تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
دليلك لفهم قانون تملك الأجانب للأراضي الصحراوية

دليلك لفهم قانون تملك الأجانب للأراضي الصحراوية

كتابة: رنا ممدوح 8 دقيقة قراءة
صبي يسير في الصحراء جنوب العلمين

في مواجهة أزمة شح العملة الصعبة، وافق مجلس النواب، في الثالث من يناير الجاري، على مقترح حكومي بتعديل قانون الأراضي الصحراوية، ليسمح للعرب والأجانب -أيًا كانت جنسيتهم- بتملك الأراضي الصحراوية في البلاد دون استثناء أي منطقة، وهو ما عزته الحكومة إلى رغبتها في تشجيع المستثمرين.

غير أن توقيت إقرار التعديل وتزامنه مع تحذيرات جهات دولية من مخططات إسرائيلية لإجبار سكان غزة على مغادرة القطاع نحو سيناء، فضلًا عن عدم تقييد التعديل بأي ضمانات تستبعد مثلًا أصحاب الجنسية الإسرائيلية من التملك أو تقيده في أماكن معينة، أثار مخاوف على الأمن القومي المصري عبر عنها عدد من نواب المعارضة بالغرفة الأولى من البرلمان. 

ورغم حساسية السلطة المعهودة تجاه ما يتعلق بمسائل الأمن القومي المصري، فإن ممثلي الحكومة وأحزاب الموالاة اتفقوا على أن الأمر يتعلق بالاستثمار فقط، مشددين على أن «المستثمر في النهاية مش هياخد الأرض ويمشي».

لكن ما الذي يعنيه تعديل قانون الأراضي الصحراوية؟ وهل ينطبق على أراضي شبه جزيرة سيناء؟ وما الآثار المترتبة على إقرار هذا القانون؟ تحدث «مدى مصر» إلى برلمانيين للإجابة عن هذه الأسئلة وإعداد هذا الدليل.

ما هو موقف الأجانب من تملك الأراضي الصحراوية قبل التعديل؟

وضعت السلطة بداية من عام 1963 قواعد صارمة لحظر تملك الأجانب للأراضي سواء كانت زراعية أو بور أو صحراوية، وأصدر الرئيس السابق جمال عبد الناصر في يناير من العام نفسه قانونًا لتنظيم هذا الحظر، تضمن استثناءً وحيدًا يخص الفلسطينيين الذين كان يتم معاملتهم معاملة المصريين في هذا الوقت، ليسمح لهم بتملك الأراضي المصرية بشكل مؤقت.

ومع انتهاء الفترة الناصرية، تم تخفيف هذا الحظر تدريجيًا بشأن جميع أنواع الأراضي باستثناء الصحراوية. في 1981، أصدر الرئيس محمد أنور السادات قانون الأراضي الصحراوية (رقم 143 لسنة 1981)، متضمنًا في مادته الثانية تقسيم أراضي الدولة إلى أربعة أنواع، تخضع جميعها لإشراف وزير الدفاع، ويشاركه وزراء آخرون يختلفون بحسب الغرض المخصصة له. هذه الأنواع:

الأول: أراضٍ لا يجوز تمليكها لأحد، وهي مناطق استراتيجية ذات أهمية عسكرية، وتستخدم إما لأغراض عسكرية وإما لأغراض أخرى يحددها وزير الدفاع.

الثاني: أراضٍ خاصة بالزراعة والاستصلاح، وأسند إدارتها واستغلالها والتصرف فيها إلى هيئة تابعة لوزارة الزراعة حاليًا بعد أخذ رأي وزارة الدفاع.

الثالث: أراضٍ أُسندت إدارتها والتصرف فيها واستغلالها إلى هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة بعد التنسيق مع وزارة الدفاع.

الرابع: أراضٍ وعقارات مقامة عليها يطلب وزير الدفاع من مجلس الوزراء نزع ملكيتها أو الاستيلاء عليها بشكل مؤقت، لأسباب تتعلق بالحفاظ على الأمن القومي الداخلي أو الخارجي أو الحفاظ على الآثار.

وباستثناء النوع الأول، أجاز القانون تمليك الأجانب لتلك الأراضي بشرط وجود طرف مصري نسبته لا تقل عن 51%.

استمر التخفف من قيود تملك الأجانب للأراضي، ففي 1988، أصدر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قانونًا (رقم 56 لسنة 1988) يسمح للأجانب سواء أفراد أو هيئات بتملك الأراضي الفضاء والعقارات للسكن جنبًا إلى جنب مع الأنشطة الاستثمارية المرخص بها. إلا أن هذا القانون تضمن شروطًا من بينها تحديد مساحات محددة للتملك لا تزيد على ثلاثة آلاف متر مربع للسكن، وتحويل قيمة الأراضي بالنقد الأجنبي إلى البنوك المصرية، على أن يكون لرئيس الوزراء منح استثناءات. سبق هذا عام 1985 إلغاء الحظر الذي أقره عبد الناصر، ليسمح للأجانب بتملك الأراضي الزراعية أيضًا.

أما الأراضي الصحراوية فظلت ملكيتها بالكامل محظورة على الأجانب، وأدخل مبارك عام 1991 تعديلًا طفيفًا على القانون الذي أصدره سلفه عام 1981 يتضمن التأكيد على ضرورة امتلاك المصريين لنسبة لا تقل عن 51% من أسهم أي شركة تمتلك أراضي صحراوية ويساهم فيها أجانب، على ألا تزيد نسبة ملكية الفرد (مصري أو أجنبي) في تلك الشركة على 20% من الأسهم بعد أن كانت 5% فقط في القانون القديم.

«معاملة المصريين»

أدخل مبارك تعديلًا على قانون الأراضي الصحراوية في أبريل 1988 سمح لمن يحمل جنسية إحدى الدول العربية بتملك الأراضي صحراوية، بشرط أن يصدر قرار جمهوري بمعاملته معاملة المصريين لأسباب يقدرها الرئيس وبعد موافقة مجلس الوزراء، ما ترتب عليه سلسلة من القرارات الجمهورية بمعاملة مواطنين سعوديين وإماراتيين وقطريين وكويتيين معاملة المصريين، أبرزها كان قرار مبارك عام 1999 بمعاملة الأمير السعودي ممدوح بن عبد العزيز آل سعود معاملة المصريين لتمكينه من توثيق تملكه لأكثر من 102 فدان بمنطقة الحزام الأخضر بوادي النطرون. 

وفي 2022، أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قرارًا يسمح بنقل ملكية تلك الأراضي من الأمير السعودي إلى حفيدته الأميرة نوف بنت مقرن، وحفيده الأمير عبد العزيز بن مقرن.

كما أصدر السيسي عام 2017 قرارًا بمعاملة أمير الكويت الراحل صباح الأحمد الجابر الصباح معاملة المصريين، لتمكينه من توثيق تملكه لقطعتي أرض مساحتهما 134 فدانًا وأربعة قراريط و16 سهمًا بمنطقة تابعة لمحافظة الشرقية.

إذًا ما الجديد في القانون الذي أقره مجلس النواب بشأن تملك الأجانب للأراضي الصحراوية؟

التعديلات الجديدة ألغت الحظر المفروض منذ عام 1963 على تملك الأجانب للأراضي الصحراوية بشكل كامل، وأتاحت للمستثمر -أيًا كانت جنسيته- الحق في الحصول على الأراضي الصحراوية اللازمة لمزاولته نشاطًا استثماريًا أو التوسع فيه.

بحسب عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب، عاطف مغاوري، جعلت التعديلات سلطة الولاية على الأراضي الصحراوية التي يحتاجها المستثمر في يد الهيئة العامة للاستثمار، ما يعني أن المستثمر الأجنبي يمكنه التقدم بطلب للحصول على أي مساحة يحتاجها من الأرض الصحراوية في أي مكان يناسبه إلى الهيئة، لتنسق الأخيرة مع الجهة المالكة للأرض بتخصيص تلك الأراضي له بنظام التملك، بعد استيفاء الموافقات الأمنية، وإبرام عقد لا يخضع لرقابة الشعب، فلا تُنشر بنوده في الجريدة الرسمية، ولا يقبل الطعن في بنوده من أي مواطن، حسبما أشار، وذلك بموجب قانون منع الطعن في عقود الدولة الذي يقصر إمكانية الطعن على طرفي التعاقد، أي الهيئة العامة للاستثمار والمستثمر الأجنبي.

وبخلاف الأنشطة الاستثمارية، أبقت التعديلات على الوضع الحالي الخاص بضرورة تملك المصريين 51% من أسهم أي شركة يساهم فيها أجانب وتمتلك أراضي صحراوية، وكذلك الاستثناء الذي يمنحه رئيس الجمهورية لأي عربي يريد تملك أراض صحراوية لغير أغراض الاستثمار بمعاملته معاملة المصريين. 

ماذا عن أراضي سيناء؟

أراضي سيناء التي تشمل محافظتي شمال وجنوب سيناء إضافة إلى مدن ومناطق بمحافظات القناة الثلاث (الإسماعيلية وبورسعيد والسويس)، تخضع لقانون التنمية المتكاملة في شبه جزيرة سيناء الصادر من المجلس العسكري في يناير 2012، وتعديلاته، وهو القانون الذي يحظر التملك أو حق الانتفاع أو الإيجار في الأراضي والعقارات الواقعة بالمناطق الاستراتيجية ذات الأهمية العسكرية والمناطق المتاخمة للحدود بالمنطقة، وكذلك المحميات الطبيعية وجزر البحر الأحمر. 

وبخلاف تلك المناطق، يسمح القانون للمصريين فقط بتملك المنشآت دون الأراضي المبنية عليها، أو تخصيصها بنظام حق الانتفاع لمدة 50 عامًا للعقارات، ويكون لرئيس الجمهورية أن يصدر قرارات جمهورية بتمليك عقارات بسيناء لحاملي جنسية إحدى الدول العربية بعد معاملتهم معاملة المصريين.

وحتى مدينتي شرم الشيخ ودهب وقطاع خليج العقبة السياحي بمحافظة جنوب سيناء الذين قرر السيسي في مارس 2022 استثنائهم من الخضوع للقانون، يقتصر تملك الأراضي والعقارات المبنية فيهم على المصريين والأشخاص الاعتبارية المصرية مع منحهم الحق في التصرف بالأراضي والعقارات للغير (المصريين والأجانب) بنظام حق الانتفاع لمدة زمنية تصل إلى 75 عامًا بعد الحصول على موافقة وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز المخابرات العامة.

وفيما ألزم قانون تنمية شبه جزيرة سيناء أن يتخذ أي مشروع استثماري يشارك فيه غير المصريين شكل شركة مساهمة مصرية لا تقل نسبة مشاركة المصريين فيها عن 55%، نص القرار الجمهوري الخاص بشرم الشيخ ودهب على الأمر نفسه، غير أنه لم يحدد حدًا أدنى لنسبة مشاركة المصريين في أسهم الشركة، واكتفى بالتأكيد على ألا يحدث أي تغيير في أسماء المؤسسين أو نسب الشركاء أو حصصهم أو تعديل بعض مواد العقود أو النظام الأساسي أو شكل الشركة أو طرح الأوراق المالية والاكتتاب العام والخاص إلا بعد الحصول على موافقات وزارتي الدفاع والداخلية إلى جانب المخابرات العامة، بالإضافة إلى الهيئة العامة للاستثمار والهيئة العامة للرقابة المالية.

وماذا عن تأثير تملك الأجانب للأراضي الصحراوية على الأمن القومي؟

هناك إجاباتان لهذا السؤال: الأولى تمثل وجهة النظر الحكومية، وتؤكد عدم وجود أي مخاوف على الأمن القومي. يقول رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي في مجلس النواب، أحمد العوضي لـ«مدى مصر» إن فتح الباب أمام تمليك المستثمرين الأجانب للأراضي الصحراوية هو فكرة ضمن أفكار كثيرة تبنتها الدولة مؤخرًا لتشجيع المستثمرين على ضخ عملة صعبة في البلاد، مشيرًا إلى أن الحكومة لديها خريطة استثمارية توضح الأراضي المطروح بيعها لتنفيذ أنشطة استثمارية. 

وفي جميع الأحوال، بحسب رأيه، لا يتم بيع تلك الأراضي سواء للمستثمرين المصريين أو العرب أو الأجانب إلا بعد أخذ رأي وزارة الدفاع والمخابرات وباقي الأجهزة السيادية والأمنية للتأكد من توافر اعتبارات الأمن القومي في كل ما يتعلق بالمشروع.

«الدول المجاورة تعطي امتيازات لجذب المستثمرين، ودولة مثل المغرب تمنح الأرض بالمجان للمستثمرين لتشجيعهم على الاستثمار لديها»، يقول العوضي مشددًا على أن «المستثمر اللي جاي يستثمر في أصل ثابت منخافش منه، هو في الآخر هيصرف على الأصل ده وهيشغل مصريين ولو عايز يبيعه هيسيبه ويمشي، ولو الدولة احتاجت الأرض تقدر تاخدها وتديله تعويض».

في مواجهة هذا الرأي، هناك فريق آخر يؤكد أن القرار يفتح الباب أمام بيع جزء كبير من أراضي مصر، بما يمكن المستثمرين الأجانب من السيطرة على القرار السياسي المصري.

عضو لجنة الإسكان بمجلس النواب يصف رفع الحظر على تملك الأجانب للأراضي الصحراوية بالتزامن مع الإبادة الجماعية لأبناء الشعب الفلسطيني وتكرار حديث المسؤولين الاسرائيليين عن محاولات توطين سكان غزة في سيناء بأنه «أمر يثير الريبة»، خصوصًا مع إعلان إسرائيل عن خطط مختلفة لتهجير الفلسطينيين من أرضهم من بينها الحديث عن امتلاك مصر لملايين الوحدات السكنية غير المسكونة في المدن الجديدة وإمكانية استيعابها للفلسطينيين مقابل قرابة 20 ألف دولار لـ«الشقة»، وأن إسرائيل لديها شركاء يستطيعون تشييد 10 مدن، فضلًا عن عرضها المغري بتصفير ديون مصر الخارجية وضخ مليارات الدولارات للاقتصاد المصري.

ويشدد مغاوري على أنه ينحاز للاستثمار ولا يمانع منح الأراضي للمستثمرين «الجادين»، لكن «بنظام حق انتفاع ولو بالمجان، حتى تظل الدولة المسيطرة على الأراضي»، مضيفًا أنه يجب أن تحدد الحكومة المجالات المطلوب الاستثمار فيها في البلاد.

«نرحب بالاستثمارات في المجال الزراعي والصناعي، لكن أن يتم ترك الأمر دون ضوابط مثلما هو حاصل الآن يمكن أن يتبعه تأسيس المستثمرين لمدن كاملة للفلسطينيين أو غيرهم»، يقول مغاوري، مشددًا على أن تمليك الأراضي الصحراوية للأجانب دون ضوابط في ظل قانون منع الطعن في عقود الدولة الذي يحظر طعن المواطنين على صحة بنود العقد من ناحية وفي ظل إمكانية لجوء هذا المستثمر إلى التحكيم الدولي من ناحية أخرى، من شأنه أن يجعل القانون المنتظر تصديق رئيس الجمهورية عليه لغمًا قد يخلف أضرارًا اقتصادية وسياسية لا يمكن تداركها.

عن الكاتب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن