تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
خُبز غزة المحاصر بين غياب الدقيق والفكة والسوق السوداء

خُبز غزة المحاصر بين غياب الدقيق والفكة والسوق السوداء

كتابة: ثائر أبو عون، محمود بشير 7 دقيقة قراءة
مخبز في غزة / من موقع الأمم المتحدة

مع شروق شمس كل صباح، يتجه أحمد جودة، المقيم في حي الشيخ رضوان، نحو إحدى نقاط بيع الخبز في شمالي قطاع غزة، لينضم إلى طابور طويل ينتظر للحصول على «ربطة خبز» تضم 20 رغيفًا مقابل ثلاثة شيكلات، تكفي بالكاد إخوته وأبناءهم وباقي أفراد عائلته النازحة في العمارة السكنية التي تضمهم.

تستمر نقطة البيع في العمل حتى نفاد الكمية المحدودة، التي تنفد سريعًا مع تكدس مئات الأهالي، ما يقلص فرص جودة في الحصول على الخبز يوميًا، في ظل غياب التنظيم والتدافع بين المنتظرين.

بدأت أزمة نقص الخبز في القطاع تتفاقم منذ منتصف أبريل الجاري، إثر تقليص المؤسسات الإغاثية الدولية كميات الدقيق الموردة إلى المخابز، بحسب ما قاله رئيس المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، إسماعيل الثوابتة، لـ«مدى مصر»، موضحًا أن القطاع يحتاج إلى نحو 450 طنًا من الدقيق يوميًا لتغطية الاحتياجات، في حين لا يتوفر حاليًا سوى نحو 200 طن يوفرها برنامج الأغذية العالمي، وهي كمية مخفضة أيضًا عن السابق، فيما توقف المطبخ المركزي العالمي كليًا عن إمداد المخابز بكميات دقيق كانت تتراوح بين 20 و30 طنًا يوميًا.

بحسب الثوابتة، أدى هذا التراجع إلى انخفاض إنتاج الخبز بنحو 60%، ليصبح قُرابة 133 ألف ربطة يوميًا، يُنتجها نحو 30 مخبزًا في أنحاء القطاع، وتوزع بين المساعدات المجانية والبيع المدعوم بسعر مخفض عبر نقاط توزيع معتمدة.

أحد أصحاب المخابز في غزة، طلب عدم نشر اسمه، قال لـ«مدى مصر» إنه اضطر إلى تقليص إنتاجه مع انخفاض كميات الدقيق، مشيرًا إلى أن مخبزه ينتج حاليًا نحو ألفي ربطة يوميًا، مقارنة بخمس آلاف سابقًا، في حين «حجم طلب المواطنين على الخبز أكبر بكثير من حجم المتوفر وما يمكن إنتاجه في الوقت الحالي».

معاناة جودة، يواجهها يوميًا أيضًا محمد الزرد، الذي وصف الحصول على ربطة الخبز بأنها «مهمة شاقة للغاية»، إذ يضطر للسير لساعات للحصول على ربطة، يعود إلى أسرته دونها في كثير من الأيام، في ظل إغلاق المخابز ونقاط التوزيع مبكرًا لقلة الإنتاج، حسبما قال لـ«مدى مصر»، مضيفًا أنه يضطر في بعض الأوقات إلى شراء الربطة بسعر مرتفع من آخرين حصلوا عليها من نقطة توزيع أو مخبز.

منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي في غزة، ويلي نيكو، أرجع سبب الأزمة الحالية إلى الفجوة بين ما يغطيه القطاع التجاري وما يمكن لمؤسسات الإغاثة تغطيته، موضحًا في تصريحات لـ«بي بي سي» أن نقص الإمدادات الواصلة إلى التجار دفع العديد منهم للانسحاب من السوق مما خلق عجزًا في كميات الدقيق.

وأضاف أن برنامج الأغذية العالمي يقدم يوميًا 260 طنًا من الدقيق، وهي كمية قال إنها لا تغطي سوى 30% من احتياج القطاع اليومي، لافتًا إلى أن الـ70% الأخرى يفترض أن يغطيها القطاع التجاري.

وعزا نيكو هذه الفجوة إلى «ما وصفه باعتماد غزة خلال العامين الأخيرين، على نظام التحكم في تدفق الإمدادات من الجانب الإسرائيلي، يفتحه ويغلقه وفق اعتبارات أمنية، ما أدى إلى تعطّل خطوط الإمداد من مصر والأردن». 

كما اعتبر منسق الطوارئ في برنامج الأغذية العالمي، بحسب تصريحاته لـ«بي بي سي»، الاعتماد الكامل على المساعدات بدلًا من البضائع التجارية «حلاً غير مستدام»، في ظل تحول استيراد البضائع التجارية إلى عملية احتكار في يد فئة محدودة من التجار سعيًا للربح على حساب القيمة الغذائية.

كان «مدى مصر» نشر، في ديسمبر الماضي، تحقيقًا بعنوان «ملوك المجاعة»، سلط الضوء على احتكار شبكة من رجال الأعمال المصريين والفلسطينيين لعمليات استيراد البضائع، جرى إدخال الكثير منها إلى القطاع تحت غطاء المساعدات، كما كشف عن ملامح نظام احتكاري لإدخال ونقل المساعدات والبضائع التجارية، فيما تشاركت أطراف مختلفة في الاستفادة من تخزين ونقل وتأمين هذه البضائع في مصر وقطاع غزة، وبيعها بأسعار غير مسبوقة، على حساب سكان القطاع الجوعى.

وفي محاولة لسد الفجوة الإنتاجية للخبز، كشف مسؤول الاتصالات في برنامج الأغذية  العالمي في مكتب غزة، ماكسيم لو ليجور، في تصريحات لوكالة الصحافة الفلسطينية «صفا»، الأسبوع الماضي، أن البرنامج سيدعم ستة مخابز إضافية بالوقود فقط، على أن يوفر أصحابها مستلزمات الخبز من دقيق وخميرة.

ورهن ليجور هذه الخطوة بضمان وصول الإمدادات التجارية من الدقيق إلى أسواق غزة، لافتًا إلى أنها لم تدخل منذ بداية الحرب الأمريكية والإسرائيلية على إيران قبل أكثر من شهر. كما أكد أن «الأغذية العالمي» سيستمر خلال الشهر الجاري في دعم الـ26 مخبزًا المسؤول عنها في غزة، من خلال توفير الدقيق ومستلزمات الخبز والوقود، بطاقة انتاجية 130 ألف ربطة خبز يوميًا.

في تصريحاته لـ«مدى مصر»، حذر رئيس المكتب الإعلامي الحكومي من عودة المجاعة مرة أخرى بين سكان القطاع نتيجة ما وصفها بـ«سياسة التجويع التي يريد الاحتلال تحقيقها»، ولا سيما بتوقف الدعم الدولي للمخابز، الذي يعني أن مزيدًا من الصعوبات سيقف أمام حصول المواطنين على الخبز، الذي يعتمدون عليه غذاءً أساسيًا.

ونتيجة تزايد المشكلات بين المواطنين في الطوابير، استحدث أصحاب المخابز طرقًا لتنظيم العمل خلال وقت البيع، بإعطاء كل شخص بطاقة برقم دوره، حسبما قالت عبير صالحة، المقيمة في جباليا لـ«مدى مصر»، وهي الطريقة التي قالت إنها قللت من المشكلات والمشاحنات، وتضمن إلى حد كبير الحصول على الخبز، ولكنها في المقابل تؤدي لزيادة الوقت اللازم للحصول على ربطة الخبز، مشيرة إلى أن زوجها يضطر إلى التوجه إلى نقطة التوزيع ليلًا، للحصول على بطاقة ترتيبه في الطابور، ليعود في اليوم التالي للوقوف في الطابور فعليًا انتظارًا للربطة.

أما محمد الدواهيدي، فعزف منذ أشهر عن محاولات الحصول على الخبز، وقرر تقليص وجباته اليومية إلى واحدة فقط، بعدما تحول الخبز إلى «سلعة يجري ابتزاز الناس للحصول عليها»، بحسب وصفه لـ«مدى مصر»، مشيرًا إلى أسعار الخبز المضاعفة في السوق السوداء التي أنتجتها الحرب، وهو ما أكده أحمد جودة، المقيم في الشيخ رضوان، والذي يضطر إلى شراء ربطة الخبز من أصحاب البسطات المنتشرة في شوارع الحي، بما يتراوح بين ثلاثة و20 شيكلًا، إذ يرتفع السعر كلما مرت ساعات النهار وبات الخبز شحيحًا داخل كل أحياء القطاع.

وخُلقت السوق السوداء للخبز عبر أصحاب البسطات، الذين واظبوا على حجز مكان في طوابير الخبز المدعوم لبيعه بثمن أعلى. «مضطرين نشتري منهم، لو بدك تعمل خبز في البيت بيكون مكلف أكتر»، يؤكد جودة، الذي أشار إلى عدم جدوى صنع الخبز منزليًا، لندرة غاز الطهو وارتفاع أسعاره (120 شيكلًا للكيلو في السوق الموازية)، وارتفاع أسعار الحطب (20 شيكلًا للكيلو)، مُضيفًا أن «الأزمة خانقة، كل إشي في طابور، وأنت ونصيبك، مرات بيكون في خير كثير في الخبز ومرات بيكون شحيح جدًا».

غير أن صعوبة الحصول على الخبز وارتفاع تكلفة الحصول عليه، دفعا حازم أبو رمضان لتحمل تكاليف صنعه منزليًا، وخبزه على نار الحطب، رغم غلاء أسعار الأخير، حسبما قال لـ«مدى مصر»، لافتًا إلى أن الوقوف في طوابير الخبز المدعوم لا يضمن الحصول عليه، فيما ترتفع تكلفة الشراء من السوق السوداء.

ولم تتوقف أزمة الخبز على ندرته مقارنة بحجم الطلب عليه، وإنما تقاطعت مع أزمة أخرى، وهي عدم توفر الأموال النقدية، بحسب جودة وأبو رمضان والدواهيدي، وذلك نتيجة اشتراط القائمين على تشغيل المخابز ونقاط البيع، أن يكون البيع فقط لمن تتوفر لديه «فكة» متمثلة في «3 شيكل»، دون إمكانية البيع بالعملات الورقية أو بالدفع الإلكتروني، كما جرت العادة داخل القطاع نتيجة لأزمة النقد المستمرة، بعد أكثر من عامين على منع السلطات الإسرائيلية إدخال الأموال إلى القطاع، منذ الحصار المشدد مع اندلاع العدوان في أكتوبر 2023.

أمام كل هذه التعقيدات للحصول على ربطة الخبز، اعتمدت أسرة النازح من شمالي القطاع إلى جنوبه، محمود جلهوم، على الأرز السادة الموزع من تكايا الطعام الخيرية، والتي باتت محدودة أيضًا، وذلك تجنبًا لشراء الخبز بأسعار أعلى من البسطات، أو من المخابز غير المدعومة، «بتيجي أيام بتضلك طول اليوم على رغيف حاف، وممكن ما تغمس بإشي … في ناس كتير لسة عايشين بالمجاعة لأنهم معدومين ماديًا». 

كان بيان لـ«الإعلامي الحكومي»، الأسبوع الماضي، قال إن القطاع يتعرض لعملية «هندسة تجويع» ممنهجة ومتعمدة متصاعدة تمارسها السلطات الإسرائيلية، من خلال التحكم الكامل في تدفق السلع الأساسية، وعلى رأسها الدقيق والخبز، بما يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن الغذائي لسكان القطاع، مشيرًا إلى التراجع في إنتاج الخبز الذي وصفه بـ«الخطير»، نتيجة التضييق الإسرائيلي الشديد على إدخال البضائع والمساعدات الإنسانية.

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن

لا توجد تعليقات بعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني. الحقول المطلوبة (*).