تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
 حصار غزة| سنوات التجويع

 حصار غزة| سنوات التجويع

كتابة: محمد عز، نور السويركي 10 دقيقة قراءة

بعد أسابيع من قصف متكرر على جميع أنحاء قطاع غزة وإحكام الحصار حوله، حذرت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا»، منذ أيامٍ، من قُرب نفاد مخزونها من المساعدات اللازمة لإبقاء ملايين الفلسطينيين على قيد الحياة. كما بدأت المساعدات الدولية التي دخلت القطاع في النفاد أيضًا، إلى الحد الذي دفع المؤسسات الإغاثية والمنظمات الدولية للتحذير من مجاعة، مطالبين الاحتلال الإسرائيلي بوقف استخدام التجويع كسلاح ضد الفلسطينيين.

الحصار الخانق الذي يعانيه قطاع غزة لم يبدأ بعد حرب السابع من أكتوبر، إنما هو حصار ممتد منذ 15 عامًا، يعاني من وطأته ما يزيد على مليوني فلسطيني هم سكان القطاع. ورغم الفترات القليلة من التحسن خلال هذه السنوات، إلا أن السمة العامة لها كانت تضييقًا مستمرًا تسبب في زيادة صعوبات الوصول إلى الغذاء والموارد الأساسية.

الحلقة الأصعب في الحصار الإسرائيلي على قطاع غزة كانت مع بدايته في 2007 بعد بسط حماس سلطتها على القطاع في 2006، من خلال ما عرف لاحقًا بخطة «الخطوط الحمراء»، والتي دأبت سلطات الاحتلال على نفي تنفيذها لسنوات على أرض الواقع، والادعاء بأنها كانت خطة افتراضية، رغم أن السياسات الإسرائيلية في ذلك الوقت نفذت بالفعل كل ما جاء في تلك الاستراتيجية دون إعلانها. 

كانت «الخطوط الحمراء» بمثابة الإطار الاستراتيجي الذي استخدمه الاحتلال الإسرائيلي في حصاره للقطاع. بموجب هذه الخطة، قيّدت إسرائيل بشدة حركة السلع، بما في ذلك إمدادات الغذاء الحيوية، مما أدى إلى تفاقم الأزمة الغذائية القائمة بالفعل. 

بنى الاحتلال خطته على حِسبة تقريبية لاحتياجات السكان، حسب الجنس، والعمر، مُحددًا لكل فرد كمية من السعرات اليومية اللازمة لإبقائهم أحياء: 2100 سعرة حرارية يومية للرجال، و 1700 للنساء. أما الأطفال، فكان لهم كميات مختلفة حسب العمر والجنس، بحسب كتاب إيال وايزمان «أقل الشرور الممكنة».

caption

بناءً على تلك الحسابات، بحسب وايزمان، حدد الاحتلال قدر الغذاء المسموح بدخوله للقطاع ككل، وقسّم السعرات الحرارية المسموح لها بالدخول إلى أقسام مختلفة مثل الحبوب والفواكه والخضروات واللحوم والحليب والزيت. 

وفي حساباته لتلك السعرات، قدّر الاحتلال احتياجات الفلسطينيين من المواد الغذائية المختلفة أقل من نظرائهم الإسرائيليين. مثلًا، قدّر الاحتلال أن الفلسطينيين يحتاجون إلى منتجات ألبان أقل 43% من الإسرائيليين، و19% لحوم أقل، و37% خضروات وفاكهة أقل.

caption

بالإضافة لذلك، قرر الاحتلال منع دخول المواد التي ادعى إمكانية استخدامها في الصناعة، والتي شملت الخيوط والأنسجة، ومواد التعبئة والتغليف والملح الصناعي، وحتى أنواع الغذاء التي عرفّها ككماليات مثل الحمص بالسمسم والمشروم، بحسب مؤسسة حقوق الإنسان الإسرائيلية، چيشاة-مسلك للدفاع عن حرية التنقل، التي خاضت معركة قانونية استمرت ثلاث سنوات ونصف لإجبار الحكومة الإسرائيلية على الإعلان عن الخطة، بعد تحقيق لجريدة هآرتس كشف الخطة للمرة الأولى في 2009.  

وبحسب وايزمان، صاغ الجيش الإسرائيلي «مساحة التنفس» قدّر فيها الوقت المتبقي قبل أن يبدأ الجوع في قتل الناس، عن طريق قسمة كمية الطعام في غزة على احتياجات الاستهلاك اليومي للمقيمين، لينتج عدد الأيام التي سيستغرقها الناس قبل نفاد المؤن الأساسية.  

حتى تلك الأطعمة التي وافقت عليها سلطات الاحتلال لم تدخل غزة فعليًا، إذ كانت الكميات على أرض الواقع أقل بكثير من المُقدرة في حسابات الاحتلال، الذي قالت سلطاته إن سكان غزة سيحتاجون لإدخال 106 شاحنات من إسرائيل على مدار خمسة أيام في الأسبوع، بالإضافة إلى القمح والحبوب. وفي السنة الأولى للحصار، دخلت 65 شاحنة في المتوسط كل يوم عمل مقرر فقط، بحسب بيانات «چيشاة-مسلك».

caption

 بالإضافة لذلك، خضعت محتويات تلك الشاحنات لهوى المسؤولين وعلاقاتهم بكبار المزارعين والتجار الإسرائيليين الذين قرروا أحيانًا زيادة ضخ السلع التي بدأت أسعارها في الهبوط في السوق الإسرائيلي نتيجة الوفرة، للحفاظ على مكاسبهم ورفع أسعارها أو التخلص من الزائد منها.

كان مصير الخطة الفشل من البداية، نظرًا لافتراضها ثبات كميات الغذاء التي تصل سكان القطاع يوميًا، وعدالة توزيعها، وهو ما لم يتحقق على أرض الواقع. لكن، أدى هذا الانخفاض الحاد في الكميات الواردة للقطاع من المنتجات الغذائية إلى عدم قدرة السلطات في غزة على التنبؤ مُبكرًا بالمعروض من السلع وصياغة آليات للتعامل مع ذلك، ما أدى إلى شُح مستمر في بعض السلع مثل الدقيق، والسكر، والزيوت، والألبان، وبالتالي، ارتفاع كبير في أسعار المواد الغذائية.

كما أدت زيادة القيود على مدخلات الإنتاج الى ضعف قدرة المنتجين الفلسطينيين على الاستمرار في عملهم، إذ انخفضت إنتاجية الغذاء في الأراضي الفلسطينية المحتلة بين 2007 و2010 إلى ثالث أدنى مستوى لها على الإطلاق، بحسب البنك الدولي، وهو ما أدى إلى تفاقم الوضع بشكل أسرع. 

القسمة الدقيقة لمدخلات الغذاء، والتحكم الكامل في إدخاله لغزة من إسرائيل، عرقلته الأنفاق غير الرسمية بين مصر وغزة. آلاف الأنفاق العابرة للحدود تحت الأرض قلبت موازين وقوانين الحصار فوق الأرض، ووفّرت لمئات الآلاف من سكان القطاع مصدر آخر للغذاء ومُدخلات الإنتاج. بحسب سكان من القطاع، الأنفاق حلت أزمة توافر المؤن، وأدخلت منتجات مختلفة من مصر.

سمحت تلك الأنفاق بازدهار حركة التجارة غير الرسمية بين مصر وغزة، لتصل إلى نحو 700 مليون دولار سنويًا في 2012. مثلًا، بلغ حجم واردات القطاع من مواد البناء إلى 7500 طن يوميًا في 2013، بحسب تقديرات اتحاد الصناعات الفلسطيني، بخلاف كميات ضخمة من الغذاء والوقود وحتى السيارات ومُدخلات إنتاج الصناعة. وفرة السلع ساهمت في إعادة بناء القطاع وتوظيف الآلاف من السكان وخفض الأسعار. 

caption

كل ذلك انعكس تمامًا بعد هدم تلك الأنفاق، عندما قرر وزير الدفاع، في ذلك الوقت، عبد الفتاح السيسي تدمير نحو ثلاثة آلاف نفق على مدار ثلاثة أعوام بدءًا من 2013، في محاولة لوأد شبح الإرهاب الذي قتل 16 من قوات وزارة الداخلية في هجوم قُرب الحدود المصرية مع إسرائيل وغزة في 2012، والذي قالت مصر واسرائيل وقتها إن مسئوليته قد تقع على جماعات متطرفة إسلامية، بعض أفرادها قد يكونوا وصلوا الأراضي المصرية من غزة.

وفي 2015، وبناء على طلب إسرائيلي، قام الجيش المصري بإغراق قرابة ألف نفق على الحدود مع قطاع غزة عبر ضخ كميات هائلة من مياه البحر الأبيض المتوسط. لكن محاولات مصر تدمير تجارة الأنفاق بينها وغزة بدأت قبل ذلك، مثلًا كانت هناك محاولة لبناء جدار فولاذي تحت الأرض في 2010. 

caption

مع تدمير الأنفاق، تقلّص السوق في القطاع، واختلفت نوعية الغذاء المتوفر كثيرًا، بحسب سكان من غزة.

بالتزامن مع ذلك، انخفضت إنتاجية الغذاء في غزة والضفة الغربية إلى أقل مستوى لها على الإطلاق في 2015، بحسب البنك الدولي. وبحسب إحصاءات برنامج الغذاء الدولي، يعاني 63% من سكان قطاع غزة من غياب إمكانية الحصول على ما يكفي من الغذاء من أجل النمو والتطور الطبيعي، فيما يُعرف بالجوع وانعدام الأمن الغذائي، ويعتمدون على المساعدات الدولية. وخلال السنوات التالية، يعيش ما يقرب من 1.8 مليون فلسطيني في غزة حياة الفقر المدقع (80% من إجمالي 2.2 مليون). 

caption

حالهم كحال الفقير في التعامل مع الغذاء في سياقات أخرى، يعتمد أهل غزة من الفقراء على النشويات بشكل أساسي للبقاء على قيد الحياة. يكتفون بتناول وجبتين فقط. يؤخرون الإفطار والغداء للاستغناء عن الوجبة الثالثة. أما الوجبات نفسها، فعادة ما تكون من نوع واحد، مثل الخبز المصنوع بالمنزل توفيرًا لسعر الخبز الجاهز، أو المكرونة بالصلصة في الغداء، اعتمادًا بالأساس على برامج المساعدات الغذائية من المؤسسات الدولية التي تمد غالبية سكان القطاع بكوبونات لشراء زيت، ودقيق، وسكر، وحمص، وعدس، وأحيانًا أرز، بأسعار مدّعمة للغاية. أما البروتين، ففي أغلب الوقت كانوا يستخدمون أجزاء الدجاج الأرخص مثل الأجنحة والرقاب والأرجل، التي يعتمدون عليها أيضًا لتحضير الشوربة اللازمة لعمل وجبات أخرى مثل الملوخية. 

ساهت سنوات سوء التغذية في مضاعفة نسب الأمراض التي تصيب الأطفال والنساء الحوامل في القطاع. فبحسب البنك الدولي، أكثر من نصف نساء غزة الحوامل والأطفال بين ستة إلى 23 شهرًا يعانون من الأنيميا في 2022، بخلاف نسب مرتفعة لنقص الفيتامينات الرئيسية التي تلعب دورًا أساسيًا في تكوين والحفاظ على النظر، العظام، والمناعة، وهي كلها الأمراض التي أصابت بالفعل جزء كبير من سكان القطاع، بما في ذلك، حوالي 126 ألف طفل (35% من إجمالي أطفال غزة) يواجهون مخاطر نقص النمو، بحسب «اليونيسيف».   

استمر وضع الأسر في التدهور على الرغم من تخفيف الاحتلال الإسرائيلي لقيوده على الغذاء الوارد لقطاع غزة، مقابل وضع المزيد من القيود على النمو الاقتصادي للقطاع، ما أدى إلى توقف عوائد الضرائب في غزة، مقوضًا بذلك قدرة السلطات الفلسطينية على توفير فرص العمل ومحاولة القضاء على البطالة التي كانت في ارتفاع بالفعل، خاصة مع عدم قدرة الفلسطينيين على مغادرة القطاع للبحث عن عمل في أي مكان آخر. 

الغذاء أصبح، نسبيًا، متوفرًا، لكن، سكان غزة غير قادرين على شرائه لعدم امتلاكهم المال اللازم لذلك، فيما كان الوضع أفضل نسبيًا للأسر القادرة على توفير الأموال لشراء الطعام الذي ارتفعت وارداته تدريجيًا عبر القنوات الرسمية لقرابة 35% من إجمالي الواردات في 2020.

لم يلبث الفلسطينيون في غزة أن يتنفسوا الصعداء مع زيادة حركة التجارة الرسمية وتوافر الغذاء في السنوات الأخيرة، حتى بدأوا يشهدون ذروة السوء بعد السابع من أكتوبر الماضي.

بعد يومٍ واحدٍ من بدء حماس عملية طوفان الأقصى، أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف جالانت، في 8 أكتوبر، فرض «حصار كامل» على قطاع غزة.

وقال جالانت في بيان مصور إن قواته فرضت حصارًا كاملًا بما في ذلك الكهرباء، والطعام، والماء، والوقود. «كل شي مغلق»، قال جالانت، مبررًا ذلك بأن الاحتلال يواجه «حيوانات، ويتصرف بناء على ذلك».

خلال الأسابيع التالية للثامن من أكتوبر، توقفت أي إمدادات في الوصول للمحاصرين في غزة، وأصبح الاعتماد كاملًا على المخزون لديهم. 

لكن، قوات الاحتلال لم تمهل السكان، إذ دمّر القصف المستمر المخابز والمحلات. أما من نجا منها -حتى الآن- فلا يمكنه تلبية الطلب المحلي على أبسط الأطعمة، التي اختفت تمامًا من الأسواق، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فيما عدا القمح الذي يكفي 12 يومًا فقط. لكن، في الوقت نفسه، فإن توافر القمح أصلًا جاء نتيجة قصف المطاحن إلّا مطحن واحد فقط لا يستطيع العمل الآن بسبب غياب الوقود، وهو ما يعني شح كبير حتى في الخبز.

كما أدى قطع الكهرباء إلى تعطيل الإمدادات الغذائية من خلال التأثير على التبريد وري المحاصيل. وخلال أيام فقط، فقد أكثر من 15 ألف مزارع محاصيلهم، ولم يتمكن عشرة آلاف مربي للماشية من الحصول على العلف، وفقد العديد منهم حيواناتهم، فيما عمل الحصار الأخير على منع الصيادين من الوصول للبحر. أما ما تبقى من الحيوانات، لجأ مربوها لذبحها للهرب من نفوقها بعد أن فقدوا قدرتهم على سد جوعها وعطشها. 

تمر الأيام تحت القصف، والمخزون آخذ في التناقص سريعًا، وأغلب المنتجات اختفت من أرفف المحال، وتحول السكان من استهلاك الغذاء الطازج إلى الاعتماد بشكل أساسي على المعلبات: اللحوم، الفول، الفاصوليا، والتونة، والحمص. الاتجاه للمعلبات والأطعمة الجاهزة يعود إلى عدم حاجتها للمياه أو الوقود، نادري الوجود. وفي الأجبان، يعتمدون على جبن الفيتا بسبب الملح الذي يحفظها دون الحاجة لثلاجات في ظل انعدام الطاقة الكهربائية تقريبًا. البعض يتناول الخبز الذي يحصلون عليه بعد ساعات طويلة من الانتظار ويزينونه بالزعتر، أو يلجأون لتناول المولتو والبيك رولز عوضًا عنه.

caption

أما الفئة القليلة التي ما زالت قادرة على شراء منتجات أخرى، فيعتمدون على المكرونة مع صلصة الطماطم، ويطهونها باستخدام الحطب. 

حتى المساعدات التي بدأت في الدخول لغزة خلال الأيام الأخيرة، لا تعدو كونها حبة قمح في بحر من الجوع. فبحسب منظمة أوكسفام الدولية، تلك المساعدات لا تمثل سوى 2% فقط من الأغذية المعتاد دخولها لغزة، وهو ما وصفته المنظمة باستخدام الجوع كسلاح حرب ضد المدنيين.

ومنذ بداية السماح لشاحنات المساعدات بالدخول لغزة في 21 أكتوبر، لم تتجاوز عددها 861 شاحنة في 11 نوفمبر، بحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، الذي أشار إلى أن القطاع كان يصل له يوميًا حوالي 500 شاحنة في المتوسط منذ أقل من شهرين خلال السنوات الأخيرة. 

المديرة الإقليمية لمنظمة أوكسفام للشرق الأوسط، سالي أبي خليل، قالت إن الوضع في غزة يتفاقم يوميًا.. «مياه الشرب ملوثة أو محدودة، وقريبًا قد لا تتمكن الأسر من إطعام أطفالهم أيضًا. فكم من المتوقع أن يتحمل سكان غزة؟».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن