسليمًا حزينًا ومنهزمًا بثقل الواقع. ولا يَعْدَمُ خالد تبريرًا من زملاء المنصة بصبغة يسارية: «labour» («العمل»، «الشغل»)، «wage» («الأجر»؛ كنت أنتظر كلمة أخرى أثيرة في قاموس الزملاء من العاملين الثقافيين: «precarity»؛ «الهشاشة»، أو «القلقلة» بترجمة أحمد حسان). وفقط تعدِّل له زميلة كلمة «تجارية» لتصبح «سوقية» (لأن كلمة «تجاري» تحمل نبرة انتقادية سلبية –ولأن الزميلة لا تفكر بالعربية فهي لن تدرك أن لكلمة «ماركت» بالعربية ظلال سلبية أتعس). من الغريب إلى أي حد يمكن أن تخلو من النقد الذاتي فعالية تصدِّر كلمة المراجعة أو النظر إلى الماضي/الوراء في عنوانها (إذا حاول المرء التفكير فيما قد تعنيه عبارة «لوكنج باك»)، بينما تحفل في المقابل بالرثاء للذات وتهنئتها في الآن نفسه. التمويل التمويل التمويل، ولا كلمة واحدة عن أي محاولات جدية لبدائل -لا يمكن وصفها بالاختراعات- كالتمويل الذاتي ونماذج اقتصادية استقلالية تحافظ للفنانين على كرم عيشهم، وتؤمِّنهم ببعضهم البعض وبجمهورهم، وتعفيهم في الوقت نفسه ذل السؤال والتنافس والتوجه إلى جمهور المجتمعات المسوَّرة والمشروعات العقارية الفاخرة في الخليج ومسؤولي مشتريات المقتنيات الفنية للجاليريات. لا ذكر ولو من بعيد -عندما تأتي سيرة الترقية الطبقية- لفناني الجرافيتي الذين أتلفوا أعمالهم بأنفسهم في برلين لكي لا يصبحوا جزءًا من تلك العملية البغيضة. كأن الترقية الطبقية تحدث هكذا بلا تواطؤ من المثقفين -الذين حولوا وسط البلد إلى فيتيش أثري نفيس- والفنانين -وفعاليات بارزة مثل «دي كاف».
4
المسألة يا أحمد ليست حب فن المعاصر من عدمه ووجودك في القاعة الخطأ كما ألمح إسماعيل في تعقيبه الساخر. أنا قيِّم سينمائي وأمر باستمرار، ولست وحدي، بحالة متناقضة من الولع بالسينما وما يمكنها أن تفعله وبكراهية السينيفيليا وأهل الثقافة السينمائية غواة السينما. الكراهية كلمة قوية، ربما أعني الغيظ منهم والكفر بهم. هناك شخصية مثيرة في رواية صموئيل شمعون الجميلة «عراقي في باريس»، عن مسلح في تنظيم الكتائب يحب غودار. لدينا هنا في مصر أناس يحبون داود عبد السيد ويؤيدون المذابح طالما أنها وطنية. المسألة هي أن الادعاءات الراديكالية الأساسية للفن المعاصر متآكلة ومضحكة مبكية. يصبح كل ذلك مدعاة للأسف عندما يذكر الواحد مثلا كيف بعث فيه القشعريرة عمل مثل «صمت الحملان» للراحلة أمل قناوي. تصحيح: مجرد القراءة عنه ومشاهدة صور لما دار خلاله (في شوارع وسط البلد الحزينة التي مشينا فيها ليلة أمس) هو ما بعث فيَّ القشعريرة. كان ذلك عشية الثورة. ماتت قناوي في السنة الثانية من سنوات الثورة التي توقف فيها الحملان -للحظة- عن الصمت.1
5
«وعلَّم آدم الأسماء كلها» صدق الله العظيم.
كل من يسمي نفسه فنانًا فهو فنان وكل ما يسميه الفنان فنًا هو فن -هكذا يقول محمود خالد بهزة كتفين ثورية. كان ذلك ثوريًا عندما قاله دوشا(مب) وهو يضع المبولة في المعرض. ربما يخرج الفن المعاصر من أزمته عندما يدرك أخيرًا أن ما هو ثوري مساء السبت قد يصبح رجعيًا بحلول صباح الخميس. أن الرأسمالية لا تترك وقتًا طويلًا قبل الانقضاض على ما هو ثوري وابتلاعه وتحويله إلى مسخ تطل فيه فقط على استحياء علامات العبقرية الإنسانية المبدعة. وعندئذ يكون على الثوري أن يغير قواعد اللعبة، لكيلا تظل المنظومة المحافظة تسبقه دائمًا بخطوة، ضامنة بهذا انتصارها الأبدي.
ليس الفن المعاصر بمعناه المباشر فقط هو المأزوم. كل ما تسميه «زاوية» فيلمًا يُعرض في «زاوية» وليس في بقية السينمات -«الأفلام اللي ما بتنزلش في السينما»2- فهو كذلك، حتى لو كان الفيلم نفسه معروضًا في شارع طلعت حرب أو سينمات أخرى بشارع عماد الدين. هكذا شهدنا المعجزة السينيفيلية التي قضت بأن يُعرض -أكثر من مرة، منذ مطلع هذا العام وحتى الوقت الجاري- فيلم «حب البنات» (مرمَّمًا!) في السنة التي تحتفل فيها زاوية بعشريِّتها. هكذا، دون أدنى جهد نقدي أو قيِّمي لانتشال فيلم غير فني وإكسابه مشروعية. لدى البعض أحقية تقرير أن تكون موزة حقيقية ملزوقة على الجدار عملًا فنيًا ثمنه رقم معين بالدولار. كن فيكون.
6
ما الفن؟ سؤال نجح الفن المعاصر في جعله متفجرًا على الدوام، بدلا من انتظار تجدد السؤال مع كل جيل أو حركة (على غرار «ما الأدب؟» و«ما السينما؟»). ولكن ما المعاصر؟ «الفن المعاصر» مصطلح غريب على نحو ليس بعيدًا جدًا عن تسميات «الحداثة» و«ما بعد الحداثة» وكلمة «جديد» التي تُلْحَق بأسماء نزعات وأيديولوجيات قديمة (أو حتى بكلمات أعم مثل «العصر الجديد» -أو العصرانية الجديدة- الذي أُنتجت باسمه ألوان موسيقية وسينمائية مميَّزة بين عقدي 1980 و1990). أهو معاصر لأنه مواكب باستمرار؟ أهذا ادعاء آخر أو مسوِّغ وجود آخر؟ ولأي شيء هو مواكب ومعاصر؟ وماذا فعل بالإنترنت منذ 2019–بل منذ 1993؟ أهو معاصر لعصر الإنتاج الرقمي؟ ما الذي يفعله الفن المعاصر حتى الآن في المكعب الأبيض، معبده -الذي استبدل به معبد العمل الفني «الأصلي» القديم السابق لعصر الإنتاج الميكانيكي والقيمة الممثَّلة بعرض الأفلام التي نسفت فكرة الأصل3؟ وطالما أننا لم نعد نتحدث عن الفن المعاصر وحده وإنما كل إنتاج الثقافة المعارضة: ما الذي فعله الأدباء الثوريون جدًا والسينمائيون الثوريون جدًا بالإنترنت؟ أرجو ألا تتضمن الإجابة الخاصة بالأخيرين كلمتي «ستريمنج» و«سكرينر»، فهذا ما فعلته الرأسمالية لا السينمائيون الثوريون جدًا، ونعم نعم، المصابون بالهشاشة والقلقلة جدًا والمحتاجون إلى أن نؤجرهم على عملهم الكادح إلخ إلخ.
7
لا يحتاج الفنانون المعاصرون حتى أن ينتظروا لتبتلع الرأسمالية والأبوية ثورية أعمالهم ونشاطهم. فهذه صارت تأتي في أغلب الأحيان مبتلَعة من الأساس. اطَّلعتُ بحيرة بالغة على مشروع للفنان الفلسطيني عيسى غريِّب يستعمل تقنية اللقطات المكتشفة أو المواد المصوَّرة المكتشفة (أو الصور الجاهزة مسبقًا، وفق تفضيل الباحث والفنان علاء عبد الحميد الذي أنجز بحثًا مهمًا وملهمًا بهذه الطريقة نفسها). في مرحلة أبكر من المشروع اشتغل غريِّب على ظاهرة وضع الفلسطينيين (ربما في غزة تحديدًا. وتحديدًا حتى نهاية عقد 1990) لصور عبد الناصر في صدر بيوتهم. هكذا، دون تدخل نقدي واحد من الفنان (على الأقل بحسب ما وصلني، إذْ لا يستطيع المرء الذهاب فورًا إلى معرض/تجهيز قرأ عنه أو شاهد تغطية ما له أو استمع إلى الفنان يشرح فكرته أو كونْسِپْتَه). لكنني شاهدت الڤيديو/الفيلم القصير وصعقت. يتتبع غريِّب صورة عبد الناصر في الأفلام والمسلسلات (فعل رائد ياسين الشيء نفسه مع صورة مبارك في شريطه الساخر سخرية خبيثة ناعمة الفيلم الجديد4 والعائد إلى 2008، العام نفسه الذي أنجزت فيه مها مأمون شريطها الأكثر خبثا ونعومة عن صورة الأهرامات في سياحة داخلية 2) لكن هذه الصور تصبح أشلاء يجمعها الشعب لتتحقق عودة أوزيريس. يمكن للمرء بأريحية أن يقول إن غريِّب يسخر ربما. ولكن عليه أيضا أن يتوجس ويفترض بدون قطرة من الراحة أنه (في الأغلب) لا يسخر على الإطلاق. عبد الناصر المسؤول الأول والأخير عن تسليم غزة إلى إسرائيل يصبح البطل العائد من الموت. الإله ست طبعا هو الاستعمار. مسرحية مدرسية قومية في رداء الفن المعاصر. مشروعية تعيسة لما يمكن تسميته على الأكثر وبكرم شديد شطارة تقنية إبهارية في جمع كل هذه التناسخات لصورة الزعيم. تصحيح: لا لم يخلُ عمل معرض غريِّب من التدخل، هو فقط تدخل غير نقدي بالمرة بل العكس تماما: ينتصر الفنان انتصارًا مزعومًا لأهل غزة بأن يبقي صور عبد الناصر على الجدران إلى الأبد (في المعرض) حيث لن ينتزعها منها أحد أو ينتزع الجدران نفسها!
فعلت تقنية المصوَّرات المجمَّعة (كما أفضل تسميتها) أشياء مدهشة في السينما العربية الفنية في تقاطعها مع الفن المعاصر-بل صنع بها فنان تجاري مثل حسين الإمام شيئًا مذهلًا بعد وفاته! ليست الأشياء التي في عمل غريِّب من هذا القبيل، لكن المشكلة الحقيقية هي السهولة التي تمر بها أعمال من هذا النوع ليس فقط دون ملاحظة أو نقد وإنما -وهو ما ليس من النادر- في أجواء احتفائية وادعاءات مناقضة لفحوى العمل. في الفن المعاصر، كل شيء جائز. وهذا لم يعد إلا مبدأ رجعيًا آخر لا علاقة له بحرية الفن أو التعبير وإنما بحرية الكسل الفكري والإبداعي الذي لا يستلهم -حتى وإن لم يدرك الفنان ذلك- إلا نموذج الرأسمالية المالية: الاقتصاد الوهمي القائم على استغلال ونهب الموارد الحقيقية والعمل المنتج الحقيقي.5
العمل الفني المعاصر خليط من العملة المشفرة والمشتقات المالية، ولأجازف وأقول إن الورقة المالية التي يستعملها الفن المعاصر هي «الإيماءة»6(الفارغة أو التي أصبحت فارغة أو مفرَّغة). لا شيء من ذلك سيقضي على النظام النقدي/المالي وإنما يسمح على الأكثر بهامش وهمي (لا تخيُّلي) حوله إن لم يكن يغذيه ويعيد إليه احترامه المفقود. (أرجو أن تتأملا معي هذه السخرية التي لا مصادفة فيها: «نقدي» و«اشتقاقي» كلمتان مشبَّعتان برائحتي الثقافة والأموال في آن معا، وتوحيان معا بالغش والتزوير!)7
8
في برنامج أفلام عرضه على الإنترنت معرض 421 في بلدان الخليج لأسبوعين مجانا (تقاضى صناع الأفلام ملاليم)، تتجاور ضمن ثيمة العمل اليدوي، أو للدقة ما سمي «أفلام التصميم»، أعمال جادة فنيًا ونقديًا، وأعمال لا يمكن تسميتها إلا بالإعلانات الترويجية الصريحة (مثل أنماط من الشمس، وكايروبوليتان). حاولتُ أن أُحسِن استغلال فرصة استكتابي لإنجاز مقال يقدم الأعمال للمشاهد في سياقها القيِّمي وأتدرب على كتابة لم أَأْلفها من قبل تحاول أن تنقد (لا تنتقد) بأن تصف وتحلل وتربط وتتأمل دون هجوم. تلا ذلك تعاون في برنامجين، ووصلت في النهاية إلى ما كان، ومن البداية، سقف زجاجي اسمه الرقابة، في شكل محاذير تنبثق كأحجار التنقل وسط بركة طفح مجاري من داخل المؤسسة الفنية في أبو ظبي -عبر المقاول السينمائي في دبي- لأكتشف تباعا الرغبات غير المكتوبة للمموِّل الإماراتي التقدمي الليبرالي المنفتح: كلمات مثل قطر والجزيرة مزعجة؛ تسمية البلدان العربية عموما أمر مزعج إلا إذا كان السياق لا يخص أمورًا شائكة؛ وأخيرًا، واسطة العقد، لا داعي لتوجيه نقد لأعمال أصدقائنا الفنية إلا في حدود الأدب الشديد إن لزم (لا يمكنك مثلا أن تقول ما يفيد بأن فيلم «ستموت في العشرين» هو فيلم قذر -أي دون أن تقول ذلك صراحة- وأن الإعجاب به والإكثار من عرضه هكذا دون أي تحفظ هو فضيحة- مهما اجتهدت في تبرير وشرح وصفك الضمني له بالقذارة ووصفك الضمني لتقديره «نقديا» وبرامجيًّا بالفاضح). هذا مجرد مثال يا أحمد ويا أحمد، انظرا حولكما وستجدان على رأس كل مؤسسة ثقافية عربية مستقلة تناصر الفلسطينيين وتبكي على الثورة وتحارب الدكتاتورية: سيسي صغير وأبو مازن أصغر، يرعى أو ترعى حرية تعبير استهلاكية، وكَوْلَنة اسمها المشاغبة السياسية. بأي حق يدعي من لا يطيقون نقدًا رفاقيًا لفنهم أنهم ضد الدكتاتورية الحاكمة؟!
9
وبخني ماجد نادر في لقاء مسجل نحو نهاية 2018 لأنني شكوت من غياب أي إستراتيجية ثورية جدية في أوساط السينما الفنية بعد الثورة، ضاربًا المثل بفيلم «ساعة الأفران»، وطرق إنتاجه وتوزيعه، وكانت خمسينية صدوره تحل (وأحياها -ويا لسخرية الأقدار -مهرجان كان، الذي لم يمثل عند صناع الفيلم والسينما الثالثة عموما إلا موضوعًا للنقد الضاري والرفض السياسي-الجمالي). استنكر ماجد انتظاري لشيء راديكالي من أناس بلا راديكالية. كان معه الحق كله. لكن كان من الأولى أن نناقش عند ذلك كيف تأتَّى أن تَحْدُث ثورة في هذه البلد دون أن تَحْدُث ثورة في فن فنانيه المؤيدين للثورة والمتأثرين بها، بناتها وأبنائها. أم أن هذا الفن لم يكن إلا على قدِّ هذه الثورة وهذه الثورة كانت على قدِّها؟
10
أنا مدين للفن المعاصر، ولا يأتي ضيقي منه إلا لاختباري الشخصي لخيره -ولا أعني فقط جوائزه من فرص سفر متفرقة ومساهمة موسمية في الدخل. بل وتحول بغضي لآي ويوي مؤخرًا إلى حب وأنا أتنفس الصعداء عندما كفر بالغرب الديمقراطي الحر أخيرًا بسبب غزة. معارض مثل «روزنامة 7»، و«الطيب والشرس والحذاء القرمزي»، وآخر معرض خريجين/ات بماس إسكندرية، أثارت تفكيري وحفزتني على النقاش. حضرت في مركز الصورة المعاصرة فعاليات بالغة القوة والأهمية والجودة. أثْرَت «كيف تـ» عالم النشر والكتابة، وهي مبادرة نشرية من رحم الفن المعاصر. حررتُ إصدارًا سينمائيًا استلهم من أحد مشروعات مدرار (استلهم بدوره تراث إخوان الصفا) كتابة «رسالة» لا «مانيفستو». تسرَّبت من عالم الفن المعاصر هنا طاقات وأنفاس كويرية في سياق اجتماعي هوموفوبي قاتل. (وامتناني هنا ليس خالصًا من التحفظ، فمن السهل أن يشعر الواحد في هذه البلد بالانتصار عندما تطل أدنى مشاغبة جنسية أو إزاء الدين أو الوطنية؛ ففي النهاية مصر مجتمع محافظ إلى حد أن الزواج فيه يُعتبر ثورة جنسية.) دخَلَ الفن المعاصر الأرشيف، في انعطافته الأرشيفية، فدخلْنا وأعدنا اكتشاف الماضي المحجوب، وأدخَلَ التعليمَ، في انعطافته التعليمية، فحصلنا على تعليم جديد.
بل ومن خلال طرقي لباب الفن المعاصر صرت فنانًا! الفن المعاصر كريم ورحب وحدوده سائلة ويمكن للواحد أن ينتمي إليه حتى لو لم يكن يرى في نفسه أكثر من كاتب ومترجم. منحني الفن المعاصر ورش كتابة وإقامات كُتَّاب -هي كذلك أيضا حتى لو وُصفت بأنها قيِّمية في الأساس- ومارستُ من خلالها البحث في مشروعات «قيد التطوير» (هذه العبارة اللطيفة التي أكرمنا بها الفن المعاصر، واختبأنا فيها هروبًا -حميدًا في معظم الأحوال- من جلد الذات والشعور بالتقصير). نشرت لي مطبوعات الفن المعاصر نصوصًا عبرت فيها عن نفسي في سياق أغناها غنى متمايزًا عما توفره منصات النشر التقليدية. عرَّفتني إحدى منح الفن المعاصر في داكار على عيسى سامب، المعروف أيضا بجو واكام، قبل وفاته بشهور، وهو لقاء مهم جدًا في حياتي بهذا الفنان والإنسان غير العادي، الآتي من زمن وتقاليد مبدعي المواقف، والذي كانت حياته اليومية كلها فنًا فيما بدا لي، على نحو كان يومئ باستمرار (إيماءات غير فارغة) إلى كيف يجب على المرء أن يعيش في هذه الأزمنة.
11
في القاعة نفسها يا أحمد ويا أحمد، منذ 12 سنة، حضرت ندوة عن حرية الفكر والتعبير، أدارها خالد فهمي، المنفي تقريبًا اليوم، وجلس على منصتها زملاء مدونون من زمن ما كان قد أصبح حينها ماضيًا ثوريًا سابقًا على 2011 ومتصلًا بها (أيام مناهضة نظام مبارك بعد 2003). بدا لي في الندوة وبعدها أن كل صراخنا حول حرية الفكر والتعبير لا طائل منه دون التفكير بلا هوادة في مسألة التعليم. كنا بادئ ذي بدء في حرم الجامعة الأمريكية، أليس كذلك؟ أرقى تعليم في البلاد، أليس كذلك؟ كانت مداخلتي بشكل أساسي عن دور النخبة المصرية والجامعة الأمريكية بالذات في تأخير قضية حرية التعبير بسبب ازدواجيتهما. في أحد العصور الذهبية للجامعة الأمريكية -التسعينيات- شاء أولياء الأمور والإسلاميون والإداريون (أي الأكاديميون القائمون على هذا البزنس) أن يُمنع ويحارَب ويعاقَب تدريس روايات مثل «موسم الهجرة إلى الشمال» و«الخبز الحافي» وكتب مثل كتاب مكسيم رودنسون عن مُحَمَّد، وهو المدافع الشرس ضد الاستعمار ومع الفلسطينيين (أعني رودنسون لا مُحَمَّد). عَيْن البؤس الطلابي؛ هذه المرة في كريمة المجتمع -ماديًا وعلميًا- التي أخذت تنتقل بعدها من الزمالك والمعادي وهليوپولس إلى مستوطنة التجمع الخامس وغيرها من المجتمعات الشركاتية المسوَّرة المعروفة بالكومپاوندات -حيث سيزدهر الفن.
12
ليس أدَلَّ على غربة الفن المعاصر في العالم الناطق بالعربية عن محيطه وواقعه أكثر من اعتماده الفاضح لكلمة «تقييم» كمقابل عربي لكلمة «كيوريشن»8. ليس هذا فقط اختيارًا -أو «قرارًا» بالمعنى السلطوي الخاص بسلطة المؤسسات و«مترجميها»- يعكس الجهل المريع لأهل الفن المعاصر هنا (على الأقل في مصر وبلدان الخليج والشتات العربي ولكن كذلك في الأردن) بلغة السكان الأصليين الذين يمثلونهم (مهما تلاعبوا للالتفاف على فكرة «التمثيل») ويشتغلون على قضاياهم، بينما يعكس في الوقت نفسه سلطتهم، التي ينكرونها طوال الوقت بل ويدعون عكسها، وإنما كذلك غيابهم المزدوج: فبالرغم من كل السجال الكيوريتوري/القيِّمي لا يمكن تخيل أي نوع من الإجماع ولو المحدود حول المعاني المرفوضة المتضمنة في كلمة «تقييم» وهو شُغل من يقيِّم كأنه عضو لجنة تحكيم، أو من يقيِّم كأنه ناقد، لا شغل القيِّم (أي القائم لا المُقيِّم، واسم موقعه الوظيفي المشتق من الجذر نفسه -«قام»- هو القيمومة/ curatorship ولم ننجح حتى الآن -لأننا لم نحاول من الأصل- في اشتقاق كلمة مقابلة لـ«كيوريشن» من الجذر نفسه بالاستفادة من إمكانات النظام الصرفي العربي9). ما كان أحد ممن يستعملون هذه الكلمة ويروجونها بلا حياء ليجرؤ على ارتكاب عُشر هذه الفضيحة اللغوية/الفكرية في العالم الأنجلوفوني الذي له كل الاحترام ولا يمكن التعامل فيه إلا بالجدية المهنية الواجبة.
نقد السياسات اللغوية والسياسيَّات اللغوية -وهاتان كلمتان مختلفتان أخريان10 يُطمس اختلافهما بسبب الإهمال اللغوي والكسل الفكري بالعربية الذي يقابله نشاط فكري عارم بالإنجليزية داخل الرأس الواحدة نفسها- في حقل الفن المعاصر هنا -وأنا أعلم أن لبنان شيء آخر، واستثناء مضيء من وحل هذه المنطقة في هذا الخصوص- ينقلنا إلى سؤال وجودي أشد صميمية، باعتبار اللُّحمة الوثيقة بين «العمل الفني» المعاصر وما يسمى بـ«مفهوم» العمل -فكرته المكتوبة أو البيان أو الكلمة التي أصبحت سندًا يستمد منه العمل مشروعيته: لا أحد يتحدث أو يفكر حول العمل الفني المعاصر بالعربية، فقط يترجم ما يدور -بالإنجليزية دائما- من تفكير فني. ترجمة متلعثمة وغليظة وتابعة، وربما، عند حضور السياسة الواعية فيها، تتخذ موقفًا من العربية باعتبارها سلطة دخيلة، باعتبارها الاستعمار، منتصرة لعامية أو محكية أو دارجة11 تمثل «الشعب» الذي لا يعرف الفن المعاصر ويسخر منه إن رآه (تماما كما يسخر الفنانون من ذوقه الرديء -الكيتشي والكامبي على الأكثر- وتفاهته)، أو لإنجليزية أصبحت هي -ببساطة- لغة العالم (كما في قصة يوسف إدريس «أليس كذلك؟»، أو، بنبرة ثورية أشد، «غنائم حرب» كما وصف كاتب ياسين فرنسية الجزائريين/المغاربيين12). وراء هذه الواجهة البراقة تحيا التبعية والكوارث الثقافية وأمراض اغترابنا المركَّب.
مع حبي
مَحَمَّد
مساء الأربعاء 24 أبريل/نيسان 2024
هوامش
1 أنجزت قناوي شريطًا قصيرًا مبنيًا على حدثها الفني المختَلق هذا. وهناك تحية مؤثرة ولافتة لذكرى أمل قناوي في صدر مقالة رشا سلطي المطولة التي تراجع فيها سينما الربيع العربي بعد 10 سنوات. تبدي سلطي ندمها على عدم تقديرها لعمل قناوي في حينه بما يستحق ومن ثم تَعَذَّر عليها تقديم الدعم لها.
2 ترفض عالية أيمن، القيِّمة التي ترفض كلمة قيِّمة (أغلب الظن لأنها تخلط بين الاسم والصفة، أي بين الإنسان القيِّم بمعنى الثمين والإنسان الذي يعمل قيِّما، وهي كلمة معروفة في الأدبيات والمعاجم العربية عند الإشارة إلى قيِّم الوقف أو أمين المتحف مثلا. انظر الخاطرة رقم 12)، ترفض تسمية «زاوية» -التي ساهمت أيمن مساهمة كبيرة في تأسيسها وتكوينها فكريًا- تسمية عربية مقابلة لكلمة آرتهاوس التي تستخدمها «زاوية» في أدبياتها الإنجليزية، مكتفية بالشعار التجاري المذكور، الذي خلا من مضمونه مع الوقت: «سينما للأفلام اللي ما بتنزلش في السينما». يمكن العثور في أدبيات الثقافة العربية المستقلة والبديلة على تسميات بسيطة وواضحة مثل «دار سينما فنية» التي تشير إلى وجود هذا التمييز وهذا النوع من الأماكن أو المؤسسات في منطقتنا منذ عقود، وقد صادفتُ تسمية «دار سينما فنية» هذه في موضع ما من أحد كتابين لفواز طرابلسي، إما صورة الفتى بالأحمر أو تاريخ لبنان الحديث. ولعلنا، إن أردنا، سنجد مواضع أخرى لورودها أو تسميات أخرى في أراشيف مطبوعات مثل النشرات العربية الصادرة عن نوادي السينما وما شابه.
3 إحدى الأساطير العقائدية الأخرى لعالم الفن المعاصر -والآتية إلينا منذ عصر ما قبل الوِب- هي تخريب خاصية الاستنساخ الميكانيكي (لاعتبارها خاصية تجارية تستغل بها الرأسمالية الفن وتسوقه لأغراض الربح والتسليع) عن طريق -مثلا- الاكتفاء بنشر نسخ محدودة من المطبوعات الفنية أو عرض الأفلام والأشرطة عرضًا محدودًا. انظرا الفصل الأول من «الفن المعاصر: مقدمة قصيرة جدا»، جوليان ستالابراس، ترجمة: مروة عبد الفتاح شحاتة، مؤسسة هنداوي.
4 ينطق ياسين كلمة «الجديد» باللهجة المصرية، عامدًا. ولعل السخرية الكامنة هنا، والتي تفضح حقيقة أنَّ لا جديد في هذا الجديد المزعوم -وتطل من ورائه صورة الزعيم الأبدي أو الخالد- تنطبق أيضًا بشكل انعكاسي على الفن المعاصر حيث لا جديد ولا معاصر! لنتذكر أن الرأسمالية أولًا وأخيرًا هي تعطيل التاريخ والتقدم وخلق رغبات زائفة وحداثة زائفة متجمدة ودائرية.
5 ليست فكرة الاستسهال في الفن بالضرورة هي ما أريده (كتهمة جاهزة). بل لا يجب أن ننسى أن الفن المعاصر نجح (وقد يكون آندي وارول أشهر الأمثلة) في تبني «الاستسهال» من باب تحدي خُلُق العمل الرأسمالي. ومرة أخرى فإن ما هو راديكالي في عقد 1960 قد يصبح مترهلا وله مضامين عكسية في العقد التالي، فما بالكما بالعقد الثالث من الألفية الثالثة! وفيما يلي مثال بارع آخر فيما يتعلق بالفعل الاحتجاجي يلتقطه إسماعيل فايد:
كان فيه راجل لابس جلابية ورافع برواز خشب جواه منحوتة فنية عبارة عن كلمة «كوسة»، والكلمة نفسها مكتوبة بالكوسة، كوسة حقيقية، وبخط ركيك. كان شايل البرواز فوق راسه وسارح بيه في ميدان التحرير في التمنتاشر يوم الفارقين في مصيرنا. الكل قعد يضحك على الفنان المستقل الكونسبتشوال اللي أبدع قطعة من الفن المعاصر ممكن والله فعلًا تلاقيها معروضة فْ جاليري وتلاقي الجمهور والقيّمين بيقولو آه وأوه من كتر الإعجاب. بس الراجل كان قاصد بالظبط رد الفعل دا اللي هو نجح يطلّعه منهم: إن الناس تضحك، وإنهم، وهم بيضحكو، يكتشفو النكتة المؤلمة اللي بيقولها من تحت لتحت إنجاز فني مصنوع بمنتهى الاستسهال اللي في الدنيا، بنفس الطريقة اللي كلمة «كوسة» بتتقال بيها لما حد «ينجز» حاجة من غير وجه حق.
6 للاستماع إلى نسخة صوتية من رسالتي (باسم Ma Yo) إلى رنا أشرف.
7 قضت رأسمالية الاتصالات أيضًا بجعل الميديا والمعلومات اشتقاقية وتضخمية، لتخلق فقاعة معرفة آخذة في التعملق العنكبوتي حيث المعلومات تُشتق من معلومات بلا تدقيق أو قيمة مضافة ومعتمدة على نشر وتضخيم نفسها عن طريق التكاثر الخوارزمي الذاتي. إحدى النتائج الكارثية بالطبع هي الحلقة التي نشهدها الآن منذ السابع من أكتوبر، مجتمعة بآليات الرقابة الخوارزمية على المواقع المسماة بالاجتماعية. وأنا لا أستثني من هذه العملية الأغلبية الساحقة من المحتوى المؤيد للفلسطينيين، وهي عملية تمنع في هذه الحالة أي تعميق لوعي جدي بالمسألة الفلسطينية.
8 سبق ذلك رواج كلمة «تنسيق» أو عبارة «تنسيق فني»، التي ما زالت تكافح، وهي على علاتها لا ترقى للعيوب الفاضحة الخاصة بكلمة «تقييم».
9 وهي مشكلة يمكن حلها ببساطة عن طريق -مثلا- الجمع بين كلمة «تنسيق» وكلمة «قيِّمي» (تنسيق قيِّمي) أو -كما أفضل شخصيًا- بإضافة كلمة العمل: عمل قيِّمي. أما كلمة «قيمومة» فهي موجودة بالفعل في الأدبيات العربية القانونية الحالية، وتشير إلى الوضع القانوني لجهة أو شخص أو مجموعة أشخاص فيما يتعلق بإرث أو أملاك وما شابه.
10 ينطبق على هذه الممارسة مصطلح وضعه بيومي قنديل (أنديل كما يقترح أحيانا، مترددا بالرغم من نبرته الحاسمة الغاضبة) هو «آفة الترادف». ينسب قنديل/أنديل هذا العيب إلى اللغة العربية لا إلى ممارسيها، وذلك لفرط العمى الأيديولوجي الذي كثيرا ما يُخرج نظراته اللغوية الثاقبة عن أفضل مسار ممكن لها. انظرا كتابه المسلي والمثير، والمفيد جدًا إن شئنا إنقاذه من آفاته هو بانتشاله من قوميته المصرية المَرَضية: الترجمة فن. أما بالنسبة إلى كلمة سياسيَّات (على غرار اقتصاديات، كمقابل لـpolitics في تركيبة مثل «the politics of») فقد استخدمها على سبيل المثال وضاح شرارة (الواحد نفسه: مقالات في السياسيَّات الإسلامية-العربية، دار الجديد، 1993)، ومن المفارقات الساخرة أن مُدخل البيانات الروبوتي في موقع نيل وفرات يصحح لشرارة وناشره فيحولها في عنوان كتابه إلى «سياسات» (ومقابلها في الإنجليزية policies وشتان ما بين المعنيين.) -كما تَسْقط الشَّرْطة بين كلمتي «الإسلامية» و«العربية». وينتشر «التصحيح» الروبوتي عبر مواقع الكتب العربية والفهارس الرقمية للمكتبات.
11 في مصر لا يؤدي ذلك إلا إلى تكريس المركزية المصرية في المنطقة، أما في غيرها فيحمل مخاطرة عزل الحوارات والمَشاهد قُطريًا لصعوبة استقبال الكثير من اللهجات العربية، عوضًا عن فرض منهجية «التبييض» الإعلامية، وكلها لا تخدم إلا التسييد كلٌّ على طريقته. ما يفعله هؤلاء المنتصرون للعامية/الدارجة/المحكية، أو للإنجليزية على الفرنسية، هو بالأساس اختيار لهيمنة مقابل أخرى ظنًا أو عشمًا منهم أنهم بهذا يقاومون الهيمنة الوحيدة المفترضة للغة العربية القياسية الحديثة.
12 في Le cœur entre les dents («القلب بين الأسنان»). وانظرا كيف لوى الرئيس الجزائري معنى المقولة مؤخرًا.
تقارير ذات صلة
عن الأحلام واستمرار المحاولة
ثلاثة لقاءات جاءت في إطار برنامج «نوبة أخرى من الأحلام»، تناولت البدايات والأحلام والمآلات
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن