تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
التضحية بالاقتصاد للحفاظ على الدولار

التضحية بالاقتصاد للحفاظ على الدولار

كتابة: محمد عز 7 دقيقة قراءة

أوقفت هيئة البريد المصري عمليات الشراء والسحب بالعملات الأجنبية على بطاقتها «إيزي باي» في الخارج، بحسب رسائل نصية أرسلتها الهيئة لمستخدمي البطاقات قبل أيام.

وتأتي خطوة «البريد» تزامنًا مع وقف البنوك استخدام بطاقات الائتمان، المُصدَرة حديثًا، في المعاملات الدولية، ضمن سلسلة قرارات تستهدف وقف استنزاف العملة الأجنبية، الشحيحة أصلًا، في مصر، رغم الوعود المتكررة بحل الأزمة نهائيًا، منذ أكثر من عامٍ كامل.

هذه القيود، التي أقرّها البنك المركزي، في تعليمات شفهية للبنوك، تهدف لمواجهة «سوء استخدام» بعض العملاء لكروت الائتمان، عبر إرسال الكروت للخارج لشراء بعض السلع بشكل جماعي والتربح من بيعها في مصر، بحسب «رويترز». لكن النتيجة، على أرض الواقع، هي تقييد استخدام المصريين لبطاقاتهم بشكل كبير، إذ لا يتجاوز الحد الأقصى للبطاقات 250 دولارًا شهريًا. أما بطاقات الخصم المباشر، فقد أوقف «المركزي» تمامًا استخدامها في معاملات بالعملة الأجنبية، منذ أكتوبر الماضي.

القرارات التي أصدرها «المركزي» خلال الفترة الماضية لا تُضيّق فقط على استخدام الأفراد لبطاقاتهم، وإنما يمتد أثرها لأغلب الشركات المصرية، وخاصة تلك التي تعتمد على التكنولوجيا لتقديم خدماتها أو الترويج لها. في المقابل، فإن العائد الاقتصادي من تلك القيود لا يبررها، بل قد تأتي بنتيجة عكسية، وتدفع بآلاف الشركات لنقل أعمالها للخارج، ما يُنذر بكارثة قد يتجه لها الاقتصاد المصري، بحسب خبراء ومحللين اقتصاديين، ورواد أعمال، ورؤساء شركات تحدث معهم «مدى مصر».

يشير مؤسس صندوق «كي آنجل» للاستثمار الملائكي وعدد من الشركات الناشئة، خالد إسماعيل، لـ«مدى مصر» إلى أن حجم التضرر من هذه القيود، يختلف من شركة لأخرى.

«الشركات أنواع وأشكال، ومصاريفها مختلفة»، يقول إسماعيل، «الشركات اللي بتعتمد على الدعاية على السوشيال ميديا، بتتأثر مصاريف الدعاية بتاعتها. دول فجأة بقى سقف اللي يقدروا يصرفوه شهريًا واطي جدًا، بالتالي كل شركات التجارة الإلكترونية هتتأثر. لكن شركات تانية مش هتتاثر بنفس القدر، زي شركات الصناعات المغذية اللي بتشتغل على تجهيز مواد خام محلية وتوريدها للمصانع مباشرة».

الرئيس التنفيذي لشركة سيجما للصناعات المتطورة، أشرف سعيد، أوضح لـ«مدى مصر» أن شُحّ العملة الصعبة، والقيود التي وضعتها الحكومة والبنك المركزي على استخدام الدولار مستمرة منذ أكثر من عام ونصف، رغم أضرار هذه القيود على الشركات المتوسطة والصغيرة والتي تشكل نحو 80% من الاقتصاد، بحسب تقديرات سعيد، وتصل إلى نحو 98% من الشركات في تقديرات البنك المركزي نفسه.

السبب في ذلك هو حاجة الشركات للاستيراد من أجل الإنتاج، يقول سعيد، مؤكدًا أن الشركات تعتمد على استيراد مواد خام أو خدمات تكنولوجية بنسبة لا تقل عن 25%. 

«لو شركة بتعمل جبنة أو زبادي بتشتري التغليف على الأقل من برة. لو شركة تانية بتنتج بنطلون أو قميص، بتحتاج تجيب السوست والزراير من بره. ومن غير الحاجات دي الإنتاج هيتعطل. فصحيح المنتج نفسه ممكن يبقى محلي، لكن الباقي مستورد»، أضاف سعيد.

وأشار سعيد إلى أن القيود الأخيرة على كروت الإئتمان قد تبدو بسيطة، لكن تأثيرها سيكون واسعًا على الشركات المصرية، إذ أن هذه الكروت كانت أساسية للعديد من الشركات، لشراء البرامج التي تستخدمها لإدارة عملية الإنتاج أو متابعة التوزيع، أو حتى في شراء قطع الغيار الرخيصة نسبيًا والتي تتراوح بين 5-10 آلاف دولار.

«لكن دلوقتي، هتروح البنك تفتح اعتماد مستندي علشان يوفر لك قطعة غيار كانت هتجيلك في أسبوع، أو حد يسافر بره ويدفع هناك تمن السوفت وير دا، وكل دا بتكاليف إضافية»، أضاف سعيد.

يتأزم الوضع بصورة أكبر في الشركات التي يقوم عملها على التكنولوجيا، والتي تعتمد بشكل أساسي على الكروت الائتمانية لتلبية احتياجاتها، من دفع رسوم استضافة مواقعها الإلكترونية، ورسوم الخوادم بالخارج، وترخيص البرمجيات، وحتى تسويق أعمالها إلكترونيًا للعملاء داخل وخارج مصر.

استشاري التسويق والأعمال، محمد أبو خضرة، قال لـ«مدى مصر» إن إيجار الخوادم فقط لشركة متوسطة الحجم قد يتجاوز 600 دولار شهريًا. ومع القيود الجديدة، تتجه هذه الشركات لشراء الدولار من السوق السوداء بأي سعر واستخدام كروت مدفوعة مُقدمًا.

«بس المشكلة هنا بتبقى عدم استقرار السعر. ودا معناه صعوبة في التخطيط للمستقبل»، يضيف أبو خضرة.

في المقابل، فإن العائد المُنتظر من تلك القيود قد لا يتناسب مع المخاطر التي تتسبب فيها. بحسب تقارير الوضع الخارجي للاقتصاد المصري التي يصدرها البنك المركزي دوريًا، لم تتجاوز إجمالي نفقات المصريين في الخارج خمسة مليارات دولار، في العام المالي السابق 2022-2023، كما لم تشهد زيادة مفاجأة على مدار السنوات الأخيرة.

المليارات الخمسة، ليست، بالطبع، قيمة استخدام الكروت البنكية بالخارج، وإنما تشمل حجم إنفاق المسؤولين الحكوميين، والموظفين المصريين خارج البلاد، ونفقات الحج والعمرة، ونفقات الطلاب الدارسين في الخارج، والبعثات التقنية والتعليمية، والنفقات في الخارج للرعاية الطبية، وأخيرًا استخدامات الكروت البنكية، بحسب تعريفات البنك المركزي.

وتشهد هذه النفقات، بشكل جماعي، زيادة تدريجية سنوية، باستثناء العام المالي 2020-2021 والذي شهد قيودًا عالمية على السفر نظرًا لتفشي جائحة كورونا. وخلال العام المالي الماضي، لم يتجاوز الارتفاع في هذه النفقات 500 مليون دولار عن العام المالي 2021-2022.

«حتى لو 200 مليون، احنا في وضع مُزري، والبنك المركزي بيحاول يلم دولار دولار من عالأرض»، يقول مُحلل مالي بإحدى شركات البحوث الاقتصادية، تحدث مع «مدى مصر».

منذ بداية العام الماضي، تبحث الحكومة كل السُبل لجذب العملة الصعبة للداخل، أو على الأقل، تقليل خروجها، بعد تخارج مليارات الدولارات من الأموال الساخنة في أعقاب غزو روسيا لأوكرانيا. البداية كانت مع تقييد الاستيراد رغم ضرر ذلك على عملية الإنتاج، مرورًا بترشيد الكهرباء لتصدير الغاز للخارج، وعرض مبادرة للمصريين في الخارج لاستيراد السيارات، وحتى بيع حصص الحكومة في شركات مُربحة، كحلول مؤقتة لتجاوز الأزمة الحالية.

«المشكلة في تقدير الضرر اللي بيحصل بعد كده. يعني القيود اللي اتحطت السنة اللي فاتت على الاستيراد، رفعت سعر الدولار في السوق السودا، وخلّت المصريين في الخارج ينقلوا تحويلاتهم من السوق الرسمي للسوق الموازي، وخسر الاقتصاد 31% من التحويلات الرسمية اللي نزلت من 32 مليار دولار لـ22 مليار دولار بس في آخر عام مالي»، يضيف المحلل.

لا يقتصر التأثير على هذا فقط، بل يمتد ليشمل الاقتصاد بأكمله، بحسب رائد أعمال وخبير اقتصادي، تحدث مع «مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه.

«البيزنس بيعمل فلوس أصلًا، وبيورد ضرائب للبلد. لو البيزنس مشتغلش، يبقى الدولة هتخسر. قصاد كل دولار الشركات دي بتاخده بتجيبلك كدولة إيرادات 200 أو 300 جنيه»، يضيف الخبير الاقتصادي.

في ظل الضبابية التي تحيط بمستقبل الاقتصاد، اتجهت العديد من الشركات للخروج تمامًا من مصر والانتقال لدول أخرى غربية أو خليجية، وخاصة المملكة العربية السعودية، التي بدأت مؤخرًا في استقطاب رواد الأعمال والشركات الخاصة، وحتى العمالة الأمهر في مصر. يزيد على ذلك ابتعاد الاستثمار الأجنبي عن المخاطرة في السوق المصري، بحسب جميع المصادر التي تحدث معها «مدى مصر».

خلال الفترة الماضية، برزت عدة مُدن عربية كبديل للقاهرة بالنسبة للشركات الناشئة، بدأت بدبي التي انتقل إليها عدة شركات، أبرزها «سويفل»، في 2019، قبل أن يبزغ نجم الرياض في الفترة الماضية، إذ شهد النصف الأول من العام الجاري، انتقال ما لا يقل عن ثلاث شركات ناشئة مصرية إلى المملكة.

«الوضع في الدول المجاورة أفضل بكتير وجاذب للاستثمار»، يقول سعيد. «السعودية مثلًا بتعرض إيجارات مُخفضة للشركات، وتسهيلات ضريبية كبيرة لأي شركة تنقل هناك، بخلاف جودة البنية التحتية، وسهولة الاستيراد والتصدير، وحتى سرعة الإنترنت. كل دي عوامل بتجذب الشركات إنها تنقل هناك».

بالإضافة لعناصر الجذب هذه، تتميز تلك الدول عن مصر بتواجد العمالة الماهرة بكثرة. «السوق المصري خسر عمالة على أعلى مستوى لما الشركات قفلت»، يضيف سعيد، «العمّال سافروا يدوّروا على شغل، حتى لو الشغل مش هيوفرلهم عائد كويس برضه بيروحوا بحثًا عن الاستقرار، مش بس العمالة المصرية، لكن كمان الهندية والبنجالية. الوفرة دي بتخلي الشركات في السعودية عندها حرية اختيار كبيرة، فبتنقي فعلًا أفضل العمالة، لأن كل شغلانة بيقدم لها على الأقل ما بين 700 و800 واحد».

يُعتبر ذلك بمثابة جرس يُنذر بتخارج الشركات من مصر، أو على الأقل، نقل رؤوس الأموال للخارج، والعمل مع مبرمجين ومهندسين عن بُعد في مصر، وهو ما يعني انخفاض إجمالي الدخل القومي المصري تدريجيًا، وتزايد نسبة البطالة، وهروب الاستثمارات، لصعوبة التعامل ونقل الأموال في مصر.

ومع نقل الشركات المصرية للخارج، ستُصبح تلك الشركات شركات أجنبية، وعند تقديم خدماتها للشركات المصرية، ستحصّل مقابلها بالعملة الصعبة هي الأخرى، يوضح الخبير الاقتصادي.

«مفيش حد في العالم هيبقى عايز فلوسه في بلد عليها قيود. اللي عمل القرارات دي كان فعلًا عايز يحافظ على الدولارات. بس في سبيل دا، بيضحي بالاقتصاد نفسه»، يقول الخبير.

النسخة الأولى من التقرير ذكرت أن هيئة البريد قلّصت حد الشراء والسحب بالعملة الأجنبية إلى 60 دولارًا، لكن الصحيح أنها أوقفتها تمامًا. تم تعديل النص صباح الجمعة 29 ديسمبر 2023.
عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن