تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«حكمة الجوعى».. من ديوان «القاهرة»

«حكمة الجوعى».. من ديوان «القاهرة»

كتابة: هدى عمران 4 دقيقة قراءة
لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من قصائد ديوان «القاهرة»

يصدر الديوان قريبًا عن الهيئة العامة للكتاب.

عندما يجوع الإنسان في هذه البلاد القذرة

يتعلم كيف يصبح قاسيًا وعنيفًا

أنا قاسية  للأبد.

الجوع طبق كبير يحوي الدموع 

ليل طويل وبارد 

سِكين في عظام هشة، 

لو نفخت فيها تفرقت مع الرياح 

وَحش ينام في سريرك

ومشي مضنِ في شوارع لن تعرفنا أبدا

لن يذوقه هؤلاء من حولي

تفاهتهم وليمتهم 

شوارعهم بيضاء وفاضحة

ودماؤهم تسعى وراء الطهارة والشرف 

أنت فقط يا أبي صديق جوعي الوحيد

صديق نهمي وهوسي

وغناؤك الحزين وأنت تهدهدني 

عن أبطال منكسرين 

ستجلب لهم النهاية المجد 

جعلتني أحب موتي 

وهذا هو القدر، 

لو استطعتُ إعادة الزمن لسنين 

كنتُ ذهبت معك في الحقول مع الفجر 

طبطبت على الطفل الخائف وهو يرعى عنزته

ووهبت له الأمان المسروق.

لكن الزمن لا يُعاد

والجوع باب حياتي

لملمني يا أبي من هذه البلاد

أنا جائعة  وحزنك وبهجتك هما طعامي 

 أنا جائعة ويدك هي طعامي 

أنا جائعة وقلبك هو طعامي. 

ولا شفاء من ذلك.

***

أرقد في حِجر زوجي وأكلمه عن الجوع

فأتفتت على أرض الحجرة 

أسيل من يديه إلى ذكرياتي 

لم يتبقَ لي منها سوى  جرح كبير 

سوى وجه أبي وهو يوقظني في الليل وفي يده قالب «الجبنة« 

هذا هو ذكرى جوعي للأبد

وجه أبي طبق به قطعة جُبن

أو طبق فارغ 

والفراغ يحل محل الشبع 

والشبع وهم الفقير 

أقول الحكاية أم الطعام، الطعام أم الحكاية 

«حكاية أولها كدب وآخرها كدب»

عن ولد صغير يمشي لآخر الدنيا، ويجد بيضة تتحول لكتكوت والكتكوت يتحول لأرض والأرض تخرج منها بطيخة،

 أنا وأبي ندخلها 

لنبحث عن السكاكين.

هل أنعم بالحب على سرير من السكاكين؟

أزيح حياتي بيدٍ باردة

أغطس رأسي في كأس نبيذ

أشعر بعظامي كزجاج مُشرَّخ

رأسي ثقيل وكبدي سكران 

أرقد في حِجر زوجي 

لكن أبي بداخلي. 

***

لوحة للفنان عمر مصطفى مستوحاة من القصائد

رجل المقهى يحدثني عن أنواع الجُبن التي اختفت

نتشارك الغناء والغرابة

ثم ندخن ونبكي

أنا أبكي في بلد العميان.

الكل يحدق في مكان آخر

وضباب الصبح الكثيف تخرج منه كائنات الليل

تذهب لجحورها بعدما قايضت دماءها بالمتعة

ليتنا نتبادل الأجساد والأرواح

لكننا محبوسون حتى الموت.

في الليل تتجسد الوحدة رداءًا

ليست صماء

لكنها  قماش شفاف يلف القلوب إلى الأبد

هذه القلوب لن يمنعها شيء عن الحزن.

والحزن شيئي النبيل الذي أعيش فيه

حجرتي الآمنة الدافئة.

لكننا في هذا الصباح الثقيل

الذي يتحول لفمٍ جائع

نحاول إنكاره بالضجيج

لنصم أذننا

عن السكون الذي يسبق شيئًا جليلًا

لنقتلع كل شيء في هذه المدينة

يقول صاحبي: الليل طويل وذكرياتي أكبر من حياتي.

أتذكر أن بطلي المفضل سائق تاكسي مهووس يجوب الشوارع باحثًا عن المجد

يقول: «كل الحيوانات تخرج ليلًا»،

 وإيمانه بالعنف يصنع حياته من جديد

أحاول شرح فكرتي،

لكن الدخان الذي يخرج من أفواهنا لفم النهار يغطي القاهرة

في لمحةٍ، ينتشر البوليس في كل مكان

الخوف يتحول إلى مدينة

وكلاب الدولة النائمة تحت الكباري وبين الشقوق.

***

هزمني نَهَمي

وسار بي في دروب موحشة

في بيوت مجهولة

في حيوات وحيوات

العواطف التي امتلأ بها صَدري لم يعرفها سواي

ذقتُ الحب الذي يعني أن الله بداخلك

والألم الذي هو سكين يغرس في قلبك للأبد

هزمني نهمي ومشى بي إلى الدنيا

عابرًا بين مسوخ ونبلاء

بين كل شيء ضيعني

وكل شيء وهب لي حياةً بعد موت

وكأنني وحدي في مدينة هائلة

روحي ترَّف في رياح عاتية

 في شوارع باردة تجرحني

وعندما أرسو بعد سنين الصبا

لم يبق لي إلا اليأس.

وكل ذكرياتي السعيدة

أكلتها وحدتي، أكلتها حريتي، أكلها ماضيّ

ذاكرتي ذاكرة جوع.

كيف ضيعتُ سنيني الغضة

في كل هذا البرد والحرمان؟!

***

من قال إن الجوع شيء نبيل؟

ليته كان مفترسًا، 

يعرف كيف يصيد

ليته الوحش الخرافي الذي نعيش في انتظاره

ليته له فم، وهذا الفم به أسنان حادة،

يسنها

في انتظار غزالة تائهة

ليته يعرف معنى الضياع في البراري وقت الهزيمة

أو  يسير وراء الرغبات المضنية

 أو يشتهي الدم الحار لحظة الموت

لكنه يعرف،

القتال للأبطال، والأبطال هم الأغبياء دائمًا

الجوع زاحف صغير 

مخبأ في الضلوع

 رمادي، خبيث ومُر، 

لا يخرج من مكانه إلا في الوقت المناسب

بعدما تمصمصنا الحياة 

وتنحلنا 

لا يريد حتى العبث، 

العبث به شبهة البهجة

والبهجة جريمة الجوعى  

لكن غرامه الأصيل أسود

مع الجيف 

بعد خروج  الأرواح

عندما تحل السكينة والضباب

يتقدم هذا الكائن بحكمته الأبدية

كُلْ عدوك يا بني في أوهن صورة.  

عن الكاتب

هدى عمران

هدى عمران، شاعرة وروائية مصرية، تحضّر الماجيستير في العلوم السياسية، مهتمة بالنقد الثقافي والأنثروبولجيا السياسية، تعمل حاليا في التحرير الأدبي.

تقارير ذات صلة

#سابع مدى

2011

من ديوان «كأنها مغفرة» كان الفرح أسطورة هزلية تُحكَى لأجيال، في ساحة الحزب مع صور ماركس ولينين وأغاني حماسية عن الثورة تحلقوا حولي وغنوا بفرح طفولي «الليلة يا سمرة يا…

هدى عمران 4 دقيقة قراءة
#سابع مدى

كيف تكونين من هنا

مقطع من «كيف تحب وطنًا» نشره أولًا «كيف تـ»، ونعيد نشره بإذن من «كيف تـ»

أوكسانا تيموفيڤا 27 دقيقة قراءة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن