تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حصان الذهب في حلبة الادخار

حصان الذهب في حلبة الادخار

كتابة: سارة سيف الدين 5 دقيقة قراءة

عزيزي القارئ، إذا كنت قد اشتريت جنيهًا ذهبيًا منذ عشرة أيام، مبروك ربحت 3600 جنيه، ما يعني، اليوم، مكسبًا بنحو 16%، لأن أسعار كل العيّارات قفزت بنفس النسبة، رغم أن أسعار الذهب عالميًا لم تزد خلال الأيام العشرة ذاتها إلا 2.7% فقط.

لماذا تقفز أسعار الذهب محليًا؟ سؤال يطرح نفسه مع كل موجة زيادات عنيفة لأسعار الذهب على مدار العامين الماضيين، بالتزامن مع نقص حاد في العملة الأجنبية وتدهور قيمة الجنيه بوتيرة غير مسبوقة.

تحدث القفزات السعرية للذهب بالتزامن مع قناعة جماعية باقتراب موعد التعويم أو تحرير سعر الصرف الرسمي. بدافع التحوّط، يشتري العديد من الأفراد الذهب كمخزن لقيمة مدخراتهم بالجنيه، والتي تدهورت بشدة على مدار 20 شهرًا متواصلة، خسر خلالها الجنيه نحو 50% من قيمته بحسب سعر الصرف الرسمي، و71% وفقًا لأسعار صرف السوق السوداء، مقارنة بفبراير 2022.

الذهب سلعة شديدة الارتباط بالدولار، لذلك يحتاج تجار الذهب إلى سعر صرف مستقر يستطيعون على أساسه تحديد أسعار البيع للمستهلك، ومع تنامي الفجوة بين سعر صرف السوق السوداء والسعر الرسمي، نشأت حاجة الصاغة إلى تحديد سعر صرف خاص بهم يسترشد بأسعار صرف السوق السوداء باعتبارها الأسعار الحقيقية للدولار.

مؤخرًا، صعد سعر صرف الدولار في السوق السوداء، ليُتداول بأسعار تتراوح بين 52 إلى 55 جنيهًا، لكن من الملاحظ أن الفرق بين سعر صرف الدولار في السوق السوداء بشكل عام وسعر الصرف المُعتمد بين الصاغة، زاد خلال عشرة أيام من 20 قرشًا إلى ثلاثة جنيهات، حيث يعتمد الصاغة سعر صرف 56.25 جنيه، وبحسب المصادر يحسب الصاغة سعر الدولار بـ57 جنيهًا.

هذه الجنيهات الثلاثة يحتاجها تجار الذهب للمضاربة والتحوط، خاصة حين يتوقعون اقتراب تعويم الجنيه، بحسب مصادر.

انتشرت تحليلات، خلال الأشهر الماضية، رجحت إرجاء البنك المركزي تحرير سعر صرف الجنيه لما بعد الانتخابات الرئاسية، التي أُعلنت نتائجها منذ عشرة أيام.

خلق ذلك -كالمعتاد- طلبًا كبيرًا على الذهب من المدخرين رغبةً في التحوط أيضًا، لكن العرض لا يستطيع اللحاق بهذا الطلب، لأن «المركزي»، منذ بداية الأزمة فرض قيودًا على الاستيراد، حيث قصره على السلع الاستراتيجية، ضمن إجراءاته لمواجهة نقص العملة الأجنبية.

ومع توقف استيراد الذهب طوال الشهور الماضية، أصبحت التداولات داخل سوق الذهب تتم على معروض يقترب من الثبات خلال كل تلك المدة.

بالتزامن مع ذلك، طرح «المركزي» أدوات ادخارية جذابة للمدخرين، تعمل -إلى جانب أهداف أخرى- على منافسة الذهب كوسيلة للتحوط، فطرح شهادات ادخارية مرتفعة العائد.

ترافقت الشهادة الأولى مع موجة التعويم التي جرت في 21 مارس 2022، وطرحتها ثلاثة بنوك حكومية، لمدة عام بعائد بلغ 18%، كان الأعلى آنذاك، واستطاعت جمع 750 مليار جنيه خلال شهرين.

في يناير الماضي، قبل شهرين من أجَل استحقاق هذه الشهادة، بادر بنكان حكوميان، بطرح شهادة ادخارية لمدة عام بعائد 25%، يبدأ موعد استحقاقها في يناير المقبل. 

مع حلول موعد الاستحقاق، بعد أيام، ستخرج مليارات الجنيهات من مخزن الشهادات إلى أيدي أصحابها مرة أخرى، ليسعون من جديد داخل حلبة التحوط إلى أفضل وسيلة لحفظ قيمة مدخراتهم.

الخيارات الثلاثة الأساسية الأقرب للمدخرين في تلك الحلبة هي الذهب والدولار والشهادات، بالنظر إلى أن البورصة والعقارات كوسيلتي تحوط يتطلبان مهارات استثمارية وملاءات مالية كبيرة قد لا تتوافر عند الأغلبية العظمى من هؤلاء المدخرين.

وعلى مدار العامين أثبت الذهب جدارته كوسيلة للتحوط، حيث حقق مكاسب بالجنيه تراوحت بين 329 - 313% (دون خصم معدل التضخم)، بينما قدمت الشهادات، خلال نفس المدة، عوائد بـ43% (شهادة 18%+شهادة 25%)، تتحول هذه العوائد إلى خسارة فادحة إذا نظرنا إلى التضخم التراكمي في الفترة ما بين يناير 2022 ونوفمبر الماضي الذي سجل 61%، بحسب بيانات الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء.

هنا يتساءل المدير التنفيذي لإحدى منصات تداول الذهب، سعيد إمبابي، في حديثه لـ«مدى مصر» إلى أين ستذهب أسعار الذهب حين يسترد المودعون أموالهم خلال أيام؟ مضيفًا: «يبقى هنلاقي الدهب وصل لسبعة آلاف جنيه» عندما يتكالب المدخرون عليه، خاصة بعدما اكتشفوا بالتجربة أن عوائد الشهادات يأكلها التضخم المفرط.

هذا ما حدث مع سالم* حين حصل على مكافأة نهاية الخدمة (70 ألف جنيه) وقرر استثمارها في شهادة الـ18% أملًا في عائد شهري يعينه على التقاعد. لكن، مع نهاية مدة الشهادة (مارس الماضي) كانت القيمة الحقيقية لهذا العائد قد تآكلت، وعاد هو إلى سوق العمل.

بحلول موعد الاستحقاق، حصل سالم على 82 ألف و600 جنيه، إلا أنه تعلم درس التضخم، وقرر عدم استثمار هذا المبلغ في شهادة جديدة حتى لو كانت بعائد 25%، واتجه إلى الذهب، حيث جنى -حتى الآن- عوائد بنحو 80%.

لكن رؤوف*، المحاسب بإحدى شركات القطاع الخاص، ومتزوج منذ ثلاثة أعوام ويطمح إلى شراء شقة، لم يفطن الدرس، فقرر في يناير الماضي ربط مدخراته بشهادة الـ25%، أملًا في أن تصبح عند الاستحقاق كافية كمُقدم لشراء الشقة.

طوال ستة أشهر، راقب رؤوف القيمة الحقيقية لمدخراته بعوائدها المتوقعة وهي تتضاءل يومًا بعد يوم أمام وحش التضخم، فحاول كسر الشهادة، في يوليو الماضي، لشراء ذهب ودولار لحين إيجاد الشقة المناسبة، إلا أنه فوجئ برفض البنك كسر الشهادة، وعرض عليه قرضًا بضمان الشهادة بفائدة 17%.

رفض رؤوف عرض البنك، إلا أنه ندم الآن، لاعتقاده أنه إذا كان قد حصل على القرض واشترى به الذهب لكانت مكاسب الذهب قد عوضته الـ17% فوائد القرض، وكذلك الحال إذا اشترى دولارًا، الذي كان يُسجل حين فكر في كسر الشهادة 35 جنيهًا.

قرر رؤوف عدم ربط مدخراته، في ظل الأوضاع الراهنة، بأي شهادات إلا إذا «هيدوني عائد 60%» وفق قوله.

آية وزوجها كانا أكثر حظًا من رؤوف، فقد استطاعا، الأسبوع الماضي، شراء الشقة التي يريدونها، لأن الزوج بعد عودته من العمل في السعودية قبل عامين انحاز إلى الذهب كوعاء ادخاري.

تقول آية إن خطة الشقة الجديدة كانت ستفشل، حال وافق زوجها على نصائح البعض بربط مدخراته في الشهادات البنكية، بالنظر إلى المبلغ الذي اشتريا به الذهب في ذلك الوقت، وما تحصلا عليه بعد بيعه مؤخرًا. «كانت هتبقى خسارة كبيرة، خاصة أن أسعار الشقق كمان ولعت»، تقول آية.

خلال عام فقط ارتفعت أسعار الذهب، في مصر، بنسب تراوحت بين 83-88%، بينما لم ترتفع الأسعار عالميًا إلا 8.6% على مدار العام.

مصادر كثيرة في سوق الذهب، تحدث معها «مدى مصر» ترى أن ارتفاعات أسعار الذهب، هي بالأساس أحد أعراض أزمة نقص العملة الأجنبية بكل تبعاتها، من قيود على الاستيراد وعدم ثقة الأفراد في الجنيه، وإذا استقرت أسعار العملة الأجنبية وتوافرت، وسمح «المركزي» باستيراد الذهب وفقًا لحاجة الطلب المحلي، ستعود الأسعار إلى الهدوء وستصبح أكثر التزامًا بالأسعار العالمية.

* اسم مستعار

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن