تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«خلي بالك من زيزي».. عندما يتبادل الممثلون والجمهور الأدوار 

«خلي بالك من زيزي».. عندما يتبادل الممثلون والجمهور الأدوار 

كتابة: ناهد نصر 13 دقيقة قراءة

قبل القراءة: تحتوي المراجعة على حرق لأحداث المسلسل.

على مَهل، لفت مسلسل «خلي بالك من زيزي» انتباه قطاع واسع من المشاهدين والنقاد، مكتسبًا موقع مميز بين مسلسلات الموسم الرمضاني الذي اقترب هذا العام من الثلاثين عملًا. لم يكن الوحيد الذي يناقش قضايا اجتماعية، ورغم أنه الأخف روحًا والأبعد عن التراجيديا، لم يكن مع ذلك مسلسلًا كوميديًا. على منصات التواصل الاجتماعي لفت الكثيرون كونه تطرق لاضطراب فرط الحركة ADHD غير المطروق في المسلسلات، لكن قضايا الاضطراب النفسي إجمالًا ليست جديدة في الدراما المصرية. 

بإضاءة مشرقة طوال الوقت، وديكورات وأزياء وشخصيات، بل وحكايات عادية، لا يبدو للوهلة الأولى أن هناك ما يميز «خلي بالك من زيزي» العمل الدرامي الثاني للمخرج الشاب كريم الشناوي، فكرة منى الشيمي، شريكة كتابة السيناريو والحوار مع مجدي أمين وبإشراف مريم ناعوم. لكنه مع ذلك أبعد ما يكون عن مجرد مسلسل اجتماعي آخر يناقش المآسي بخفة روح.

تأمُّل الطريقة التي تتطور بها الأحداث، والعلاقة بين الشخصيات ينبئ أن المسلسل مبني على وعي مختلف وغير مسبوق في مسلسلاتنا ببناء العمل الدرامي وعلاقة العمل الفني بالجمهور. بناء يهدف إلى إحداث تأثير يتجاوز حدود العطف على الشخصيات إلى امتلاك الجمهور لمفاتيح الفعل. وهنا بالذات تكمن سر جاذبية المسلسل؛ كونه يدمر البنية التقليدية للعمل الدرامي، ويؤسس لبنية جديدة أقرب إلى وصفها بالتفاعلية، التي يجد المشاهد من خلالها أنه شريك في الأحداث، بصورة ما، وليس فقط متأثرًا بما يدور على الشاشة. هو يقدم عالمًا عاديًا، يشبه عالم جمهوره المختار. بيد أن هذا العالم ليس سوى وسيلة لما هو أبعد من ذلك، وسيلة لاختبار أسلوب تفكير مختلف. إنه يقدم صيغة مغايرة لصنع عمل درامي.  

تجري أحداث المسلسل في عالم الطبقة الوسطى بين أُسر يعمل معظم أفرادها في وظائف مرموقة في مصر أو في الخارج، تدر عليهم دخلًا يظهر أثره في نوعية المدارس والجامعات التي يرتادونها، ونوعية المنازل التي يسكنونها وفي خياراتهم المصيرية، وأذواقهم، وأسلوب حياتهم اليومية، وكذلك المعضلات التي تواجههم. تقود الأحداث من الحلقة الأولى زيزي (أمينة خليل) زوجة شابة في منتصف العمر تبدو متوترة بشكل مبالغ فيه طوال الوقت في علاقتها بزوجها، وأسرتها، وطبيبتها في عيادة النساء والتوليد، وحتى بسائس السيارات في الشارع العمومي. 

في البداية، يتكون لدينا شعور بأن مشكلتها الأساسية تكمن في عدم قدرتها على الإنجاب ومحاولاتها الجراحية المضنية التي بلا جدوى. ثم نشاهد تدريجيًا كيف أن سوء مزاجها المزمن يُفسد حياتها، إلى أن تخوض رحلة طويلة من اكتشاف الذات تتعرف خلالها على حقيقة إصابتها باضطراب فرط الحركة ADHD وتسترجع فيها الرواسب التي خلفتها الطفولة في الأسرة والمدرسة، وصولًا إلى إدراكها طريق الحل. وخلال هذه الرحلة تقودنا إلى عوالم شخصيات أخرى نكتشف أنها بلا استثناء تعاني عقدها الخاصة التي تدور كلها في إطار أثقال الماضي، المختبئة تحت طبقات من التجاهل. وهم لا يصلون إلى السلام النفسي والتصالح مع الذات إلا بخوض رحلات شبيهة برحلتها. 

caption

وهنا يكمن اختلاف السيناريو المبني على التقاطع بين الشخصيات بصورة تبدو معها الحكايات وكأنها نسخ مكررة من بعضها البعض، لكن الطريق الذي تقوده كل شخصية إلى الحل مختلف عن الآخر. وهنا بالذات يكمن سر العلاقة الفريدة التي يبنيها المسلسل مع الجمهور، إذ يفتح آفاقًا متعددة وزوايا مختلفة للنظر تحفزه على التأمل والاختيار ولو بشكل غير مباشر. 

لا يمكن تلخيص مسلسل «خلي بالك من زيزي» ببساطة في أنه يحكي حكاية  زيزي الشابة في منتصف العمر التي تكتشف مع تطور الأحداث أنها مصابة باضطراب فرط الحركة فينتهى بها الحال إلى النهاية السعيدة حين تقرر تأسيس مدرسة للأطفال الذين يعانون من الاضطراب نفسه حتى لا يواجهون نفس مصيرها. فالمسلسل هو حكاية عن القهر الممتد الذي تواجهه الشخصيات في السياق الاجتماعي والثقافي الذي نشأوا ويعيشون بداخله، ورحلتهم نحو مواجهة أسباب القهر من خلال تحرير ذواتهم وصولًا إلى التصالح معها. 

المعنى في الرحلة لا في الوصول

أحد عناصر الاختلاف في بناء المسلسل أنه لا يبشر بحلول جديدة لمشكلات قديمة، وإنما في الطريقة التي تصل بها الشخصيات إلى الحل، بحيث لا يكون الحل نفسه هو المراد بل كيف استطاعت الشخصيات الخروج من مساحة الأمان وتجريب بدائل جديدة للوصول إلى الحل. 

مثلًا، تفشل والدة تيتو (ريم عبدالقادر) الطفلة المصابة هي الأخرى باضطراب فرط الحركة في احتواء ابنتها وإدراك الطريقة المثالية للتعامل معها، بينما تحاول زيزي ابتكار أساليب مختلفة، تفشل حينًا وتنجح حينًا في التعامل مع الطفلة، حتى تكتشف الأسلوب المناسب. وهنا فقط تكتشف الأم أن مشكلتها الأساسية كانت في أنها تكرر حلولًا قديمة اختبرت فشلها، دون أن يكون لديها القدرة على الخروج من مساحة الأمان الخاصة بها وتجريب حلول جديدة. 

caption

وعلى نفس المنوال، يقرر الدكتور هشام عسل (علي قاسم) طلاق زيزي، محملًا إياها كل أسباب تعاسته. لكنه سرعان ما يقرر استبدال علاقته غير الناجحة بأخرى ليكتشف أنه يعيد إنتاج حياته القديمة بشخص جديد. فقط حين يقرر وقف عجلة إعادة الإنتاج ويجرب طرقًا جديدة للتعرف على ذاته والتصالح معها، يدرك الحل. وجد طريقه في التحرر من العمل الأكاديمي وخوض تجربة عمل جديد من الصفر في مصنع والده، والتراجع عن التسرع في الزواج، والخروج من السلبية التي تُمكن الآخرين تدريجيًا من السيطرة على حياته باستسلام. 

وهكذا، يدرك المشاهد بالتدريج والتكرار أن الحلول التي تصل إليها الشخصيات ليست الهدف في ذاتها وإنما الطريقة التي يصلون بها إلى تلك الحلول. وهنا بالذات يكمن السر في قدرة المسلسل على بناء علاقة تفاعلية مع الجمهور في حدود ما يمكن أن يتيحه مسلسل تليفزيوني، موقع المشاهدين فيه خلف الشاشة وأبطاله بداخلها دون أن يمتلكوا الفرصة للتأثير على الأحداث (وهي إمكانية صارت متاحة بشكل متنامي فيما يعرف بالمسلسلات والأفلام التفاعلية). لكنه بدلًا من ذلك يطرح نماذج متكررة لنفس المشكلات، وطرقًا مختلفة للتعاطي معها، الكثير منها مبتكر. وكأنه بذلك يستبدل المشاركة المباشرة للجمهور بطرح حلول من وجهات نظر مختلفة، وتأمل ما الذي يمكن أن يؤدي إليه كل حل. وبالتالي يضمن حدًا معقولًا من القدرة على التأثير في وعي المتلقي الذي يجد نفسه مشاركًا في حدود موقعه بالحكم على التجارب المختلفة التي يمر بها الأبطال، وقادرًا على التقييم والاختيار بين المسارات المقترحة، وفي الوقت نفسه تأمل الذات والتفكير في البدائل المناسبة لمشكلاته. 

الشاشة.. مسرح المقهورين

لا يقدم المسلسل شخصيات خارقة تمتلك حلولًا سحرية، وإنما تخوض تجارب تحاول من خلالها تغيير واقعها بمساعدة مباشرة من الآخرين أحيانًا، واستلهام تجارب بعضها البعض في أحيان أخرى. وهو يشبه في تركيبته وطرق سرده مسرح المقهورين، الذي نظَّر لقواعده المسرحي البرازيلي أوجستو بوال. في هذا المسرح تقف مجموعة الممثلين في مساحة غير منفصلة عن المشاهدين يعرضون من خلالها مشكلة ما، وعندما تصل المشكلة إلى ذروتها يتوقف العرض ويدعى الجمهور لاقتراح حلول وتجريبها بأنفسهم على المسرح. ليتأمل الباقون ما ينتهي إليه ذلك الحل، ثم يجربون حل آخر، وهكذا. وخلال هذه العملية يتأمل المشاهدون داخل ذواتهم ويستدعون مشكلاتهم الخاصة التي ليست بالضرورة متقاطعة مع تلك المطروحة على المسرح، مكتسبين وعيًا جديدًا في قدرتهم على تجربة الحلول واختيار البدائل. 

على أحد المستويات تمارس الشخصيات في المسلسل دور الممثلين والمشاهدين في مسرح المقهورين. فكل منهم يستلهم تجربة الآخر في رحلته نحو الحل. يكتسب الثقة في قدرته على القفز من مساحة الأمان واكتشاف حلول جديدة. يتخلص من الرضى بما كان يظنه قدرًا لا فكاك منه. 

كريمان (سلوى محمد علي) التي ارتضت الإبقاء على زواج ميت لعقود يعيش فيها الزوج بعيدًا ومتزوجًا بأخرى مكتفيًا بإرسال المال، تكتشف من خلال تجربة شقيقتها ناريمان (صفاء الطوخي) أن الطلاق ممكن وأن مساحة الأمان التي حبست ذاتها فيها لا بد وأن تزول. لكن ناريمان نفسها ما كان لها أن تصل إلى القوة والحسم في حياتها الجديدة بعد المعاش، إلا عندما اختبرت تجربة ابنتها زيزي من الطلاق، وحتى التصالح مع اضطراب فرط الحركة. كل شخصية هنا تلعب دور الملهم لباقي الشخصيات، سواء بتجريب نموذج النجاح أو التعلم من الفشل. 

caption

وعلى مستوى آخر، تمارس شخصيات المسلسل نفس الدور مع الجمهور. فكأن المسافة بين شاشة التليفزيون والكنبة هي المسافة نفسها بين الممثلين في عرض لمسرح المقهورين، والجمهور. لا يُدعى المشاهد على المسرح لاقتراح وتجريب حلول، لكنه يتأمل زملائه خلف الشاشة يفعلون ذلك، إذ يكسر المسلسل بشكل ما البنى التقليدية القائمة على سلطة الممثل الواقف على خشبة المسرح الذي يمتلك الحقيقة، والمتلقي الذي يتماهى مع الأبطال لينفس عن همومه بشكل مؤقت خلال مدة المشاهدة. 

لا ملائكة ولا شياطين

ويكسر المسلسل أيضًا المنهج التقليدي لبناء الشخصيات، فهو لا يعتمد على فكرة الأخيار والأشرار، كما لا يعتمد على فكرة أن الخير والشر موجودان في كل البشر.  هو لا يعترف بوجود الخير والشر، بل بأبناء التجربة والسياق، المغامرون منهم وهؤلاء الذين يستلهمون تجربة المغامرين. فالأزمة في الداخل؛ داخلنا. ولا تصل الشخصيات إلى السلام النفسي إلا عندما تعترف ولو ضمنيًا بأنها جزء من المشكلة. فلا وجود لضحايا في المطلق لأن الجميع شريك في المسؤولية عما وصل إليه بقمع الذات والاستجابة لمخزون القهر، وبالتالي تكمن بداية الحل في تحرير الذات من الهواجس والمخاوف ومساحات الأمان الوهمي التي تقيد التطور والتغير.

يبدو ياسر عسل (تامر نبيل) شقيق هشام، في البداية شريرًا وانتقاميًا في إدارة طلاق شقيقه من زوجته زيزي، وفي سيطرته على مصير شقيقه في كل المناسبات، لكننا ندرك في النهاية أنه ليس مدفوعًا في أفعاله بعنصر الشر أو الخير، وإنما بأسلوب تفكيره التقليدي المحافظ الرافض للتغيير. فقط عندما تنجح تجربة هشام في تحرير ذاته يصبح مُلهمًا لشقيقه المحافظ. 

مراد الفرماوي (محمد ممدوح) محامي الأحوال الشخصية، يقدم بدوره نموذجًا مغايرًا لمحامي الأحوال الشخصية التقليدي، الذي جرت العادة على أن يحاول اختلاق ثغرات الإيقاع بالخصم. على العكس من ذلك، هو يدرك أصل مشكلة زيزي دون أن يغريه التعامل مع العرض. يدعو موكلته المصابة بالغضب الدائم لعالم جديد تكتشف من خلاله جوهر أزمتها، عالم الطب النفسي، والمسرح العلاجي، والرياضة. فتتعرف مع الوقت على ذاتها الحقيقية التي اختفت تحت طبقات من القهر المجتمعي والثقافي، فتدرك بمفردها طريق التصالح مع الذات، فلا يكون الطلاق هو اللحظة الفاصلة في حياة البطلة وإنما تحرير الذات. 

caption

لكن المسلسل لا يقدم أيضًا آلهة معصومين من الخطأ، بل ينزع سلطة الحكمة المطلقة عن جميع أبطاله. فمراد نصير النساء يواجه ذاته في آخر الأمر بأنه متورط في عدم الثقة في قدرات أخته هدى (أسماء جلال) والثقة المفرطة في حُكم والدته الراحلة على الأمور. والدكتور سامي (صبري فواز) الطبيب النفسي صاحب الفضل في وصول زيزي إلى التصالح مع الذات، متورط في أزمة مع ذاته نتيجة شعوره بالذنب تجاه وفاة ابنه.

caption

وهم الكليشيه

يبدو المسلسل واعيًا بجدية لسياق القضايا التي يناقشها من دون مباشرة فجة ولا مبالغات، فهو يقدم عالمًا قريبًا من خيال الجمهور الذي يستهدفه، عالم الطبقة الوسطى. دون أن يسعى للفت انتباهه بعيدًا عن جوهر ما يدور من خلال الديكور أو الأزياء إلا في حدود ما يعكس صفات الشخصية. مسار حكايات كل الشخصيات مرتبط بانتمائها لطبقتها وسياقها الاجتماعي والثقافي بأسلوب مدروس يستعرض ثلاث أزمنة: الحاضر (المشكلة)، الماضي (كيف تشكلت) والمستقبل (ما العمل؟) وفي هذه الرحلة بين الحاضر والماضي والمستقبل، تختبر الشخصيات البدائل المختلفة ويشاركها المشاهد في التجربة، ليس بصعوده المباشر على المسرح، ولكن بتحفيزه على تأمل النتائج المختلفة لكل اختيار. لكن، على الرغم من الوعي بالسياق الاجتماعي والثقافي للشخصيات، فإن المسلسل لا ينساق في أي حكاية أو موقف للكليشيهات المحفوظة والمتوقعة، سواء في الدراما أو في الوعي العام. 

فالعلاقة بين الأجيال هنا، على سبيل المثال، ليست محكومة بالفكرة التقليدية لصراع الأجيال الذي لا فكاك منه، بل بخيارات الأفراد وتطور وعيهم، وهناك دائمًا فرصة بديلة لا تسقط بالتقادم لتغيير الواقع دون الارتماء في أحضان مرارات الماضي. تنتمي شخصيات المسلسل لأجيال مختلفة، في إطار سردية الماضي والحاضر والمستقبل، لكنه لا يحكم على تجارب الشخصيات بحكم انتمائها لجيل ما، فهو لا ينتصر لجيل، وإنما لتأثير التطور على علاقة الأفراد بأنفسهم ومجتمعهم. الدكتور هشام الأكاديمي في عقده الثالث، يتعلم من تلميذه سراج (حسن مالك) الذي يصغره بجيل أو جيلين. فقط لأنه يمتلك الأفق الذي يسمح له بمشاركة تلميذه اهتماماته اليومية إلى درجة الاستغراق، يتعلم منه سبيلًا جديدًا لتغيير حياته. في المقابل هو لا يبخل في دعم تلميذه للنجاح في الدراسة. 

caption

على العكس من ذلك، تبدو العلاقة بين ياسر عسل وشقيقه الأصغر هشام قائمة على السيطرة والحماية المبالغ فيها. هو يراه فاقدًا للأهلية بحكم انتمائه لجيل أصغر ويرى نفسه مسؤولًا مسؤولية كاملة عن حياته. فقط حين يواجهه شقيقه بثقل الحماية المفرطة وأثرها على حياته يعيد النظر في رؤيته وأسلوبه. لكن زيزي التي ترفض على طول الخط آراء والدتها، بحكم رواسب الماضي الأليم، تكتشف في النهاية أن هناك فرصة للتعلم من خبرتها. حين تواجه الشخصيات بعضها بعضًا بمخاوفها وآلامها تولد حياة جديدة لعلاقتها وتنهار المرارات. 

لكن، لحظات المواجهة تلك على حدتها لا تنطوي على لحظات درامية مفعمة بالمشاعر تستهدف انتزاع آهات الجمهور، كما جرت العادة في البنى الدرامية التي تستهدف مشاعر العطف على الأبطال لا التعاطف معها. فالمواجهة هنا جزء من العلاج، من التفهم، من التصالح مع الذات، وليست حِلية درامية لاستعراض مهارات الممثلين. 

مُساءلة المقدس

ويتعمد المسلسل إخضاع القيم المقدسة للمراجعة، ليس فقط بتوجيه النقد لها كونها لا تقوم بواجبها على أكمل وجه، وإنما من خلال التشكيك في بديهية وجودها ووجود المؤسسات التي تنشأ فيها، وبالتحديد مؤسسات التعليم والأسرة والعمل. 

فمؤسسة التعليم هنا، المدرسة، ليست فقط مُدانة في التفاعل بالشكل الصحيح مع طفلة مصابة باضطراب فرط الحركة، ولا بكون نظام التعليم بها يؤمن بالقوالب ولا يدرك معنى الاختلاف والتفرد الخاص بكل شخص، وإنما يقدم المسلسل مراجعة لقيمة التعليم بالطريقة التي نعرفها، وقداسة المعلم أيًا كان أسلوبه بالطريقة التي تربينا عليها. ندرك في آخر الأمر أنه لا أمل في إصلاح نظام تعليمي قائم على بنية محافظة، فيكون البديل نظام آخر جديد يحترم ما يناسب فرادة كل شخص. المركز التعليمي الخاص الذي تؤسسه زيزي في النهاية للمتعايشين مع اضطراب فرط الحركة لا يعتبر حلًا فرديًا قاصرًا على فئة معينة، وإنما هو موقف حاسم من نظام التعليم التقليدي.   

أما مؤسسة الأسرة فتبدو وكأنها مصنع صغير للقهر يبث من خلاله الأباء قهرهم الشخصي في الطريقة التي ينشئون بها أبناءهم. لكن المسلسل لا يقدمها على طريقة محاسبة الآباء أو الأبناء على أخطاء الماضي سعيًا نحو الصفح والمغفرة أو الإدانة، وإنما سعيًا نحو استبدال الوعي القائم على الخضوع والسلطوية واعتبار الأبناء كائنات تعويضية للقهر الواقع على الآباء، بوعي بديل قائم على إدراك احترام كيان الفرد بدون النظر إلى السن.  

فقط عندما تعلم وليد (علي الطيب) وزوجته هُدى الاستماع إلى رغبات ابنتهما تيتو تُحل عقدة الأسرة الصغيرة الموزعة بين القاهرة والمنصورة. ويتوقف أفرادها عن إعادة إنتاج مأساة زيزي في ابنتهما. بينما الأم كاريمان، رغم معاناتها المريرة في زواجها، تحاول بكل قوتها إقناع ابنتها نيللي (نهى عابدين) بإعادة إنتاج حكايتها، وبالتالي الوصول إلى نفس المصير. محاولات إعادة إنتاج الماضي أحد طرق السرد التي يلجأ إليها المسلسل في الإنذار من تبعاته والتحريض على مواجهته. 

أما قيمة العمل، ولا سيما عمل المرأة، فلا يتعامل المسلسل معها على سبيل كونها قيمة مقدسة في المطلق تصنع قيمة الفرد، وفقًا للكليشيه السائد. فناريمان، بعد عقود من العمل في وظيفة مرموقة طالما دفنت فيها شعورها بالقهر في حياتها الزوجية، تشعر أنها بلا قيمة في الحياة بمجرد الخروج للمعاش. بينما لا تقبل زيزي ولا هشام الاستمرار في أعمال لا يرغبانها، يقرران في لحظات مصيرية المخاطرة وصولًا إلى السلام النفسي في رحلتيهما لاكتشاف ذاتيهما. لا وجود للكليشيهات، لكن المسلسل لا يتجاهلها بل يُخضعها للمراجعة القاسية.

caption

إجمالًا لا يقدم المسلسل حلولًا درامية من اللامكان تقضي على الأشرار ليذهب الأخيار إلى عالم سعيد، أو تؤكد على أنه لا مجال لانتصار الخير على قوى الشر بحجة الواقعية المفتعلة. وإنما هو يقدم مفاتيح للوصول إلى الحل الشخصي الذي يبدأ من الذات. فجميع الشخصيات التي قررت في النهاية التصالح مع قاهريها، المقهورين بدورهم، هم هؤلاء الذين خاضوا رحلتهم الخاصة للتصالح مع الذات. فِهْم الذات ضرورة واجبة، لا بمنطق أن كل شرور العالم مسؤولية الأفراد، ولكن لأن فهم الذات ومراجعة الماضي للتحرر من ثقله هما الوسيلة الحقيقية للتغلب على منظومة القهر، أو على الأقل التعاطي معها بندية وبدون الكثير من الندوب. ذلك هو العالم الذي يُبشر به «خلي بالك من زيزي» وفي رحلة علاج الشخصيات لذواتهم المقهورة، يستلهم المشاهد وسيلة لعلاج ذاته يشعر أنها تستحق التجريب.

لكن تجربة صنع المسلسل على جانب آخر، هي أيضًا محاولة محفوفة بالمغامرة لتجريب بدائل. فهو يختلف شكلًا وموضعًا، ليس فقط عن دراما رمضان وإنما عن القوالب الدرامية التقليدية، التي تحولت إلى جامدة من النادر الخروج عنها. 

في حوار إذاعي عن أسباب اختياره العمل في المسلسل (فكرة وسيناريو وحوار منى الشيمي، بمشاركة مجدي أمين، وإشراف عام على الكتابة مريم ناعوم)  أجاب المخرج كريم الشناوي «أردت الخروج عن مساحة الأمان الخاصة بي» ربما ذلك بالتحديد هو الوعي الذي جمع فريق العمل لخوض مغامرة شاركت فيها الشركة المنتجة E Producers، ربما تمثل علامة مهمة في الدراما المصرية، لا على سبيل تحويلها إلى أيقونة، وإنما تحفيز تجارب تخاطب الوعي بجدية دون أن تفقد عناصر المتعة والتسلية. 

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن