حوار مع طلال فيصل: لا أهتم بفكرة التصنيف وأنا أكتب
عن أحدث أعماله «الغابة والقفص» وعن الكتابة ومصر وألمانيا
في موهبته جمع بين الأدب والطب النفسي، وفي حياته يجمع بين الحياة في مصر وألمانيا، وفي أشهر رواياته «سرور» و«بليغ» مزج الشخصيات الحقيقية بالخيال.
طلال فيصل طبيب نفسي ومترجم أدبي عن اللغتين الإنجليزية والفرنسية، له مقالات وإسهامات في الطب النفسي، و هو روائي بدأ مشواره برواية «سيرة مولع بالهوانم»، ثم حصلت روايته «سرور»، المستوحاة من حياة الشاعر المصري نجيب سرور، على جائزة ساويرس عام 2015، وأتبعها برواية «بليغ» عن حياة الموسيقار بليغ حمدي، وترجمات لنصوص مرهفة مثل رواية نفسية «الإحساس بالنهاية»، والسيرة الذاتية «ذكريات تراني» للشاعر السويدي توماس ترانسترومر الحائز على جائزة نوبل، متسامحًا مع الحياة في مرضه وإصابته بجلطة في المخ.
وهو صاحب أسلوب أدبي فيه المتعة والبساطة واللعب مع القارئ، يشارك معه رحلة بحث عن معنى وحقيقة يتضح مع الوقت أنها نسبية، ولكنها رحلة تمنح القارئ رؤية جديدة للحياة وما فيها، وتظهر طبيعة عمله في التركيز على النفس البشرية وغرابتها ومعاناتها التي لا تنتهي بتغير الزمان والمكان، قد يكون البطل عنده شخصية شهيرة مثل بليغ حمدي وقد يكون طفلًا تائهًا في حي المعادي، أو مريضًا في عيادة نفسية في ألمانيا.
في حواره معنا يتحدث عن الكتابة والنفس البشرية ومصر وألمانيا ومحمد عبد الوهاب وخيري شلبي، بدأنا بأسئلة عن أحدث ما كتب «الغابة والقفص».
- هل «الغابة والقفص» رواية أم مجموعة قصصية، وهل للنشر دور في اعتبارها «رواية»، كيف رأيتها؟
أرى أنها حكايات سيرة ذاتية متنكرة في صيغ رمزية، لم أهتم بفكرة التصنيف وأنا أكتب، وهناك أمثلة كثيرة لذوبان تلك الفكرة، مارجريت آتود لها كتاب بعنوان «اضطراب أخلاقي» صدر مرة باعتباره مجموعة قصصية وأخرى باعتباره رواية، وهو قريب جدًا في بنيته من «الغابة والقفص»، وهو شكل ليس جديدًا ونجده عند نجيب محفوظ في «المرايا» و«حديث الصباح والمساء» و«حكايات حارتنا» الصادرة باعتبارها رواية. لو رأى القراء أنها مجموعة قصصية أو متتالية فلا مشكلة، الناشر رأى أنها قصص مترابطة تدور في ثيمة واحدة في فلك الطب النفسي فاعتبرها رواية. قيل إن ذلك لأن «الروايات بتبيع أكتر»، لكن الأدب الذي نكتبه ليس سلعة رائجة، سواء كان رواية أو قصص، لو كان هناك رواج فهو مرتبط بالاسم صاحب النجومية الذي يجذب الناس، سواء كتب رواية أو قصص، ولكني متفهم جدًا أن ما كتبته أقرب لمتتالية قصصية لا رواية بالمعنى الكلاسيكي.
- في أول حكاية «الطريق إلى البيت» والتي تدور حول حادثة مؤثرة في طفولة بطلها، هل لا يزال الطب النفسي متأثرًا بالنظرة الفرويدية للطفولة، أم أصبحت الوراثة هي الأكثر تأثيرًا في الرؤى الجديدة في علم النفس؟
بالفعل بدأ فرويد بتصور أن كل معاناتنا سببها شيء حدث في الطفولة يصيغ صورتنا عن نفسنا، ثم حدث التغير الكبير في الخمسينيات بنظرية أن نبدأ بملاحظة المشاعر السلبية وتغيير الأفكار السلبية المتسببة فيها، ولكن في السنوات الأخيرة عدنا مرة أخرى أن سبب صورة الإنسان عن نفسه ما تعرض له في الطفولة، وتظل نظرية الارتباط موجودة وهي التي تهتم بما يتعرض له الإنسان من رسائل في طفولته وفقًا لعلاقته بالأم والأب، بأنه مرغوب فيه والعالم مكان آمن، أو أنه غير مرغوب فيه والعالم مكان غير آمن، أو رسائل مختلطة.
كما نلاحظ في القصة فهي فرويدية بامتياز، وقد حاولت فيها أن أكتب عن شيء ذاتي، ولكن برمزية أكثر اتساعًا، وهو ما اشتغلت عليه في كل قصص الكتاب، فتجربة «التوهة» في الطريق حدثت لي فعلًا، كما مررنا بها جميعًا ونحن صغار، وما يمكن أن ترمز له من رحلة يظهر فيها قرد مسلٍ ثم فتاة جميلة ثم الشجار مع الأصدقاء، وما يمكن أن ترمز له مراقبة الأب أو تخيلها من رموز عن رحلة الانسان.
- في ثاني القصص «أربع حكايات ساحرة عن Tinder»، كصاحب تجربة حياة في ألمانيا، كيف شاهدت الاختلاف بين ما يتوقعه الشاب العربي من علاقات عاطفية في مجتمع مفتوح وما يصدمه في الواقع؟
بالفعل يخرج الشاب من البلاد العربية والإسلامية متخيلًا أنه سيجد الحرية، سواء في الجانب العاطفي أو غيره، ولكن ما سمعته من أصحاب القصص التي استوحيت منها حكايتي، أنهم يخرجون من سجن إلى سجن وهي تيمة كل قصص الكتاب، فإذا كنت في بلدك حبيس سجن التقاليد والمجتمع التي ترفضها، فأنت في المجتمع الجديد حبيس النظرة المسبقة لك كمهاجر وحبيس اللغة المختلفة التي تتحدثها، وفي القصة يعود البطل وحيدًا أمام طبيبه النفسي بعد تعرضه لعدة صدمات عاطفية قد تصل للقتل، ولكنه يظل على أمل أن يستمر في استخدام Tinder، آملًا في الحصول على فتاة مناسبة، ومن أجمل الأشياء في الكتابة أن تكتب حكاية سمعتها من شخص أو تجربة مررت بها، فتكتشف أن هناك أشخاصًا كثيرين يعانون من نفس التجربة التي لم يتحدث عنها أحد، فهذا التلاقي جميل جدًا.

- «نسيت رأيي الحقيقي فكيف لي أن أكذب».. يقول بطل القصة الثالثة «كراسة الحقيقة» هذه الجملة التي يخفي فيها الناقد أفكاره الحقيقية، كيف رأيت المجاملات والشللية في الوسط الثقافي، وكيف حولت هذه الرؤية لشكل أدبي؟
لم تأت هذه القصة من شخصية حقيقية، ولكنها نبعت من فكرة «إحنا في حياتنا الحقيقية بنقول كام في المية من رأينا الحقيقي» ليس بالضرورة بمعنى الكذب، ولكن لو قلنا رأينا الحقيقي الصادم طول الوقت فذلك أيضًا لن يكون مريحًا، ومن هذه الزاوية يمكن أن نرى هذا الناقد كمثال لدرجة المأساة، فالصراع بين المثال ومتطلبات الحياة يدفعه للتعبير عن نفسه في «كراسة الحقيقة»، التي تعبر عن مشكلة كل أبطال القصص وهي العجز عن التواصل، والمثال في مثل هذه الحالة عن قول الحقيقة بشكل كامل هو نجيب سرور، فهو كراسة حقيقة في الشارع «يروح يضرب الناس ع القهوة لأنهم كتبوا رواية وحشة»، ليحول الناقد في النهاية مخاوفه من عدم تحقيق المثال لصَدفة أو صندوق يختبئ داخله، وهو ما يمكن أن يجعلك تتعاطف مع الناقد.
لا يمكن إنكار أن المجاملات والشللية موجودة في الوسط الثقافي، كانت وستظل موجودة، وذلك ليس في مصر فقط، لدرجة أن البعض يبالغ ويقول إن حركة الوجودية في الخمسينيات كانت حركة شللية «هما كانوا أربعة خمسة بيقعدوا ع القهوة سوا»، ولكن الخبر السعيد لم تنجح العلاقات الاجتماعية ولا الجوائز ولا الدعاية في صناعة فنان، قد تنجح في ذيوع وانتشار اسمه لفترة، «لا شيء يقف في وجه الجمال»، هكذا قال محمد عبد الوهاب، وقد تستثير تلك المجاملات التحدي لدى من يريد إثبات نفسه فتصل لدرجة جودة ونجاح تجعل تجاهلك مستحيلًا، وأنا شخصيًا كنت محظوظًا ببدايتي خلال الفترة الذهبية للنشر، من 2010 لـ2012، ولكن هذه كلمتي للأجيال الأحدث.
- في قصة «هوس خيري شلبي» وبطلها مريض بالوسواس القهري يسيطر عليه سؤال «هل خيري شلبي أديب عظيم»، أحسست بأجواء مشابهة لروايتي «سرور» و«بليغ»، هل كانت مشروع رواية عن خيري شلبي؟
بالطبع هناك ما يجمع بينهم، وهو نفس النوع من البحث والإعداد، فلقد قرأت كل أعمال الأستاذ خيري شلبي من أجل كتابة تلك القصة، وتتقابل مع أجواء المثقفين في «سرور»، والبحث عن إجابة من خلال أستاذ الجامعة والنقاد والصديق والصحفي، قد تبدو الفكرة طريفة، لكنها رحلة البحث عن سؤال ليست له إجابة نهائية، قد تكون رحلة الإنسان في البحث عن المطلق، التي يقابل فيها المرشد والتابع والمنتفع والعلم والمعرفة الصوفية «هو عظيم لأنه عظيم». والإجابة النهائية أنه ليس هناك إجابة نهائية ولا أحد يمتلكها، ولكن ستظل رحلة الإنسان أن يبحث عنها.
هي قصة طويلة وسمعت عدة آراء، منها رأي الأستاذ بلال فضل، أنها يمكن أن تصبح رواية، لكني مقتنع أن «الأقصر هو الأحلى»، وأنا أقوم بحذف أي جملة وكلمة في كتاباتي يمكن الاستغناء عنها ما دام المعنى مكتملًا وواضحًا.

- هل تظل فكرة عمل رواية عن شخصية حقيقية واردة مرة أخرى؟
نعم، هناك مشروع لم يكتمل عن سيد قطب ورحلته إلى أمريكا، ولكنها تحتاج لإعادة كتابة لإضافة السياق التاريخي لرؤيتي النفسية له، وهناك مشروع عن الموسيقار محمد عبد الوهاب في سنواته الخمس الأخيرة، رجل في التسعين ويقف في وجه الموت ويقدم أغنية «من غير ليه»، وأعتقد بهاتين الروايتين سأغلق مرحلة روايات السيرة لأني سأكون قدمت كل ما يمكنني فيها.
- هل هناك عروض بتحويل رواياتك لأعمال فنية؟
هناك مشروع لتحويل «بليغ» لمسلسل تليفزيوني، أما «سرور» فأعتقد أن تحويلها لعمل فني صعب من الناحية الرقابية، مع أنه شخصية درامية جدًا والممثل الذي سيلعب شخصيته سيستمتع جدًا بالدور «أنا لو ممثل هحب ألعب الدور ده».

- في قصة «دُفعة الغضب» الرمز واضح لطلبة جامعيين يطلبون العلاج النفسي بعد تعرضهم لصدمات من أستاذهم غريب الأطوار المتنقل بين أشكال الحكم المختلفة المتعاقبة على مصر بعد يناير 2011، ما هي في اعتقادك الحالة النفسية للمصريين بعد كل تلك الصدمات والتناقضات؟
ما يمكن أن يحدث للناس هو ما حدث للدُفعة في القصة، «مشوهة.. مخبية نفسها.. فاقدة التركيز.. بتنزل من البيت مش عارفة هي رايحة فين»، والرمز في القصة واضح وقد يكون فجًا، ولكني أرى أن كل الاضطرابات والهزات التي مرت بنا، قد حدثت على السطح فقط، الأفكار العميقة لم تتغير، وهو ما أشرت له في القصة من خلال أسئلة الامتحان التي قد تبدو شديدة التفاهة، مثل سؤال الرقص الشرقي هل هو فن أم قلة أدب؟ وهو سؤال نواجهه كل يوم مع أسئلة مكررة عن ما ترتديه المرأة وعن علاقتها بالرجل، صعب جدًا أن تعيش في مجتمع لم يصل لإجابة في هذه الأسئلة، عن ما هو مقبول أو مرفوض، وهو ما يجعلك تعيد اختراع العجلة كل ثلاثة أيام، كل الترندات والمناقشات مكررة، وأنا لا أطلب أن يكون المجتمع نسخة واحدة، ولكن أن يكون واضحًا ما هو المسموح به وما هو مجرّم قانونًا، وما هي المساحة الرمادية بينهما التي يمكن اعتبارها حرية شخصية، وذلك غير موجود لدينا.
- في القصة السادسة «خرف شيخوخة» والتي تدور عن غرابة أفعال وأقوال شيخ شهير بتفسير القرآن في شيخوخته، سيكون لدى القارئ فضول عن نسبة الحقيقة فيها.
تم تخمين عدة أسماء للشيخ، فسماته في القصة تنطبق على الكثيرين، صوته مميز، حضوره الأساسي في تفسير القرآن الكريم، يرتبط بآذان المستمعين لإذاعة القرآن الكريم، خلفيته ريفية، سيتبادر للذهن الشيخ الشعراوي، وهناك أيضًا عبد الله شحاتة، ومحمد سيد طنطاوي. القصة نبتت من فكرتين، المرضى العرب المصابون بخرف الشيخوخة الذين رأيتهم في ألمانيا يعودون للحديث باللغة العربية رغم حياتهم في ألمانيا أغلب عمرهم، الثانية هي ما نشعر به من اطمئنان لذكريات في طفولتنا، كصوت شيخ أو تلاوة للقرآن أو صوت الجدة، أو أغنية في الطفولة، هل هذا الاطمئنان نابع من مضمون ما نسمعه من أفكار الشيخ، أم أنه مرتبط بأشياء على السطح مثل صوته والمكان القديم والذكريات، هل هي الأفكار أم المشاعر؟ وقد تكون القصة عن هشاشة العقل، وكيف يمكن أن يتحول المصاب بخرف الشيخوخة لشخص آخر.
- بعد قضاء سبع سنوات في ألمانيا كطبيب نفسي، والعودة لمصر، ماذا كانت أهم ملاحظاتك عن ألمانيا ككاتب وطبيب؟
لاحظت تشابه الناس باختلاف أعمالهم وطبقاتهم، فعندما أذكر أنني من مصر، أسمع نفس الكلام والأسئلة بنفس الترتيب، وقد يجعلك ذلك تعتقد أن هؤلاء الناس أقل ذكاءً، ولكني أدركت أنه ناتج عن وجود حد أدنى من التعليم والرعاية الصحية بشكل موحد تقريبًا لكل الشعب الألماني. الملاحظة الثانية هي الصدمة الحضارية العكسية، فقبل أن تسافر تعتقد أن الناس في الشارع تقرأ لهايدجر، وأنك ستعمل مع ممرض بعقلية هيجل، وذلك غير موجود «الناس بتعبير أنديل مواطن أسمر عادي بس هو أبيض». ما تجده هو مفهوم «الدولة» وما توفره من صحة وتعليم، وهو نفسه ما يبحثون عنه في مصر في «الكومباوند»، المدرسة والمستشفى والشارع النظيف والرصيف، أما ما يمكن أن أنصح به بعد تجربة ناجحة في ألمانيا، لا تبحث عن نجاح شخصي مستمد من كونك في دولة ناجحة، ليكن نجاحك مستمد من ذاتك لا مكان معيشتك. وفي حالتي كان لا بد من رجوعي لمصر، لأني سأظل في ألمانيا كاتبًا مغتربًا. بعد وقت قصير لن أجد جديدًا أكتب حوله، سأظل في نفس دائرة الموضوعات. توماس مان، الكاتب الألماني، بعد خروجه من ألمانيا اتجهت كتاباته للموضوعات التاريخية والدينية. ولكي أكون كاتبًا لا بد من أن أفهم من أجلس معهم، ليس فقط من ناحية اللغة بل طريقة التفكير والخلفيات التاريخية والاجتماعية.
- أضفت إجادة الألمانية للإنجليزية والفرنسية، كيف تختار قراءاتك بأربع لغات من الناحية الأدبية، إضافة للطب النفسي والوقت محدود؟
طبعًا هناك صعوبة مع كثرة الكتب المتاحة، لذلك وضعت نظامًا محددًا للقراءة، كتابان أدب، كتاب نقد أدبي، كتاب في الثقافة العامة ثم كتاب في الطب النفسي، والآن اقرأ رواية مهمة ومنسية لدوستويفسكي هي «المراهق» أنصح القراء بها، فهي تجمع بين العمق والسهولة، وهي أول رواية تدور حول فكرة البحث عن الأب، الفكرة التي خرجت منها روايات كثيرة منها «الطريق» مثلًا لنجيب محفوظ.
- ما الجديد بعد عودتك إلى القاهرة؟
عملي كطبيب نفسي ومشروع رواية «هاجس مصري طويل» عن تجربتي في ألمانيا، ورواية سنوات عبد الوهاب الأخيرة.
تقارير ذات صلة
إيران البعيدة والمسكوت عنها
هذا النص ضمن «تقليب» #21 من «مُنتهى الأدب»
سابع مدى| يخرج مرتجفًا من أعماقه
قصائد من ديوان بالعنوان نفسه، صادر حديثًا عن «وزيز»
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن