دردشة «بيئية» مع محمد يونس: عن تلوث الهواء وما يخصنا في قضايا تغير المناخ
من قش الأرز إلى الخطاب العالمي حول التغير المناخي واحترار الكوكب، قد لا تجدون لأنفسكم موطئ قدم لفهم كيف تخصكم قضية البيئة التي يتسع الجدل حولها يوميًا بالتزامن مع بدء مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي 2021 «COP26». هذا ما قد يبدو لأول وهلة، ولكن هذا النقاش مع الباحث في وحدة العدالة البيئية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، محمد يونس، أظهر العلاقة القوية بين قضيتي البيئة والعدالة الاجتماعية، خاصة من زاوية تفشي فيروس كورونا وعلاقته بتلوث الهواء وهشاشة المجتمعات المحلية الأكثر تعرضًا له للإصابات الأخطر.
مدى مصر: تعرف أن النقاش حول القضايا البيئية قد لا يبدو أمرًا شعبيًا في بلد كمصر، ولذلك فدعنا نسأل الأسئلة الأسهل، أولًا، كيف تمس قضايا البيئة حياتنا اليومية؟
محمد يونس: الإجابة على هذا السؤال ببساطة تعني أن نتحدث في المقام الأول عن تلوث الهواء بالذات. وهو الجانب المسكوت عنه الذي جرى تهميشه في النقاش العالمي حول وباء «كورونا». أولًا: تلوث الهواء يسبب هشاشة كبيرة في قدرة الرئة على تحمل التعرض للفيروس، وبالتالي الإصابة بالمرض ومواجهة الأعراض الناجمة عنه ومضاعفاتها. بدأ النقاش حول آثار التلوث على الرئة -بين علماء البيئة- ومدى قدرتها على مقاومة «كورونا» وتحمل أعراضه، على خلفية التفشي الكبير للفيروس في إقليم لومبارديا شمالي إيطاليا. ما يتميز به هذا الإقليم بالذات هو الاعتماد الكبير في اقتصاده المحلي على الصناعة. علماء البيئة الإيطاليين كانوا يرون أن ثمة تدهورًا كبيرًا ملحوظًا في حالات المرضى هناك٬ الأمر الذي جعل نسب اللجوء للمستشفيات بين المصابين هناك مرتفعة للغاية. حاول العلماء مرارًا توجيه النقاش إلى الأسباب المرتبطة بالانبعاثات هناك، خاصة من ثاني أكسيد النيتروجين. لكن هذا الصوت [صوت علماء البيئة] كان منخفضًا للغاية، وجرى تهميشه. كان كل الجدل العالمي، والذي كانت تقوده منظمة الصحة العالمية، ينصب على الإجراءات العملية لوقف الإصابة أو البحث عن حلول لدعم النظام الصحي لتقليل الوفيات. الثابت الآن على كل حال أن التعرض لتلوث الهواء مؤثر بشدة على قدرة الرئة على تحمل تبعات الإصابة بفيروس كورونا. الاستماع لهذا الصوت كان ليؤدي إلى عزل مدن أو مناطق صناعية بالكامل على نحو احترازي، ما يسهم في تخفيض سرعة انتشار المرض. هناك أهمية خاصة للنظر أيضًا لسياسات الإغلاق وسياسات توزيع اللقاح على هذا الأساس. في مصر مثلًا، كان المسكوت عنه فيما يتعلق بسياسات الإغلاق هي الأولوية القصوى التي ينبغي أن تمنح للعمال الصناعيين في سياسات الإغلاق، أي ضرورة أن تجبر الدولة أصحاب الصناعات على إغلاق المصانع في صناعات بعينها لأن العاملين بها هم الأكثر هشاشة حال التعرض للفيروس وفي ما يتعلق بمقاومته، وعلى رأس تلك الصناعات «الزجاج والسيراميك والأسمنت». ما حدث عمليًا كان العكس، فبعد فترة قصيرة من الإغلاق، بدأت سياسة استثناء المصانع من الإغلاق. ولاحقًا، حين بدأ توزيع اللقاح، كانت الأولوية هم كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة. من وجهة نظري كان لا بد منح أولوية إضافية على أساس جغرافي، للقاطنين في مناطق يغلب عليها الطابع الصناعي.
م.م: هل يرتبط التلوث أيضًا على أي نحو بانتقال الفيروس في الهواء؟
م.ي: نعم، لأن الثابت علميًا الآن -بالرغم من تجاهل منظمة الصحة العالمية- هو أن الجسيمات في الهواء٬ وهي كتل صلبة ميكروسكوبية تسبح في الهواء وتمثل نمطًا من التلوث شديد الخطورة على صحة الإنسان على المدى القصير٬ وتسهم في انتقال الفيروس، لأنه يعلق بها وتوفر له ما يمكن أن يعتبر وسيلة انتقال. من المهم هنا أن نتذكر طبعًا مستويات الجسيمات المرتفعة جدًا في مصر. وكما سبق، وأوضحت المبادرة المصرية في بيان قبل نحو شهر، فأن مستوى الجسيمات المسموح له كحد أقصى في القانون المصري [قانون البيئة] يبلغ عشرة أمثال الحد الأقصى الجديد الذي قررته منظمة الصحة العالمية بعدما خفضت الحد الأقصى المسموح به إلى النصف. طبعًا الحد الأقصى للجسميات الذي يقره القانون المصري لا علاقة له عمليًا بالمستويات التي تكشف عنها البيانات المتاحة حول مستوى الجسيمات بالهواء في مصر.
م.م: لكن الكثير من البيانات الحديثة تشير إلى أن مساهمة مصر في الانبعاثات على المستوى العالمي لا يتعدى 0.6%. كيف يمكن أن نفهم هذه البيانات في الوقت الذي تتحدث فيه عن ارتفاع كبير إلى هذه الدرجة في مستوى الجسيمات في الهواء؟
م.ي: الجسيمات الأكثر خطورة والتي كنت أشير إليها خاصة في حديثي عن معدلاتها في مصر، ذات قطر يبلغ 2.5 ميكرون، وخطورتها ترتبط بالحجم. فكلما انخفض حجم الجسيمات زادت الخطورة، بسبب قدرتها كلما صغر حجمها على اختراق رئة الإنسان. أما الانبعاثات، فهي كل شيء تقريبًا نتج عن وجود الإنسان أي من خارج النظام الطبيعي سواء جسيمات أو غيره. ومن ضمن الانبعاثات مواد معينة في صورة غازات غالبًا ذات تأثير ضعيف أو معدوم على صحة الإنسان من قبيل ثاني أكسيد الكربون. هذا الغاز على سبيل المثال، لا يؤثر تقريبًا على صحة الإنسان، لكنه يحمل تأُثيرًا على احترار الكوكب. وبتبسيط -مخل بعض الشيء-. حينما نتحدث عن تلوث الهواء، غالبًا نحن نشير إلى مستوى الجسيمات، أما حين نتحدث عن الانبعاثات فنحن نتحدث غالبًا عن غازات دفيئة أو مؤثرة على احترار الكوكب والتغير المناخي. مصر كبلد لا يمكن أن يقارن على مستوى التقدم الصناعي بالعالم المتقدم، ولهذا ينتج انبعاثات أقل بكثير بكل تأكيد، لكنه ينتج ملوثات عالية للغاية بسبب توطن الكثير من الصناعات «المتخلفة» على المستوى البيئي في مصر، وعلى رأسها صناعة الأسمنت مثلًا. ولذلك ترتبط مشكلة الانبعاثات وعلاقتها باحترار الكوكب والتغير المناخي في الأساس بنشاط الدول المتقدمة. لكن بالنسبة لي كباحث في مجال العدالة البيئية في مصر، فإن ما يعنيني في المقام الأول هو مفهوم تلوث الهواء الذي يؤثر على المدى القصير على صحة الإنسان، وهو ما يتجلى في معدل الوفيات الناجمة عن تلوث الهواء. وإذا وضعنا نصب أعيننا خفض التلوث في مصر، فنحن بذلك نحمي الإنسان ونسهم أيضًا في وقف احترار الكوكب، لأن الملوثات تؤثر أيضًا على الاحترار. ومن هذا المنطلق تعد قضية حرق قش الأرز أكثر تأثيرًا على صحة المصريين على المدى القصير من قضايا الاحترار العالمي.
م.م: بمناسبة الحديث عن قش الأرز كإحدى قضايا البيئة الأكثر محلية، كيف تقيم الموسم الحالي؟
م.ي: ممتاز، وزارة البيئة بصراحة تمكنت على نحو كبير من القضاء على ما يعرف بالسحابة السوداء عبر النظام الذي وضعته والقائم على شراء قش الأرز من الفلاحين وإعادة تصنيعه.
م.م: ماذا عن المقاربات الأخرى لأزمة تغير المناخ وتلوث الهواء هنا؟
م.ي: الصوت الأعلى في ما يتعلق بتغير المناخ ليس صوت علماء البيئة، بل صوت المستثمرين الذين يرغبون في الاستثمار في الحلول السريعة لقضايا البيئة والمناخ، والمثال الأشهر هو مشروعات التحول للتعليب والتغليف الورقي بدلًا من البلاستيكي، كما لو كان التخلي عن البلاستيك في التغليف حلًا بيئيًا سحريًا، في حين أن الاستخدام المفرط للورق في التغليف قد يعني المزيد من قطع الأشجار [لصناعة الورق] بما يتضمنه ذلك من المزيد من التأثيرات البيئية. السبب في مفارقة كتلك هو أن الهدف يظل المزيد من الاستهلاك بما يعنيه ذلك من استهلاك المزيد من الموارد. ولأن الصوت الأعلى يظل للمستثمرين، نرى السندات الخضراء والتمويل الأخضر يطرحان كحلين سحريين في كثير من الأحيان.
م.م: هل تعتبر السندات الخضراء كأداة لتمويل حلًا؟
م.ي: يمكن أن تقدم تلك السندات حلولًا جزئية فعلًا، كما يبدو الأمر حين تحصل الحكومة المصرية مثلًا على سندات من هذا النوع لتمويل مشروع أقل تلويثًا للبيئة. ولكن، هذا النمط من التمويل سواء عبر سندات خضراء من مستثمرين أو تمويل من مؤسسات دولية، أو بنوك، لا يتعدى مشروعًا بعينه ولا يغير عمومًا من طبيعة السياسات. فعلى سبيل المثال، تحصل الحكومة المصرية على تمويل خارجي لصالح مشروعات خضراء. لكنها تنفق في المقابل من أموال دافعي الضرائب المصرية على استثمارات ملوثة للبيئة. ومن ناحية أخرى، تعمل وزارة البيئة وأطراف حكومية أخرى على التعاطي مع قضايا تلوث البيئة الناجم عن الصناعة بمنطق الوسيط بين المستثمرين والبنوك لمساعدتهم على الحصول على تمويل لمشروعات خضراء بشروط مخففة مثلًا أو فوائد منخفضة نسبيًا. لكن على الجانب الآخر، لا مجال تقريبًا للردع. وبذلك، فالتمويل كأولوية من أولويات المستثمرين يبدو هو الأداة الأساسية. أقصد أن السياسة العامة لا تقضي على الانتهاكات في المقابل، باستخدام الردع، لأن التقاضي البيئي في مصر بطئ للغاية. فعلى سبيل المثال لم نتمكن في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية من الحصول على حكم نهائي في إحدى تلك القضايا التي مرت سنوات طويلة على إقامتها. كما أن العقوبات المالية في قانون البيئة غير رادعة على الإطلاق خاصة بالنسبة للصناعات الكبيرة.
تقارير ذات صلة
كيف تصحرت أجود الأراضي الزراعية في مصر؟
تدهور جودة الأراضي وارتفاع نسبة ملوحتها أدى إلى اندثار أشجار الجوافة التي اشتهرت بها إدكو
حكاية بحيرة.. المنزلة التي ضاقت بالرزق والحياة
تطوير «المنزلة» بالمليارات وشكاوى الصيادين مستمرة
أنت كثير التلوث.. أخلع تيشيرتك المصنوع من البوليستر حالًا
الحلول المستدامة التي تخص الموضة حاليًا ليست هي ما نحتاجه
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن