من الصيد إلى السجن: كيف تبدلت أحوال «برج مغيزل»
في أكتوبر الماضي، تم الإفراج عن عدد من الصيادين المحبوسين على ذمة القضية التي عُرفت إعلاميًا بـ«قضية برج مغيزل»، نسبة إلى اسم القرية التي ينتمي إليها أغلب المتهمين.
ألقت الشرطة القبض على متهمي القضية الـ44 في حملة توقيفات بدأت في 2020، وامتدت للعام التالي. كان معظم الموقوفين من الصيادين العائدين من ليبيا، «باستثناء ثلاثة على الأقل، من ضمنهم اثنان من المهاجرين غير النظاميين في أيرلندا وإيطاليا قبض عليهما بعد وصولهما إلى المطار، عائدين في زيارة لأسرهم»، بحسب محامي أحد المتهمين الذي طلب عدم ذكر اسمه.
«من وقتها، واجه المتهمون فترة حبس احتياطي تخطت أربع سنوات، ضعف الحد الأقصى القانوني، دون إحالتهم للمحاكمة حتى الآن»، يقول المحامي، مضيفًا أن القضية كانت تحقق فيها نيابة أمن الدولة العليا، وكانت تمنع فريق الدفاع من الاطلاع على أوراق القضية ومحاضر التحريات، «حتى إنني علمت نقلًا فقط عن محامي متهم آخر أن التحريات تنسب للمتهمين تورطهم في جلب أسلحة لليبيا، وعلمت شفويًا فقط بأن الاتهامات تشمل الانضمام لجماعة إرهابية وتمويل الإرهاب».
القضية، التي أخذت طابعًا سياسيًا في إطار حرب الدولة على «جريمة الهجرة غير الشرعية»، تسلط الضوء على أوضاع القرية، وتبدُل الحياة فيها، وهو التبدُل الذي خلق مسارًا مباشرًا بين العمل في الصيد والسجن. وبينما سيطر خطاب «مواجهة نموذج أعمال المهربين» في هذه الحرب، وداعميها من الأوروبيين، كان هناك بالفعل تغيرٌ في نشاط سكان «برج مغيزل» الاقتصادي القائم بالأساس على الصيد، مع الارتفاعات المتتالية في الأسعار إلى حد أصبحت معه التكاليف لا تسمح بأي أرباح تقريبًا.
حيث يلتقي فرع رشيد مع البحر المتوسط، أقصى شمال الدلتا، تقع قرية برج مغيزل، والتي يتراوح عدد سكانها بين 30 إلى 35 ألفًا، بحسب عمدة القرية، أبو الحسن حميدة. تتبع القرية كفر الشيخ إداريًا لكنها تبعد بما يقرب من ساعتين عن عاصمة المحافظة، وعلى بُعد أقل من ربع ساعة من مدينة رشيد الملاصقة لها، والتي يمثل الانتقال إليها هدفًا من أهداف الترقي الاجتماعي في القرية.
هي قرية تكسب قوتها من الصيد البحري، فلا يعتبر أهلها أنفسهم فلاحين، «إحنا نصحى نفطرو بقسماط وشاي بلبن مش زي الفلاحين قشطة وفطير، ولو الفرن مشتغلش يوم ما نلاقيش ناكل عيش»، يقول نقيب الصيادين في كفر الشيخ، أحمد نصار، وأحد أهالي القرية، في وصفه لنمط الحياة فيها.
قبل سنوات قليلة لا يمكن تحديدها بدقة، لكن فلنقل إنها «الكام سنة اللي فاتوا» بحسب التعبير المتكرر في حديث أحد أهالي القرية، بدأت الحياة في التبدل تدريجيًا مع التغير في «نموذج الأعمال» السائد، القائم على الأرباح من الصيد في «المالح» – البحر فقط، وهو ما يميز القرية عن قرى مجاورة يعمل سكانها في الصيد البحري والنيلي معًا.
وبحسب ثلاثة مصادر من القرية طلبوا جميعًا عدم ذكر أسمائهم، فإن ما حدث باختصار هو زيادة غير مسبوقة ومتوالية في التكاليف، تعجز الإيرادات المتوقعة من الصيد في المياه الإقليمية عن تلبيتها.
تعود الزيادة في التكاليف تلك في الأساس لسعر «الجاز» أو السولار الذي يُسيّر المراكب الكبيرة، العمود الفقري لاقتصاد القرية. ارتبطت تلك الزيادة بسياسة الدولة في رفع الدعم عن المواد البترولية التي طالت بشكل خاص السولار، أو باختصار «السولار بس. ما دمرش الصياد إلا الجاز وحط تحته 100 خط» بحسب تعبير أحد المصادر الثلاثة.
كانت الدولة قد اتجهت لرفع الدعم عن المواد البترولية، بداية من منتصف العام 2014، عبر قرارات متتالية بزيادة أسعار الوقود، مرورًا بتوقيع اتفاق مع صندوق النقد الدولي، هو الأول من نوعه منذ بداية التسعينيات، بقرض قدره 12 مليار دولار، وهو اتفاق تضمن شروطًا مرتبطة بتحرير أسعار الوقود، مرورًا بسن سياسة التسعير التلقائي للمواد البترولية بدءًا من العام 2018، والتي سرعت من وتيرة الزيادات في أسعاره.
فيما يتعلق بسعر السولار، تجاوزت الزيادة التراكمية في سعره منذ منتصف عام 2014 وحتى أكتوبر الماضي 1490%.
في «برج مغيزل»، وصلت تكلفة السولار إلى ما يقرب من 400 ألف جنيه لكل رحلة من رحلات المراكب الكبيرة، والتي تعتمد على محركات كثيفة الاستهلاك للسولار، وهي تكلفة تمثل الجانب الأكبر من مصروفات تسيير أي رحلة، يضاف إليها تكلفة تموين المركب بالطعام اللازم لإطعام «البحرية»-طاقم السفينة بمن فيهم قائدها، والغزل (شباك الصيد)، وزيوت المُحركات، والثلج الضروري للحفاظ على الأسماك. مع ارتفاع أسعار الوقود، ارتفع كذلك سعر الثلج، فوصل لوح الثلج الواحد إلى أكثر من 25 جنيهًا في الوقت الذي تحتاج فيه الرحلة، أو «السرحة» بالتعبير المتداول، إلى نحو 1800 لوح ثلج.
إذا كانت «البحرية» محظوظة، قد تجمع طن ونصف تقريبًا من السمك في «السرحة» الواحدة لتغطية التكاليف بشكل متواضع والحصول على بعض المكسب. لكن ذلك لا يحدث بالضرورة.
يقول نصار إنه حاول مرارًا مع قرارات رفع أسعار السولار نقل شكاوى الأهالي إلى المسؤولين، مطالبًا بتقديم السولار مدعمًا للصيادين من منطلق الأمن الغذائي، قبل أن يتوقف عن تقديم تلك المطالبات بعدما يأس من الحصول على رد. في خلفية محاولاته، وتراجع الإنتاج السمكي من الصيد البحري تحديدًا، الذي لا يفوق 4.9%، برزت سياسة الدولة في الاستثمار في الاستزراع السمكي، والذي يمثل 77.6% من الإنتاج السمكي، والنسبة المتبقية تأتي من مزارع الأرز والصيد النيلي، تبعا للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ضمن ما يسمى بـ«المشروع القومي للاستزراع السمكي»، وفقًا للهيئة العامة للاستعلامات، أطلقت الدولة تسعة مشروعات للاستزراع السمكي، وهي مشروعات تقوم على تربية الأسماك بأنواعها المختلفة سواء أسماك المياه المالحة أو العذبة، تحت ظروف محكمة وملائمة، يسيطر عليها الإنسان، بقصد تطوير الإنتاج السمكي. وهكذا أصبحت مصر الأولى على مستوى أفريقيا والسادسة عالميًا فيما يتعلق بحجم الاستثمارات في تلك المشروعات، وفقًا لبيانات تعود لعام 2023.
بالتوازي، أخذ صيادي «برج مغيزل» مسارات أخرى.
التحول الأول: بحثًا عن الأسماك
إحدى أشكال هذا التحول تظهر في مخالفة شروط الرخصة الممنوحة للمراكب في المنطقة عبر الإبحار في المياه الدولية وصولًا إلى حدود المياه الإقليمية لدول تطل على البحر المتوسط، تونس ومالطا بالأساس، بهدف العودة بحصيلة كافية من الأسماك لا تتوفر في المياه الإقليمية المصرية. في الكثير من الأحوال، يستطيع الصيادون الإفلات من خفر السواحل.
تسمح مصر بالصيد على بعد ثلاثة أميال من الشاطئ وفقًا لمعايير هيئة السلامة البحرية، بعكس كل البلدان المجاورة تقريبًا التي تسمح بالصيد لمسافات أبعد، وذلك لحماية الأسماك الصغيرة في المياه الضحلة التي تحتاج لحماية لتصل إلى عمر يسمح لها بالسباحة في المياه العميقة، حسبما يقول نصار، مضيفًا أن السياسة التي تنتهجها مصر في هذا السياق أدت في النهاية لشُح كبير في الأسماك في المياه الإقليمية المصرية.
يوضح المصدر الأول من الثلاثة اضطرارهم الصيد في المياه الدولية: «المركب بيقعد خمس أيام في كل سرحة، مبيصطدش حاجة، تجهيز في عدة الصيد بس، وفي الفترة اللي فاضلة لازم أتشقلب [أتصرف بأي طريقة] وأجيب سمك».
التحول الثاني: من أجل سولار رخيص
مسار آخر يتم عن طريق تسلل المراكب إلى المياه الإقليمية الليبية من مصر واستقرارها هناك. يرتبط هذا الخيار بشراكة يعقدها صاحب المركب المصري مع شريك ليبي، بحيث يقوم الأخير بتمهيد وضع يكفل عمل المركب داخل ليبيا عبر علاقاته مع السلطات الليبية، لأن وجود المركب والبحارة المصريين في الأراضي الليبية لا يعد وجودًا رسميًا، بحسب مصدرين من الثلاثة.
يسمح هذا الخيار بالاستفادة من أكثر من ميزة، ومنها أسعار السولار المنخفضة في ليبيا، ما يخفض تكاليف الإبحار بشكل كبير. «إزازة المايه المعدنية أغلى من إزازة السولار»، بحسب تعبير المصدر الأول، بالإضافة للحصيلة الوفيرة من الأسماك، قياسًا للحصيلة المتوقعة من المياه الإقليمية المصرية، على أن تباع تلك الحصيلة في ليبيا نفسها.
التحول الثالث: توافقات مع «الكبار»
تضمن خيار الإبحار لليبيا مسارًا جانبيًا، ظهر بعد تشديد الرقابة على مسارات الهجرة غير النظامية من الأراضي المصرية بداية من عام 2016، وهو بيع المراكب المصرية في ليبيا لمشترين من المهربين العاملين على خطوط الهجرة عبر البحر لسواحل أوروبا.
وفقًا للمصدر الأول من المصادر الثلاثة، الشريك الليبي عادة ما يكون الوسيط لتلك الصفقات المغرية، التي كان تقييم سعر المركب فيها يصل إلى «الضعف على طول كده… ما هو طالع شمال [أنشطة غير قانونية]»، في إشارة للهجرة غير النظامية. «المراكب دي كانت بتحمل من حتة اسمها طبرق وكان المركب الواحد ممكن يحمل 300 - 400 - 500»، يقول المصدر.
سبق هذا التشديد، الذي تلى حادث غرق مركب رشيد الشهير في 2016، موديًا بحياة 300 مهاجر غير نظامي، ازدهار رحلات الهجرة غير النظامية المنطلقة من مصر وتحديدًا «برج مغيزل»، في الوقت الذي كانت أفواجًا من السوريين والسودانيين المقيمين في مصر يحاولون العبور إلى أوروبا. وقتها، بحسب المصدر الأول والثاني، تورط بعض أصحاب المراكب في توافقات مع مندوبين عن مهربين «كبار»، وهي توافقات كانت تشمل المساعدة على نقل مهاجرين، من خلال ربط مركب الصيد بمركب صغير، ينقل المهاجرين أثناء رحلة الصيد من المركب الكبير إلى الصغير في عرض البحر، ثم يتم إبلاغ السلطات الأوروبية بوجود مركب مهاجرين على وشك الغرق، في الوقت الذي ينفصل المركب الكبير لاستكمال رحلة صيده المعتادة.
كان يراعى أن يكون المركب صغيرًا بما يكفي أن يكون رخيصًا، والسبب في ذلك هو أن عملية الإنقاذ يتبعها إغراق السلطات الأوروبية للمركب، بينما صاحب المركب الكبير يكون استفاد من مقابل تلك الصفقة، على أن يسمح بجزء من الأرباح بطبيعة الحال لطاقم المركب. «أيامها كان الصيادين بياخدوا الرحلة بتاعة السوريين مصروف جنب سرحتهم»، يقول أحد المصادر الثلاثة، موضحًا أن المهاجرين الذين يقدر عددهم بـ200 شخص في المرة الواحدة في المتوسط كان يتم التقاطهم من مكان تجمعهم بعد مغادرة مركب الصيد من بوغاز رشيد. قبل إتمام الاتفاق مع أصحاب المراكب، عادة ما يكون المهرب أو مندوبيه قد انتهوا من ضمان مكان إقامة مؤقتة للمهاجرين. «مثلًا عنده بيتين تلاتة فاضيين في رشيد أو في اسكندرية، يخزنهم [المهاجرين] هناك، 300 ولا 400 واحد، لحد ما يدور على مركب»، يقول نفس المصدر.
وبذلك، كان المهرب (الذي قد يكون من أبناء القرية أو خارجها) يتحمل تكلفة الاتفاق مع مالك المركب من ناحية، وتكلفة المركب الصغير من ناحية أخرى، بالإضافة إلى تكلفة هذا السكن المؤقت. وفي المقابل كان ربحه يتراوح بين 4000 إلى 5000 دولار من المهاجر الواحد.
لكن بعد حادث رشيد في 2016، أقرت السلطات المصرية القانون رقم 82 لسنة 2016 لمكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المهاجرين، والذي تضمن عقوبات تصل إلى حد السجن المؤبد، وضيقت الدولة الخناق على موجات الهجرة تلك وصولًا إلى إعلان الجيش المصري إلقاء القبض على 3000 مهاجر في النصف الأول من عام 2017 الذي لم يسجل إلا أربع حالات لمهاجرين حاولوا السفر عبر الشواطئ المصرية قبل إحباط محاولاتهم.
في «برج مغيزل»، جاء تشديد الحصار على الشواطئ على النحو الذي قضى تقريبًا على نشاط الهجرة غير النظامية في القرية، ما تبلور في إعلان رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي عام 2018 أن مصر لم تشهد اي حالة «هجرة غير قانونية» منذ العام 2016، ومعه بدأ نشاطًا واسعًا للشرطة في البحث عن متهمين بتهريب البشر في قضايا الهجرة، وهو ما أضفى على الأوضاع في المنطقة طابعًا من التشديد الأمني مع انتشار حالات القبض على الأهالي بتهم تتعلق بالهجرة غير النظامية، حسبما يقول أحد ضحايا تلك القضايا، وهو من أهالي قرية مجاورة لـ«برج مغيزل».
أمضي هذا الشخص 22 شهرًا على ذمة الحبس الاحتياطي في أكثر من قضية تتعلق بالهجرة غير النظامية، بداية من العام 2021، احتجز خلالها في عدد من المحافظات، نظرًا لتداوله كمتهم في قضايا متعددة. عند إطلاق سراحه، مع بقاء القضايا معلقة، عدل صفته في البطاقة الشخصية من صياد إلى «لا يعمل»، ليتجنب أي ملاحقة، بل هجر الصيد الذي كان لعقود مصدرًا لرزقه، ليعمل في تجارة الأسماك التي ينقلها بنفسه على «تروسيكل» يملكه: يشتري الأسماك ويعيد بيعها «في الفلاحين» في إشارة للقرى التي تعتمد على الزراعة.
لاحقًا، لاحظ انتشار الاتهامات في قضايا جديدة لغيره، مما أثار خوفًا شديدًا بين أهالي المنطقة. كذلك، تحول بعض الأهالي إلى «مرشدين» جندتهم السلطات من بين من أُلقي القبض عليهم في السابق قبل الإفراج عنهم.
مدير مركز الأرض لحقوق الإنسان، كرم صابر، يقول إن ثمة قرائن على أن الاتهامات في قضايا الهجرة غير النظامية تتركز بشكل خاص في مجتمع الصيادين وفي المحافظات الساحلية: «تشهد تلك القضايا في الغالب حالات متكررة من التدوير، وسبق أن تقدم المركز بشكوى إلى اللجنة الوطنية التنسيقية لمكافحة ومنع الهجرة غير الشرعية (تأسست بقرار من رئيس مجلس الوزراء عام 2017، بناء على أحكام قانون لمكافحة الهجرة غير النظامية وتهريب المهاجرين عام 2016) يوثق فيها الأخطاء الواضحة في القضايا، ما يشي بعدم جديتها، وبأن الهدف من ورائها هو تحميل عدد من المتهمين مسؤولية محاولات مجهضة للهجرة غير النظامية، وهي عملية تتجلى في اختيار المتهمين المزعومين فيها بناء على عملهم في الصيد من ناحية، أو بناء على انتمائهم الجغرافي إلى محافظات ساحلية على رأسها كفر الشيخ ومرسى مطروح».
في المقابل، ينكر عمدة «برج مغيزل» أي ظلم وقع في الأهالي فيما يتعلق بقضايا الهجرة، و«أهو اللي بيشيل قربة مخرومة بتنقط عليه»، على حد تعبيره، في مكالمة مقتضبة مع «مدى مصر»، في إشارة لتورط كل المتهمين في القضايا في جرائم مرتبطة بالهجرة غير النظامية. يضيف حميدة أن أي تصريحات صحفية منه تحتاج أولًا الحصول على إذن من قطاع الأمن الوطني في مركز مطوبس، وهو ما يدعم ما قالته المصادر عن الأوضاع الأمنية المشددة في المنطقة.
وبالرغم من هذا التشديد على منافذ الهجرة غير النظامية إلى أوروبا، لكن منفذًا آخر لا يزال مُشرعًا أمام مجتمع الصيادين، بحسب المصدر الأول. «العيل من دول [الشباب صغير السن] ياخذ له دبلوم صنايع وبعدين يتدرب ميكانيكي سفن ويشتغل على البواخر الكبيرة في اسكندرية ولا بورسعيد. يختار له ميناء في بلد حلوة من اللي بتقف فيها السفينة وبعدين يهرب هناك. بس هو طالع من هنا [مصر] المفروض شرعي يعني…دي بتحصل كتير».
في عامي 2015 و2016، تجاوز عدد الواصلين إلى إيطاليا عبر البحر المتوسط 100 ألف شخص، وشكّلت المغادرات من السواحل المصرية ما يتراوح من 5 إلى 9% من إجمالي من وصلوا إيطاليا بحرًا بحلول منتصف عام 2016.
تغير هذا الوضع بعد عام 2016، حيث تشير البيانات المتوفرة إلى تراجع حاد للغاية في أعداد المهاجرين غير النظاميين إلى أوروبا من الشواطئ المصرية بعد عام. ولكن، تبعًا لبيانات المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فقد بلغ عدد المهاجرين غير النظاميين عام 2021 الذين غادروا ليبيا 32 ألفًا و400 مهاجر من ضمنهم 6823 مهاجرًا مصريًا بنسبة 21% من إجمالي المهاجرين، وحلوا بذلك في المرتبة الثانية بعد البنغاليين.
التحول الرابع: التوجه إلى أفريقيا
بمرور الوقت، ظهر خيار آخر بدا وكأنه الخيار الأسلم بالنسبة لكل الأطراف «البحرية» وأصحاب المراكب. ففي السنوات الخمس الماضية، بحسب نصار، بدأت المراكب تغادر الأراضي المصرية لتستقر في ثلاث دول أفريقية هي السنغال وسيراليون وموريتانيا، عبر عقود بتأجيرها من قبل شركات متخصصة في الصيد، تضمن لأصحاب المراكب المصريين عائدًا آمنًا ثابتًا دون مغامرة من ناحية، كما تضمن للبحارة أيضًا مرتبات ثابتة عبر عقود عمل على تلك المراكب.
وفقًا لنصار، فقد مثّل هذا الخيار ملجأ أخيرًا للصيادين من خسائر الصيد في المياه الإقليمية المصرية، خاصة وأن تأجير تلك المراكب على هذا النحو يضمن للبحارة المغادرين للعمل عليها وضعًا قانونيًا لمغادرة البلاد والهجرة الشرعية.
واتسع نطاق ظاهرة مغادرة البحارة والمراكب تدريجيًا إلى الحد الذي يبدو معه بوغاز رشيد خاليًا من المراكب تقريبا، «ممكن في يوم ما تلاقيش فيه إلا عشرين مركب ولا حاجة… تحسي إن البلد فضيت»، بحسب تعبير المصدر الثالث من «برج مغيزل».
وبينما كان الصيد البحري يخبو في «برج مغيزل» وغيرها من القرى المجاورة، كان الاستزراع السمكي ينتعش مع افتتاح مشروع بركة غليون التابع للقوات المسلحة على بعد أمتار قليلة من القرية، إذ يفصل بينه وبينها طريق ضيق طويل. افتتح المشروع الرئيس عبد الفتاح السيسي عام 2017 كمشروع مشترك بين القوات المسلحة وشركة صينية، وهي المرحلة التي شغلت أربعة آلاف فدان، قبل البدء لاحقًا في المرحلة الثانية بعدها بأقل من 18 شهرًا على مساحة تسعة آلاف فدان.
تقارير ذات صلة
العبور للجانب الآخر من المتوسط.. حلم أبراش وكابوسها
رحلة العبور إلى أوروبا.. رهان محفوف بالخسائر
الناجون من «مركب اليونان»: هكذا اتهموا الضحايا
أُعد هذا التقرير بالتعاون بين غرفتي أخبار «مدى مصر» (مصر) و«OmniaTV» (اليونان)
رحلة إلى أعماق البحر: وقائع صنع حطام
محاولة لإعادة بناء حكاية مأساة تشكلت ببطء
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن