نزح فراس، الشاب الفلسطيني من قطاع غزة، من شرق خان يونس إلى أحد مراكز الإيواء بوسط المحافظة، جراء الحرب. يذهب يوميًا إلى قسم الكُلى بمجمع ناصر الطبي جنوبي القطاع، ويحمل معه قوارير فارغة، على أمل أن يملأها من المجمع الطبي.
لا تصلح هذه المياه للشرب، لكنه يشربها، فالخيار الآخر الذي أمامه وعائلته هو الوقوف في طابور لساعات لشراء عشر زجاجات بـ12 شيكلًا (2.99 دولار) بزيادة 50% عن أسعار ما قبل الحرب، وقد ينفد الماء قبل أن يأتي دوره، وفي ظل القصف وظروف النزوح إلى مراكز الإيواء، ليس أمامه فرصة للاستحمام إلا كل يومين أو ثلاثة، بحسب توافر المياه.
فراس ليس وحده. فلسطين، سيدة ثلاثينية، نازحة أيضًا، تخرج حاملة في يديها كيسًا بلاستيكيًا يحوي ملابسها، وتمشي مسافة نصف كيلومتر لتصل إلى حمام عام بأحد المستشفيات كي تستحم، لكنها لا تهنأ بالاستحمام، ففي طريق العودة، تحمل على ظهرها جالونًا من الماء، لأن ثلاثة من بناتها ينتظرون الجالون ليستحممن ويغسلن ملابسهن. «تخيلي أمشي كل هذه المسافة وكل هذا الثقل على ظهري»، تقول فلسطين.
أما أحمد، فحاله أفضل قليلًا من فراس وفلسطين، فهو لم ينزح إلى الآن، لكنه يشاركهما نفس الرحلة اليومية للحصول على الماء. يتولى أحمد تدبير الماء لأسرته المكونة من تسعة أفراد، لذلك يذهب ثلاث مرات يوميًا إلى خزان أحد الجوامع المحيطة، يحمل الجالون فارغًا، ويعود به حاملًا 16 لترًا من الماء، بعد طابور ينتظر فيه على الأقل نصف ساعة.
بعد انتهاء الحرب، لأنها ستنتهي يومًا ما، وتراجع المجازر، التي راح ضحيتها حتى الآن نحو تسعة آلاف فلسطيني، غالبيتهم من الأطفال والنساء والمُسنين، قد تعود مياه غزة لما كانت عليه قبل الحرب، لأنه من الصعب تخيل وضع أسوأ.
كانت نحو 97% من مياه غزة، قبل الحرب، غير صالحة للشرب، وفقًا لمعايير منظمة الصحة العالمية، بسبب سياسات الحصار الإسرائيلي للقطاع المستمرة منذ 17 عامًا، والتي وصفها الأكاديمي إيال وايزمان بـ«أحد أشكال القتل الخفيّ».

قطاع غزة شريط ساحلي مُطل على البحر المتوسط، بطول 40 كيلومترًا وبعمق يتراوح ما بين ستة إلى 12 كيلومترًا، تحته حوض من المياه الجوفية يُعرف بـ«الخزان الساحلي»، يعتبر مصدر المياه الأساسي لـ2.3 مليون فلسطيني يعيشون بالقطاع، يستهلكون 240 مليون مكعب مترى سنويًا.
أحواض المياه الجوفية هي غرف عملاقة تحت سطح الأرض تُخزن مياه الأمطار، يستطيع الأفراد الاستفادة منها عبر حفر آبار عديدة بطول الحوض، بشرط ألا تتعدى كميات الماء المُستخرجة معدل تجدد الخزان طبيعيًا.
إلى اليوم، يُستخرج سنويًا من الحوض الساحلي ما يقارب 200 مليون متر مكعب من المياه، بينما معدل التجدد سنويًا للحوض هو 55 مليون متر مكعب. تعرقل إسرائيل معدلات تجدد الحوض، عبر بناء مصدات تعترض تدفق المياه من تلال الخليل باتجاه وادي غزة، فلا تصل مياه الأمطار إلى القطاع إلا في حالات المطر الشديد.
اللجوء الاضطراري إلى استخراج الماء من الحوض بمقدار ثلاثة أضعاف معدل التجدد الطبيعي للحوض أنتج وضعًا كارثيًا يتعلق بجودة المياه وأمنها.
يتكون نسيج الطبقات الأرضية حول الخزان من الكُثبان الرملية بشكل أساسي، وهي ميزة تسمح بنفاذ أعلى لمياه الأمطار إلى باطن الأرض وصولًا إلى الخزان، لكن مع استنزاف الحوض، هبط منسوب المياه الجوفية بنسب وصلت إلى 19 مترًا تحت سطح البحر، وهنا تحولت الكثبان إلى عيّب، إذ سمحت لمياه البحر بملوحتها ومياه الصرف الصحي غير المُعالجة، أن تتسرب بوتيرة عالية إلى الخزان وتختلط بما تبقى من المياه الجوفية.
رفع ذلك من ملوحة مياه الخزان لتصل مستويات الكلوريد إلى 500-3000 ملجم/لتر، مقابل 250 ملجم/لتر، هو مستوى الكلوريد الذي توصي منظمة الصحة العالمية ألا يزيد عنه، كما تسبب تسرب الملوثات والصرف إلى تركز النترات بنسب تتراوح ما بين 100-800 ملجم/لتر، بينما يجب ألا تتخطى 50 ملجم/لتر، بحسب معايير منظمة الصحة العالمية.
تلوث المياه الجوفية الناجم عن تسرب مياه الصرف الصحي غير المُعالجة يأتي نتيجة قصور عمل محطات معالجة مياه الصرف الصحي، التي تغطي فقط ثُلثي القطاع، بينما يعتمد باقي القطاع على أساليب بدائية لاستخراج المياه من الحوض.
مياه الصرف الصحي هي النفايات السائلة التي يخلفها الإنسان عبر عدة أنشطة تعتمد على المياه، ما بين منزلية وزراعية وصناعية، وتعتمد أنظمة المعالجة على تنقية هذه المياه من الملوثات، كي يمكن إعادة تصريفها في الطبيعة دون أضرار.
تعمل بالقطاع خمس محطات معالجة مياه الصرف، لكنها تعمل جزئيًا نتيجة عدم توافر «الديزل» اللازم لتشغيلها، ومع افتراض عملها بكامل الطاقة الاستيعابية، ما زال القطاع يحتاج إلى محطات إضافية، ما يؤدي إلى صرف 108 آلاف متر مكعب يوميًا من مياه الصرف غير المعالجة أو التي تُعرف بـ«المياه العادمة» في البحر، والتي تتمدد داخل أحواض الخزان الساحلي.
تعتمد محطات المعالجة بشكل رئيسي على مولدات الكهرباء التي تستخدم «الديزل» في عمليات ضخ المياه أثناء مراحل التنقية، وانتهاءً بحقن المياه المعالجة في الآبار.
في سياق الحصار على غزة، تتحكم إسرائيل في كميات الوقود المسموح بدخولها إلى القطاع، ما يجعل الطاقة غير مستدامة وهشة طوال الوقت، وحتى لو توافرت الطاقة التي تسمح لمحطة المعالجة بالعمل بطاقاتها القصوى، أصبح ضغط مياه الصرف في بعضها أكبر من طاقة المحطة القصوى.
للتعامل مع مستويات التلوث والملوحة بالمياه الجوفية التي تلبي 80% من احتياجات الماء بالقطاع، لجأ السكان إلى ما يُعرف بالمياه المحلاة أو المُفلترة.
إثر ذلك، نشأت شبكة من محطات تحلية المياه الجوفية، تصل إلى 154 محطة تحلية، صغيرة غير متطورة، وفي أفضل التقديرات، فقط 52 محطة منهم مرخصة من الجهات التابعة للسلطة الفلسطينية، وتخضع للرقابة على جودة الماء.
تقوم المحطة بحفر آبار وسحب المياه منها ثم تخزينها في خزانات كبيرة، ثم تضخها مولدات إلى وحدات تحلية، لتُباع من خلال نقاط توزيع يذهب إليها السكان، أو شاحنات وعربات متنقلة و«عربات كارو» عبر شبكة من الباعة الجائلين، فيما يعتمد أقل من 10% من السكان على مياه موصلة عبر أنابيب إلى المنازل.
هذه العملية، التي فقط تقلل من ملوحة المياه، تُنتج هدرًا كبيرًا يصل إلى 30%، فضلًا عن تلوث هذه المياه الحمضية بالبكتيريا القولونية والبرازية، نتيجة تراجع كفاءة المحطات التي تتعامل مع مياه ملوثة بالأساس.
يعتمد تسعة فلسطينيين من كل عشرة بـ«غزة» على المياه المحلاة الملوثة، لتلبية احتياجات الشرب والنظافة والطهي وغيرها.
بخلاف نقص الوقود الناجم عن سياسات الحصار الإسرائيلية، تحتاج كلٌ من محطات ضخ المياه والتحلية ومعالجة مياه الصرف، إلى أعمال الصيانة الدورية، للحفاظ على كفاءة المنشأة وكذلك توفير مياه آمنة.
إلا أن قائمة أعدتها إسرائيل، في السنوات الأخيرة تفرض رقابةً وقيودًا على دخول عدد كبير من السلع، بدعوى أنها مزدوجة الاستخدام المدني-العسكري، وتتقاطع مواد القائمة مع كثير من السلع الضرورية لإجراء الصيانة بمنشآت المياه في القطاع، مثل المُنقيات كالكلور، والمضخات، والقطع المعدنية اللازمة لإصلاح أنابيب المياه.
بشكل عام، قدرت الأمم المتحدة في تقرير لها صادر منذ عشرة أعوام، أنه بحلول عام 2016 ستصبح مياه الخزان غير صالحة للاستخدام الآدمي، وبحلول عام 2020 سيتضرر الحوض بشكل لا يمكن تداركه، ما سيتطلب عقودًا ليتعافى مجددًا.
تلوث المياه مسؤول عن 60% من الأمراض المنتشرة داخل القطاع، خاصة بين النساء اللاتي يتولين بصورة أكبر عمليات التنظيف والطهي، وبالتالي التعامل مع المياه، والحوامل والأطفال، مُشكلين أكثر من نصف السكان.

بجانب الخزان الساحلي الذي يوفر غالبية احتياجات القطاع من المياه، يتبقى مصدران: الأول مبيعات شركة المياه التابعة للحكومة الإسرائيلية «ميكورت» إلى القطاع، بكمية تصل إلى 15 مليون متر مكعب بثلاثة أضعاف ثمن المياه المُنتجة محليًا.
يتم ضخ هذه المياه عبر ثلاث شبكات: «بلدية غزة» و«عبسان الصغيرة» و«المغازي»، والتي تخضع بشكل كامل للسيطرة الإسرائيلية، ما يجعلها ورقة ضغط تستخدمها إسرائيل ضد المدنيين في أوقات التصعيد، مثلما فعلت في الحرب الدائرة، وقطعت المياه عن القطاع.
وبدأت «ميكورت» تصدير المياه إلى القطاع عام 1980، وخلال السنوات الأخيرة، جرى الاتفاق بين الجانب الإسرائيلي والسلطة الفلسطينية على زيادة الكميات المبيعة لتصل إلى 15 مليون متر مكعب للقطاع كأحد نواتج مشروع «ربط البحرين»، إلا أنها لا تزال أقل بكثير مما تحتاجه غزة.
يبقى المصدر الأخير، وهو ثلاث محطات لتحلية مياه البحر بمحاذاة الساحل: «القرارة» و«دير البلح» و«الشمال»، التي توفر 4% من مياه الشرب للسكان، ولا تعمل بكامل طاقتها لسبب وحيد وهو قيود إسرائيل على دخول الوقود اللازم لتشغيل المحطات.

وضع المياه الصالحة للشرب والنظافة داخل القطاع، يجعلها على قلة جودتها وتلوثها نادرةً، فمتوسط نصيب الفرد من المياه الآمنة والنظيفة في غزة يبلغ 27 لترًا في اليوم، مقابل 100 لتر حددتها منظمة الصحة العالمية، في الوقت الذي يصل متوسط نصيب الفرد داخل المستوطنات الإسرائيلية إلى أكثر من 150 لترًا يوميًا.

هذه الندرة قفزت بأسعار المياه، حيث تنفق الأسر في غزة نحو ثلث دخلها للحصول على الماء، في حين توصي الأمم المتحدة بألا تزيد تكلفة الحصول على الماء على 3% من دخل الأسرة، فيما تلجأ الأسر الأكثر فقرًا للمياه الأكثر تلوثًا.
في ظل الحرب الدائرة، ترتفع أسعار الماء أكثر، كما أشار فراس وغيره، بزيادات تصل إلى الضعف أحيانًا، نتيجة أن قطاع غزة لم تصل له أي إمدادات من الوقود منذ قرابة شهر.
فضلًا عن ذلك، تُزيد الحرب الإسرائيلية في كل مرة من تعقيد وضع المياه، إذ تستهدف بالقصف البنية التحتية من محطات صرف وتحلية وخزانات وخطوط ناقلة بطول القطاع. وقُدرت الخسائر بالبنية التحتية بعد حرب 2014 بنحو 34 مليون دولار لإصلاح الأضرار، وحتى بعد مرور سنوات لم تحصل غزة إلا على ثلثي التمويل اللازم للإصلاح.
فيما قدرت بلدية غزة حجم الخسائر، نتيجة الاستهداف الإسرائيلي للبنى التحتية للقطاع، بنهاية الأسبوع الثاني من الحرب، بأكثر من 6 ملايين دولار.
تقارير ذات صلة
تأخَّر من أجل مكالمة هاتفية لم تحدث.. واشنطن تُعلن وقف إطلاق النار في لبنان
أُعلن وقف إطلاق النار، مساء أمس، دون أن يتم الاتصال بين عون ونتنياهو
ضمن محاولاتها لإفشال محادثات إسلام آباد: إسرائيل تطوق «بنت جبيل»
تحمل «بنت جبيل» أهمية رمزية واستراتيجية وتاريخية لجيش الاحتلال الذي فشل منذ 2006 في السيطرة عليها
«إذا غادرنا دمرت قرانا».. سكان قرى في جنوب لبنان بين الخيارات الصعبة
قرى تحت الحصار في جنوب لبنان
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن