تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حيرة النظام: ماذا لو عض الفقراء أصابعنا ونحن ننتزع اللقمة المدعومة؟

حيرة النظام: ماذا لو عض الفقراء أصابعنا ونحن ننتزع اللقمة المدعومة؟

كتابة: أميمة إسماعيل، رنا ممدوح، عايدة سالم 9 دقيقة قراءة

قبل خمس سنوات، أكد الرئيس عبدالفتاح السيسي بشكل قاطع أن «رغيف العيش لم يمس ولن يمس» وأن «الدولة حريصة أن يستمر سعره كده». لكن عوامل مختلفة تسببت في تغيير هذا الموقف. هذا الإعلان جاء في أغسطس الماضي، حين قال الرئيس إن «جه الوقت إن رغيف العيش أبو خمسة صاغ يزيد ثمنه مش معقول أدي 20 رغيف بثمن سيجارة».

تتعلق أسباب تغيير هذا الموقف بضغوطات اقتصادية عامة بسبب التزام مصر بخطة تقشف تستند إلى برنامج إصلاح اقتصادي قيد التنفيذ منذ أعوام. لكن، هذه الأسباب تعقدت كثيرًا خلال الشهور الماضية بسبب موجة تضخمية تضرب العالم كله، نتج عنها ارتفاع غير متوقع في أسعار القمح، وبالتالي ضغوط أكبر على برنامج دعم الخبز.

هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى، يظل الخبز المدعوم موضوعًا له حساسية سياسية كبيرة؛ حساسية ألمح لها السيسي أثناء إعلانه عن نية حكومته رفع سعر الخبز المدعوم حين أوضح أن البعض قد ينصحه بترك الأمر لرئيس الحكومة أو وزير التموين لتحمل مسؤولية الأمر. لكنه قرر: «أنا من سيتحمل المسؤولية أمام شعبي وبلدي»، بحسب تعبيره.

وبحسب مصادر حكومية مختلفة قريبة من دوائر صنع القرار تحدثت إلى «مدى مصر» خلال الشهور الماضية، فإن تقديرات الأجهزة الأمنية تنصح بتأجيل اتخاذ هذا القرار بسبب احتمالية تسببه في سخط اجتماعي لا تُعرف أبعاده.

وبين الضغوط الاقتصادية الملحة والتقديرات الأمنية المتشائمة يقبع مأزق نظام الحكم فيما يمكن فعله بخصوص برنامج دعم الخبز. وفي انتظار مخرج من هذا المأزق، يتجمد الحديث الآن عن سعر جديد للخبز، وحتى إشعار آخر.

يستفيد من دعم الخبز أكثر من 67 مليون مواطن، بواقع خمسة أرغفة للفرد يوميًا، بإجمالي دعم 51 مليار جنيه سنويًا، بحسب موازنة العام المالي الحالي 2021-2022. وتوقعت الحكومة في الموازنة أن يبلغ متوسط سعر طن القمح المستورد 255 دولار، كما توقعت استيراد 5.111 مليون طن.

لكن أزمة تضخم عالمية تسببت في رفع سعر القمح من روسيا ورومانيا وأوكرانيا ليتراوح بين 328.05 دولارًا للطن و360.03 دولارًا للطن في نهاية أكتوبر الماضي. وطبقًا لسارة سعادة، محللة الاقتصاد الكلي، فإن كل عشرة دولارات زيادة في سعر طن القمح تضيف 2.5 مليار جنيه عبئًا إضافيًا على الموازنة.

بسبب هذا العبء، اضطرت الهيئة العامة للسلع التموينية إلى إلغاء مناقصات لشراء القمح عدة مرات خلال الشهور الماضية. لكنها اضطرت للشراء قبل أسابيع قليلة بسعر يتجاوز 370 دولار للطن.

إحدى الأدوات التي تفكر فيها الحكومة لتجاوز هذه الأزمة هي عقود التحوط، وهي عقد تأمين ضد ارتفاع الأسعار فوق مستوى معين. استخدمت الحكومة هذه الأداة للتأمين ضد ارتفاع أسعار البترول من قبل. 

لكن قرار اللجوء إلى عقود التحوط ليس سهلًا. تشير سعادة إلى أن هذا يعتمد على التوقعات المستقبلية للسلعة المتحوط ضد مخاطرها. إذا كانت التوقعات تشير إلى استمرار ارتفاع سعر السلعة، فإن التحوط قد يكون منطقيًا. وبالعكس أيضًا.

تمثل هذه الأزمة الحلقة الأخيرة في أزمة اقتصادية استمرت الأعوام الماضية منذ تبني خطة التقشف الاقتصادية. وطوال هذه الفترة، حاولت الحكومة البحث عن مخارج مختلفة لتقليل كلفة دعم الخبز.

لم يتوقف تفكير الحكومة في حلول لتقليص فاتورة هذا الدعم. بحسب مصدرين مطلعين في وزارة التموين تحدثا لـ«مدى مصر» بشكل منفصل وفي أوقات مختلفة خلال الشهور الماضية، طرح وزير التموين، علي المصيلحي، منذ عودته للوزارة في فبراير 2017 سيناريوهين لهيكلة منظومة دعم الخبز. الأول، والأكثر تفضيلًا بالنسبة للوزير، بحسب المصدر الأول، تخفيض حصة الفرد اليومية من الخبز المدعم من خمسة إلى ثلاثة أرغفة، مع زيادة سعر الرغيف إلى 20 قرشًا في المخابز، وكذلك قيمة النقاط التي يحصل عليها المواطن مقابل الأرغفة التي لا يشتريها إلى 20 قرشًا ضمن منظومة نقاط الخبز.

وفي يوليو 2017، أعلنت وزارة التموين عن دراسة توصي فيها الحكومة بتقليل حصة الفرد من الخبز إلى ثلاثة أرغفة في بعض المناطق وأربعة في أخرى بدلًا من خمسة أرغفة يوميًا دون المساس بسعره. لكن احتجاجات ومظاهرات شارك فيها العشرات في عدد من المحافظات احتجاجًا على تقليص الخبز المدعم المسموح للمخابز ببيعها لغير حاملي البطاقات التموينية الذكية، تسببت في تجميد المقترح.

رئيس شعبة المخابز بغرفة القاهرة التجارية، عطية حماد، يعتبر أن تقليل حصة الفرد من الخبز عن خمسة أرغفة يعني عمليًا إلغاء نقاط الخبز. «كل واحد هيصرف العيش بتاعه كله ومش هيعرف يوفر حاجة ياخد مكانها سلع ثانية»، يقول حماد.

والسيناريو الثاني بحسب المصدر ذاته يتمثل في تحرير سعر رغيف الخبز في المخابز، مع صرف دعم نقدي لكل فرد من مستحقي الدعم يقترب من قيمته السوقية.

يعتبر المصدر أن هذا السيناريو هو الحل المثالي لفك كثير من التعقيدات الخاصة بالمنظومة، سواء توريد القمح للمطاحن أو الدقيق للمخابز وتحصيل قيمته منهما، ومحاسبة المخابز التي تعمل بالسولار بسعر مختلف عن التي تعمل بالغاز وغيرها.

طرح وزير التموين تصورًا لتنفيذ هذا السيناريو بالفعل في بداية 2019، تحت مسمى «الدعم النقدي المشروط». بموجبه، يستمر الفرد في شراء الرغيف بخمسة قروش على أن تضيف الحكومة 90 جنيهًا (قيمة دعم الخبز التي تدفعها للمخابز في الوقت الحالي «60 قرش لكل رغيف من 150 رغيف للفرد في الشهر» إلى جانب 50 جنيهًا خاصة بالدعم التمويني) في رصيد كارت صرف الدعم الخاص به.

ظل هذا التصور قيد الدراسة وانتظار قرار رئيس الجمهورية، بحسب رئيس الوزراء، مصطفى مدبولي، الذي صرّح في يناير 2020 بأن حكومته تقوم بدراسته بالتنسيق مع عدد من الجهات للاتفاق على الآليات الخاصة بتنفيذ ذلك، والتوقيت، ثم عرض تقريرٍ وافٍ على رئيس الجمهورية. وفي أغسطس 2020، قررت الحكومة تقليل وزن الرغيف من 110 إلى 90 جرامًا، بما يعني عمليًا خفض حصة الفرد بما يعادل رغيف يوميًا أو زيادة سعر الرغيف بنسبة 18%. وفي المقابل، لم يُعلن عن أي تحرك في المقترحات السابقة حتى أعلن السيسي عن التوجه لرفع سعر الرغيف.

caption

بعد هذا الإعلان، قدمت وزارة التموين دراسة للرئيس تتضمن تدعيم الخيارين السابقين بعدة مقترحات للتنفيذ، بحسب المصدر الثاني بوزارة التموين. أحد المقترحات هو رفع سعر الرغيف إلى 15 قرشًا في المخابز ومنظومة نقاط الخبز، وآخر يتضمن رفع سعر الخبز أكثر من 20 قرشًا، والتعامل مع نقاط الخبز على أساس نسبة من السعر الجديد.

كل الاحتمالات مفتوحة إذًا، والقرار الآن بيد الرئيس وحده، كما أوضح وزير التموين في نهاية أكتوبر الماضي.

لكن عددًا من المصادر يميل إلى تأييد إلغاء الدعم العيني للخبز وأن يتم استبداله بالدعم النقدي. «الحكومة تعطي الفلوس للمواطن وهو حر يشتري عيش أو رز أو مكرونة أو أي سلعة»، بحسب تعبير حماد.

الرأي نفسه أيّده وكيل لجنة الخطة والموازنة بمجلس النواب، ياسر عمر. وفسر عمر، المنتمي لحزب مستقبل وطن المقرب من السلطة، لـ«مدى مصر» بأن «أي سلعة لها سعرين فيها سرقة»، وأن بعض أصحاب المخابز في الوقت الحالي يسرقون في ميزان الرغيف المدعم بإنتاج رغيف يقل وزنه عن 70 جرامًا في حين أن الوزن الرسمي 90 جرامًا.

ولفت عمر إلى أنه في ظل النقص العددي لمفتشي وزارة التموين، لا يمكن القضاء على هذه الظاهرة، معتبرًا أن تحرير سعر الخبز مع التحول للدعم النقدي يقضي على استخدام الخبز المدعم كعلف للحيوانات والطيور، وسرقة وزن الرغيف في الوقت نفسه، ويوفر على الدولة مليارات من فاتورة الدعم، بما يمكّنها من عدم تحميل المواطن أية أعباء إضافية، وتفادي حدوث أي أزمات اقتصادية في الوقت الحالي.

المصدر الأول في وزارة التموين يتفق على أن حل الدعم النقدي هو الحل المثالي، لكنه يستبعد تنفيذه في الوقت الحالي بسبب تحفظات غالبيتها أمنية. السبب، بحسب تفسيره، هو أن ترك سعر الخبز للعرض والطلب يترتب عليه زيادة جودة الرغيف من ناحية، وزيادة الإقبال عليه من ناحية أخرى، ما يمكن أن يؤدي إلى نقص في الخبز وعدم سيطرة الحكومة على سعره، ما يخلق أزمات سياسية وأمنية على حد تعبيره.

هذه المخاوف الأمنية تسببت في تأجيل اتخاذ القرار. عضو مجلس النواب، مجدي ملك، أكد لـ«مدى مصر» علمه من المسؤولين أن القرار مؤجل (لكن السبب طبقًا له هو انتظار التوصل إلى قرار يحفظ حقوق البسطاء ومحدودي الدخل ولا يؤثر عليهم إطلاقًا).

مصدر حكومي مقرب من دوائر اتخاذ القرار أكد لـ«مدى مصر» أن «التقديرات الأمنية لردود الفعل على حديث الرئيس عن رفع سعر الخبز لم تشجع إطلاقًا على المضي قدمًا في تنفيذ القرار».

وأوضح المصدر، الذي اشترط عدم ذكر اسمه، أن الجهات الأمنية تقوم بعملية تقييم دقيق لرد فعل الشارع تحسبًا لحدوث أي مظاهرات ولو محدودة اعتراضًا على القرار، خشية تكرار  الاحتجاجات التي شهدتها البلاد عام 2019.

الموقف ذاته أكده مصدر سياسي قريب من دوائر السلطة والأجهزة الأمنية تحدث لـ«مدى مصر» بشرط عدم ذكر اسمه، مشيرًا إلى خشية الأجهزة الأمنية من تكرار سيناريو التظاهر الذي حدث في سبتمبر 2019 في عدد من المحافظات استجابة لدعوات أطلقها الممثل والمقاول محمد علي المقيم في إسبانيا  للمطالبة بإسقاط الرئيس.

caption

وأضاف المصدر أن التعنيف الشديد الذي وجهه الرئيس للجهات الأمنية في سبتمبر 2019 بسبب غياب التقديرات حول إمكانية حدوث مظاهرات مناهضة للرئيس، قابله أحد معاونيه المقربين منه وقتها، بالتأكيد على أن بعض الأجهزة الأمنية قدّرت حدوث حالة من الاستياء الشعبي على خلفية الوضع الاقتصادي، لافتًا إلى أنه من وقت تلك المظاهرات أصبحت الأجهزة الأمنية، تحت ضغط واضح لتفادي أي تقصير في تقييم أي شكل من أشكال الغضب الشعبي ولو بشكل محدود.

من الناحية السياسية، يرى مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، أن الرئيس السيسي يفخر بأنه يُقدم على ما لم يجرؤ على فعله سابقوه، سواء نقل العاصمة أو تعميق العلاقة مع إسرائيل أو تسليم تيران وصنافير للسعودية، ومؤخرًا رفع سعر الخبز.

غير أنه يرى أن رفع سعر الخبز يظل قرارًا جريئًا وخطيرًا فيما يتعلق بشعبية الرئيس، مشيرًا إلى أن جميع الأنظمة والحكومات السابقة كانت تتبع سياسة ماكرة لتقليل فاتورة دعم الخبز والسلع التموينية، تتمثل في تقليل الوزن وتخفيض جودة السلع لتلافي تحريك السعر، وخصوصًا مع الخبز الذي يرادف العيش بمعناه الواسع في الثقافة المصرية ويشكل مكونًا رئيسيًا في موائدهم.

وأشار السيد إلى أن وجود قوانين تعاقب على الاحتجاج ومظاهر التعبير عن الرأي على الأرض وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، وغياب بحوث الرأي العام واستطلاعات آراء المواطنين الجادة تجاه شعبية الرئيس، بالتزامن مع سيطرة أجهزة الدولة على وسائل الإعلام، قد يكون حافزًا لمضي الرئيس وحكومته في تنفيذ القرار، لكن يظل رهان على قبول 10% من الشعب على الأقل للمساس بقوتهم وتركهم في مواجهة الفقر.

أي قرار سيتخذه الرئيس إذًا؟ بحسب وكيل لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب ياسر عمر لـ«مدى مصر»، تكفل موازنة العام المالي الحالي استمرار بيع رغيف الخبز للمواطنين بخمسة قروش حتى نهاية العام المالي الحالي في 30 يونيو 2022. حتى إذا صح هذا، سيكون على الرئيس والحكومة أن يحسما مصير الزيادة خلال الفترة من بداية يناير وحتى نهاية مارس المقبل المقرر لتسليم مشروع موازنة العام المالي الجديد «أول يوليو 2022 حتى 30 يونيو 2023» لمجلس النواب.

عن الكتّاب

رنا ممدوح

صحفية مصرية متخصصة في الشؤون القضائية والبرلمانية.  عملت لصالح عدد من الصحف المصرية والعربية، منها «الدستور»  و«التحرير» و«المقال» و«الأخبار» [اللبنانية] و«السفير العربي». وذلك بالإضافة إلى عملها كمراسلة لوكالة الأنباء الروسية…

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن