تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
حسن نصرالله.. «السيّد» و«خيبة الأمل» و«الشهيد»

حسن نصرالله.. «السيّد» و«خيبة الأمل» و«الشهيد»

كتابة: لينا عطاالله، مراد حجازي 16 دقيقة قراءة

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم، اغتيال الأمين العام لحزب الله اللبناني، حسن نصرالله، في غارة استهدفته في بيروت، أمس. مع اغتياله، تنتهي أكثر من ثلاثة عقود كان فيها نصرالله على رأس حزب المقاومة، لعب خلالها أدوارًا متباينة في الحياة السياسية للمنطقة بأكملها، وليس في لبنان أو على خط المواجهة مع إسرائيل فقط.

ربما لم يتمتع شخص، في التاريخ السياسي العربي الحديث، بمثل ما تمتع به نصرالله، من تشكُل أسطورته كقائد تاريخي لمقاومة إسرائيل انتصر عليها مرتين، ثم تحول صورته إلى بيدق يدين بالولاء للنظام السوري، ويشترك معه في سحق الثورة السورية، التي اندلعت منذ 2011.

خلال العام الأخير فقط، ومنذ أطلقت إسرائيل حربها المستعرة على قطاع غزة، تراوحت مواقف الملايين، بين انتظار إشارة نصرالله لحزبه بالانضمام إلى الحرب ودعم المقاومة الفلسطينية، والسخرية من خطاباته.

ووسط حرب يتسع مداها كل يوم، وخريطة إقليمية يُعاد تشكيلها برغبة من جنون إسرائيلي، لا يبدو أحدٌ قادرًا على وقفه، يأتي اغتيال نصرالله ليكتب فصلًا جديدًا فيها. ورغم كل الجدل الذي أحاط به وبتاريخه. عاد نصر الله اليوم ليصبح مرة أخرى «السيّد»، والآن «الشهيد».

***

ولد حسن نصرالله، عام 1960، في حي الكرنتينا الفقير شرقي بيروت (أحد المناطق التي لجأ إليها الفلسطينيون بعد النكبة)، لأسرة بسيطة من تسعة أبناء كان نصرالله أكبرهم.

مع إتمامه 15 سنة، دخلت لبنان في مستنقع الحرب الأهلية، التي امتدت منذ 1975 وحتى 1990. انقسم لبنان إلى معسكرات، أحزاب يمينية مسيحية ضدّ أحزاب يسارية وإسلامية، إضافة إلى الوجود الفلسطيني الذي تمثل تنظيميًا وعسكريًا بشكل أساسي في منظمة التحرير الفلسطينية، ومن ورائها مصالح إقليمية ودولية مختلفة ساهمت في استمرار الحرب كل هذه الأعوام. خلال سنوات الحرب، تغيرت خريطة التحالفات باستمرار، ولم يتوقف نزيف الدماء من كل الأطراف.

وسط هذا المستنقع من الدماء والطائفية، حاول والد حسن نصرالله الابتعاد إلى منطقة آمنة، وقرر العودة إلى مسقط رأسه في جنوب البلاد، تحديدًا قرية البازورية التابعة لمدينة صور ذات الأغلبية الشيعية، مثل معظم مناطق الجنوب القريبة من إسرائيل.

هذا الانتقال بدّل مستقبل الطفل ذي الـ15 عامًا، ومهّد له الطريق ليكون زعيم أكبر جماعة مسلحة في لبنان في السنوات اللاحقة. 

بدأ الصبى يتعرف أكثر على هويته الشيعية وقرر الانضمام إلى «أفواج المقاومة اللبنانية» أو ما يُعرف اختصارًا بـ«حركة أمل»، والتي أسسها موسى الصدر في جنوب لبنان كحركة سياسية وعسكرية، ضمّت بشكل أساسي الشيعة الأكثر فقرًا، وأطلق عليها حركة «المحرومين». أسّس الصدر فكر المقاومة وحمل السلاح في الجنوب اللبناني، واكتسبت الحركة شعبية كبيرة بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان، في مارس 1978. لكن بعد شهور قليلة، اختفى الصدر واثنين من رفاقه فجأة خلال زيارة إلى ليبيا، ليصبح «إمامًا مغيبًا».

غادر نصرالله إلى العراق في منتصف السبعينات، واستقر في النجف ليتعرف على عباس موسوي، رجل الدين الشيعي وتلميذ موسى الصدر، والذي بات بعد ذلك المُربي والمُعلم لنصرالله، ليعودا بعد عامين من العراق على إثر طرد الرئيس العراقي آنذاك، صدام حسين، كل الطلاب الشيعة اللبنانيين من الحوزات العلمية في العراق، كخطوة لإضعاف المد الشيعي في البلاد، وسط حرب مستمرة مع جارته إيران.

بدأت مرحلة حمل السلاح في حياة حسن نصرالله بمجرد عودته إلى لبنان، حيث انخرط في الحرب الأهلية اللبنانية في أواخر السبعينيات.

في أواخر السبعينيات، تغيّرت معادلات المنطقة مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، عام 1979. وبعد ثلاث سنوات، قامت إسرائيل بغزو لبنان في ظل تنامي وجود المقاتلين الفلسطينيين التابعين لمنظمة التحرير الفلسطينية في جنوب لبنان. في 1985، إبّان الحرب بين إيران والعراق، قرر الحرس الثوري الإيراني تشكيل «حزب الله» للتصدي للعدوان، وقرر نصرالله وآخرون الانشقاق عن «حركة أمل»، زعيمة التيار الشيعي في لبنان، والانضمام إلى الحزب الجديد التابع لإيران. تولى حسن الطفيلي قيادة الحزب منذ بداياته، حتى عُزل في 1991، ليخلفه عباس موسوي، الذي اغتيل بعد أقل من عام على قيادته للحزب، ليصبح نصرالله أمينًا عامًا للحزب منذ 1992.

***

تميّز عهد نصرالله بعدد من التغييرات الجوهرية، من بينها الولاء لإيران، عكس سابقيه الذين كانوا يميلون للجبهة السورية بقياد حافظ الأسد حينها، وبدأ الحزب في ممارسة العمل السياسي إلى جانب العمل العسكري.

تحت قيادة نصرالله، عكف الحزب على استهداف الاحتلال الإسرائيلي، في جنوب لبنان، بأساليب حرب العصابات وقصف المستوطنات بصواريخ الكاتيوشا. في عام 1997، قُتل ابنه هادي في إحدى العمليات وتحفظت إسرائيل على جثته.

في النهاية، اضطرت إسرائيل للانسحاب من الجنوب عام 2000، لتكتمل الأسس التي صنعت أسطورة نصرالله، والذي أصبح في مخيلة الملايين في أنحاء المنطقة بطلًا تمكن من هزيمة إسرائيل وأجبرها على إنهاء احتلالها للبنان. «حرب تحرير لبنان كانت نجاحًا عسكريًّا كبيرًا لمجموعة مسلحة تحارب جيشًا يتفوق عليها»، يقول هايكو فيمن، مدير مشروع العراق/لبنان/سوريا في مجموعة الأزمات الدولية.

ألقى نصرالله خطابًا عقب الانسحاب نسب فيه تحرير الجنوب إلى كل اللبنانيين قائلًا: «أقول للبنانيين جميعًا، يجب أن تتعاطوا على أساس أن هذا انتصار لكل اللبنانيين، ليس انتصار حزب ولا حركة ولا تنظيم، هذا ليس انتصار طائفة وانهزام طائفة».

أصبح نصرالله وقتها رمزًا لجيل كامل، «أنا مولود بالتسعين. كل حياتي وتكوّن شخصيتي السياسية، هذا الرجل متمركز فيها. يعني مثلًا هو أول من أخذ بثأر شخصي لي. كنّا في 7 أكتوبر 2000، في بيت عزاء ابن خالتي، اللّي استشهد قبل خمسة أيام في الانتفاضة. وقام حزب الله واختطف الجنود التلاتة. بذكر بعد أسبوع من البكاء من أمي وخالاتي، كانت إطلالته أول لحظة فرح»، يقول مجد كيال، كاتب فلسطيني من حيفا.

كارول كرباج، صحفية لبنانية، تقول إن «تصوري للمقاومة مرتبط بصوت حسن نصرالله»، وتضيف «في عام 2000، كنت في المدرسة. شُفت معتقلين الخيّام [مركز استجواب واحتجاز من الإسرائيليين اعتُقل فيه آلاف الأسرى منذ اجتياح لبنان في 1982] وهم بيطلعوا. كانت لحظة مفصلية في تشكل وعيي عن القضية. من وقتها بلش اهتمامي بالقضية الفلسطينية».

بكلمات مشابهة يتذكر كرم نشار، المدير والمحرر التنفيذي لموقع الجمهورية السوري، تشكّل وعيه بالقضية الفلسطينية مع تحرير جنوب لبنان في عام 2000. «أولى اللحظات التأسيسية بالنسبة لوعيي السياسي هي مجزرة قانا 1996، ووعيي بإسرائيل مش بس من خلال فلسطين، ولكن بالتوازي وجود إسرائيل في جنوب لبنان، والمجازر التي قاموا بها في حق المدنيين، ووجود مارد اسمه حسن نصرالله شديد الكاريزماتية والبلاغة، لما ييجي على التلفزيون ما فينا ما نحضره».

يعتقد نشار أن نصرالله يتمتع ببعض «الاستثنائية» على الصعيد العربي، بحسب وصفه، «مش بس لقدراته البلاغية وحضوره، إنما هو شخص مبدئي ويعيش مبادئه. خسارة ابنه وكونه عايش عيشة متقشفة بعيدة عن حياة السياسيين العرب حيث البزخ والفساد والنهب. كل هذا قدم نموذج مختلف. كنّا أمام جسم سياسي ناطق بالعربي، على رأسه شخص صادق ونبيل ومركز على جنوب لبنان ومحاربة شيطان اسمه إسرائيل».

***

لكن هذه الأسطورة بدأت في الاهتزاز. في 2005، تبلور التقارب بين النظام السوري وحزب الله بشكل أوضح، ليتموضع أكثر في الساحة السياسية الداخلية، بعدما كان الحزب معروفًا شعبيًا بحربه على إسرائيل بشكل أساسي. وكان الوجود السوري في لبنان وسيطرته على مفاصل الدولة، منذ أكثر من 30 عامًا، في فترة الحرب الأهلية وما بعدها، يشكل أزمة في الداخل اللبناني خاصة للطائفة السنية. تزعم وقتها النائب في البرلمان رفيق الحريري الطائفة، حتى تم اغتياله في عام 2005، عندما انفجرت شاحنة مفخخة بالقرب من موكبه في العاصمة اللبنانية بيروت. اتهم لاحقًا خمسة أشخاص تابعين لحزب الله بتدبير عملية الاغتيال، وحوكموا غيابيًا في محكمة خاصة أنشأتها الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية، ورفضها أنصار الحزب ووصفوها بأنها غير محايدة.

حاول حزب الله توجيه ضربة استباقية لمناهضي خروج سوريا من لبنان، عبر دعوة أنصاره، في الثامن من مارس 2005، إلى الخروج للشوارع دعمًا لسوريا تحت عنوان «يوم الوفاء»، ما أجّج الغضب تجاه الوجود السوري الذي أشعل فتيله اغتيال الحريري. وفي 14 مارس، خرج آلاف اللبنانيين إلى الشوارع مطالبين باستقالة الحكومة اللبنانية الموالية لسوريا وطرد الجيش السوري من لبنان، مرددين هتافات «سوريا إطلعي برا».

استقالت الحكومة اللبنانية على إثر المظاهرات، وسحبت سوريا جيشها من لبنان، ولكن لبنان دخلت حقبة جديدة من الانقسام، تخللتها موجة من الاغتيالات السياسية.

«الاغتيال المحوري لي كان سمير قصير، المؤرخ والكاتب والناشط [والمعارض للنظام السوري في لبنان]»، يقول نشار. «الاغتيالات مش بس المخابرات السورية كانت مسؤولة عنها ولكن كمان في ما يبدو الحزب». بالنسبة إليه، انحدر الحزب بشكل تدريجي من حزب مقاومة إلى حزب منخرط في الصراع الداخلي، يصطف مع النظام السوري وإيران ضد الطرف المقابل في لبنان.

«كان دائمًا لدي نقد للنظام السوري ووجوده في لبنان، ولكن تخيلي كان أن العلاقة بين النظام السوري والحزب هي مجرد علاقة تجاور، تبادل مصالح، تعايش، مش تحالف عضوي هائل»، يقول نشار. لكن «في 2005 حصل تكشف. بعد مظاهرة 14 آذار، لم يكن محسومًا أن يكون هناك انقسام على الموضوع، أنه يكون حزب الله حاطط نفسه قدام الآخرين ومع النظام السوري. ولكن وضح الموضوع. أتذكر متل مبارح كيف حكى نصرالله وقتها: 'شكرا سوريا الاسد'. أنه بالنسبة لحسن نصرالله ما شايف الوضع السوري بصورته الداخلية. بالنسبة إله سوريا هي بشار الاسد. حسيت بنوع من الخيبة واستغراب ساذج. ليه قرر حزب الله وحركة أمل التحالف مع النظام السوري؟ ليه بده يكون المعارض اللي رابط جزء مهم من المجتمع اللبناني وتحديدًا المجتمع الأهلي الشيعي بولاء للنظام السوري وإيران في تحالف عضوي؟ حسيت شي انكسر. كانت نهاية البراءة إلى حد ما».

***

توارى هذا الانقسام قليلًا عقب اندلاع حرب 2006، بين حزب الله وإسرائيل، والتي وحّدت الشارع حول نصرالله بعدما نجح الحزب في خطف جنديين إسرائيليين في عملية عسكرية عرفت باسم «الوعد الصادق». (تبين بعد ذلك أن الجنديين قتلا خلال العملية)، قابلت إسرائيل العملية بهجوم جوي وبري على لبنان استمر 34 يومًا، دمّرت خلالها أجزاء كبيرة من البنية التحتية للمدن اللبنانية خاصة بيروت.

من جانبه، قصف الحزب إسرائيل بنحو 4000 صاروخ، وتصدى بكل قوة للتوغل البري الإسرائيلي، ما أكسبه شعبية كبيرة بين شعوب العالم العربي.

توقفت الحرب بناء على القرار 1701 من مجلس الأمن، الذي ينص على سحب كل المظاهر العسكرية من جنوب لبنان وانسحاب حزب الله إلى ما بعد نهر الليطاني. وافق الحزب على وقف القتال، لكنه رفض الانسحاب في ظل احتلال إسرائيل مزارع شبعا اللبنانية. وتُوجت معركة الحزب، في 2008، بعقد صفقة لتبادل الأسرى مع إسرائيل أطلقت فيها الأخيرة أسرى لبنانيين وفلسطينيين، مقابل جثتي الجنديين الإسرائيليين.

«كنا قاعدين بملجأ بحرب تموز»، تتذكر كرباج، «بابا كان عنده محل خياطة. كنا ساكنين بالشياح على أطراف الضاحية، وبالتالي كان خطر. فقعدنا طول الحرب بالملجأ. لما حضرنا خطاب نصرالله وقتها، وهو حكى: انظروا إليها تحترق، عن البارجة الاسرائيلية، صرنا نبكي».

اتسع تأثير نصرالله ليطال حتى البعض من فلسطينيي الداخل، والذي كانوا عرضة لصواريخ حزب الله. «عم بتشوف اللي بيحصل في الضاحية والجنوب، وتوصل لفكرة حبك لناس ما بتعرفهم، لأنهم مضطهدين ومقموعين»، يقول كيال الذي لا يزال يقطن حيفا، والتي كانت تحديدًا في حرب 2006 ضمن معادلة نصرالله: تُقصف حيفا وما بعدها إذا قُصفت الضاحية. يتذكر رسالة نصرالله لأهالي حيفا من العرب، طالبًا منهم الحذر والتحرك بعيدًا عن المدينة حقنًا للدماء. «لا تعبأ وترغب إن أنت نفسك تقصف نتيجة هذا الحب. جنون». 

كانت حرب 2006 أول حرب يعيشها جيل من فلسطيني الداخل. «بدأنا كفلسطينيين في الداخل التعامل مع العالم العربي باعتباره امتدادًا طبيعيًا لنا»، يقول كيال، «كان ذلك مع بداية الانترنت والفضائيات، تحولنا لجزء من العالم العربي بالمعنى الفعلي مش الرمزي».

طبقًا لفيمن، «جعلت حرب 2006 نصر الله وحزبه أكبر كثيرًا. أظهرت أغلب استطلاعات الرأي أنه السياسي الأكثر شعبية في المنطقة لمواجهته إسرائيل». أصبح نصرالله مرة أخرى زعيم المقاومة ضد إسرائيل، ليتجاوز اهتزاز صورته بسبب أزمة 2005. فقط بشكل مؤقت.

***

سرعان ما تحولت نظرة الإعجاب بالحزب إلى نظرة ازدراء، من قبل مئات الآلاف من اللبنانيين، بعدما تسبب الحزب في إعادة مشاهد الحرب الأهلية، حين هاجم العشرات من مقاتليه وأنصاره، وآخرين من حركة أمل والحزب السوري القومي الاجتماعي، ممتلكات المدنيين في بيروت وجبل لبنان في السابع من مايو 2008.

انتشر مسلحو الحزب في الشوارع عقب قرارين من الحكومة اللبنانية. الأول يأمر بمصادرة شبكة الاتصالات التابعة لسلاح الإشارة الخاص بحزب الله، والثاني إقالة قائد جهاز أمن مطار بيروت الدولي، العميد وفيق شقير، إثر معلومات وصلت عن وضع الحزب كاميرات مراقبة على المدرج في المطار.

أغلق مسلحو الحزب مطار بيروت وقطعوا الطرق المؤدية إليه عبر إشعال إطارات السيارات، كما قاموا بحرق كل مقرات «تيار المستقبل»، والذي كان أسسه الحريري، عام 1995، في بيروت.

وفي صباح السابع من مايو، كان الجيش اللبناني قد انسحب من العاصمة وتمركز حولها، فيما «ملأت مواكب مسلّحي الحزب وحركة أمل والحزب القومي وحزب البعث شوارع بيروت بطولها وعرضها من دون حسيب أو رقيب»، بحسب وصفٍ معارضٍ للحزب وقتها.

أسفرت الأحداث، التي وصفها نصرالله بـ«النصر الجديد للمقاومة»، عن مقتل 71 لبنانيًا.

كانت أحداث السابع من مايو، المرة الأولى التي يوجه فيها الحزب سلاحه تجاه صدور وممتلكات اللبنانيين، مسببًا شرخًا عميقًا لم يعالجه مرور السنين. «مثّلت 2008 تحوّلًا لنصر الله، حين أعلن بوضوح أنه يمكنه أن يستخدم العنف ضد أي من يستخدم مؤسسات الدولة اللبنانية ضده، وهو ما حدث بالفعل»، يقول فيمن. وانتهت الأحداث بسحب الحكومة للقرارين، أعقبها إبرام اتفاق الدوحة الذي نص أحد بنوده على بحث قضية السلاح الخارج عن الشرعية.

اتخذت الأمور منحى أسوأ بعد اندلاع ثورات الربيع العربي، ووصولها إلى سوريا. «لما صارت الثورة في 2011 كان في تأهب وناطرين شو موقف حسن نصرالله»، يقول نشار. لكن موقف الحزب أحبط كثيرين.

اختفت صورة نصر الله المُقاوم. «الناس كانت عم تتشيع من كتر الإعجاب بحسن نصرالله. كان ممنوع التكاسي تحط في الإزاز الخلفي أي صور غير لعيلة الأسد، بس صاروا الناس يحطوا صور لحسن نصرالله، نوع من الغرام بحسن نصرالله»، لكن كل هذا انتهى بعدما اصطف الحزب مع النظام السوري. الشعب السوري الذي فتح أبوابه لاستقبال اللاجئين اللبنانيين، أثناء حرب 2006، شعر بالخذلان. بحسب نشار، «صار عندنا نقمة هائلة تجاه طرف كنا نكن له احترام كبير، ومتوقعين منه اصطفاف رومانسي مع الشعب».

خرج نصرالله في 2013، في أحد خطاباته، ليعلن أمام الجميع أن «محور المقاومة، المتمثل في إيران وحزب الله، سيقومون بكل ما هو ضروري للحفاظ على النظام في سوريا، ولن يسمحوا بسقوط النظام السوري في أيدي إسرائيل وأيدي الجماعات التكفيرية»، مضيفًا أنه «إذا ما ازدادت الأوضاع خطورة، فسيكون لزامًا على الدول وحركات المعارضة وغيرها من القوات أن تتدخل بشكل فعّال في الصراع الدائر على الأرض».

بعد أقل من شهر من الخطاب، انخرط الحزب رسميًا في سوريا، من خلال المعركة التي وقعت في منطقة القُصير، التابعة لمدينة حمص السورية على الحدود اللبنانية السورية، والتي حُوصرت من قِبل جيش النظام السوري وحزب الله، ما أسفر عن مقتل 1257 سوريًا وإصابة 1192 آخرين، فيما اعترف الحزب بمقتل 13 من مقاتليه.

«معركة القصير كانت حدث مفصلي لكسر الجيش السوري الحر بأوائل فترته»، يقول نشار. «اصطفاف حزب الله ضد الثورة السورية ما كان بس مخيب للآمال ولا بس مهم عسكريًا في تغيير الموازين، وهون عندنا القصير ومضايا يلي كانت خانقة بالنسبة لنا، كيف حزب الله حاصر ريف دمشق لوقت ما جاعوا العالم وصاروا ياكلوا الحشيش. وكيف كان بيوزعوا في لبنان الحلو احتفالًا بسقوط مضايا. مقاتلين حزب الله كانوا يحطوا صور الاكل على الفيسبوك. هدا عمل حقد».

ويتابع: «وصلوا حزب الله لحلب وسيطروا على بعض المناطق. انتشروا في دير الزور والرقة وأسسوا عدة مواقع للحرس الثوري الإيراني. الخطاب اللي كان بيحاول يقول إنه هاي الثورة هي ثورة ديمقراطية وطنية، وليست تحركًا سنيًا ضد نظام علوي، هذا كله أصيب بمقتل بسبب حزب الله. كان في نوع من الخلط بتسلل الأحداث. هي بلشت نصرة وداعش واضطر الحزب يدخل ليدافع عن حاله، وهاي خطاب حزب الله. واللي هو بالنسبة لي كذب. الثورة بلشت ثورة شعبية عفوية جامعة لكتير عالم واتسلّحت بشكل عفوي وروبن هودي. تصفية القيادات الأولى من خلطة السنيين والمنشقين من الجيش، تمت في الفترة اللي دخل فيها حزب الله».

توسع دور الحزب خلال المعارك جانب النظام السوري إلى غوطتي دمشق الشرقية والغربية ومدينة حلب ومحيط محافظة إدلب، وسط تقارير عن مشاركة مقاتليه في انتهاكات بحق المدنيين، وتسببه في نزوح عشرات الآلاف من السوريين. 

تسبّب موقف حزب الله في شعور بـ«خيبة الأمل» و«بجرح شخصي»، بحسب كيال، وخلق «أزمة حقيقية في علاقتنا مع المقاومة. هذا مش بشار الأسد، مش زين العابدين بن علي، مش حسني مبارك».

ويقول فيمن إنه منذ انخراط حزب الله في الحرب السورية، أصبح نصر الله وحزبه ركنًا من أركان «محور المقاومة» الذي طوّرته إيران، خلال العقدين الماضيين. وبعد اغتيال قاسم سليماني، أحد قادة الحرس الثوري الإيراني، في يناير 2020، بدا كأن نصر الله هو القائد الاستراتيجي لهذا المحور.

«بالنسبة لحزب الله، كانت سوريا عمقه الاستراتيجي. أحد كبار قادة الحزب قال لمجموعة الأزمات الدولية إن سوريا إذا سقطت بتدبير أمريكي، ستجد لبنان نفسها بين إسرائيل ونظام مقرب منه. كذلك كان المنظور الإيراني: إذا خسرنا دمشق فلا يمكننا حماية إيران».

وبالفعل، استعاد النظام السوري سيطرته على مقاليد الحكم، وكبح الثورة بمساعدة حليفه حزب الله، الذي لا يزال متواجدًا في الأراضي السورية رغم انخفاض وتيرة المعارك.

***

في الثامن من أكتوبر العام الماضي، بعد يومٍ واحد من تنفيذ حركة حماس عملية طوفان الأقصى، بدأ حزب الله عملية إشغال إسرائيل على الجبهة الشمالية عبر استهداف المستوطنات الشمالية، وقصف المواقع العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي. وكان الحزب يُعلن عن عملياته تحت مسمى «إسناد المقاومة الباسلة في غزة»، بما يعني أنه ليس منخرطًا في الحرب ولكنه يُشاغل من بعيد.   

الحرب على غزة مثلت مأزقًا للحزب، بحسب فيمن. كان على الحزب «الوقوف والنظر إلى «حماس» وهي تُدمّر، وهي الحليف الأساسي لمحور المقاومة المتواجد داخل فلسطين. في الوقت نفسه، التضحية بلبنان من أجل فلسطين لم يكن موقفًا سيتلقى قبولًا شعبيًا، وكان نصر الله قلقًا على شعبيته في لبنان. بالإضافة لذلك، لم تكن الحرب باختيارهم، ولم يعلموا بها. كان تفكيرهم أننا لم نبن هذه الترسانة لنحرقها في تلك الحرب. وإيران تفكر بالمثل. ولهذا يتآكل المحور. تكمن فكرة الحرب لديهما في أن تطحن عدوك بالمثابرة، مع الوقت، عبر إرهاقه لا في معركة أسطورية واحدة».

مع مرور أشهر الحرب، توالت الضربات الإسرائيلية تجاه «حماس» والحزب سواء في لبنان أو إيران، بداية من مقتل صالح العاروري، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، في يناير الماضي في بيروت، مرورًا باغتيال رئيس المكتب السياسي للحركة، إسماعيل هنية، في قلب العاصمة الإيرانية طهران، ومن ثم اغتيال رئيس أركان الحزب، فؤاد شكر، وصولًا إلى كارثة تفجير أجهزة البيجر واللاسلكي والتي كانت البداية في سلسلة من الاغتيالات إزاء قيادات الصف الأول لحزب الله.

في كل مرة، كان الجميع ينتظر ردًا رادعًا من الحزب وداعمه الأول إيران، وهو ما لم يحدث.

لكن، بالنسبة لكيال، لم يتخل الحزب عن «حماس». «لو فيه فرقتين إسرائيليتين مشغولين بالحدود اللبنانية، هذا إنجاز في حد ذاته. القرار كان شرعي وعقلاني وفيه عدم انجرار»، يقول، «بالنسبة لي أعاد لي الثقة إنه في شي عقلاني».

استمر هذا حتى سلسلة الاغتيالات الإسرائيلية لقيادات الحزب، والتي انتهت بنصر الله نفسه أمس. «المفاجأة مهينة»، يقول كيال، «ولكن الخرق الأمني المروع تشتغل عليه إسرائيل من 18 سنة لو مش أكتر». بالنسبة له، وبغض النظر عن الموقف العقلاني للحزب بخصوص الحرب على غزة، «ما حصل كان سيحصل» لأن «إسرائيل لا تبحث عن مبرر».

***

اغتيال نصر الله أمس، كتب فصل النهاية لأسطورته التي تغيرت مرارًا، طوال 32 عامًا، والتي تركت أثرًا هائلًا. لكن هذا لا يعني نهاية حزب الله، والذي أصبح ربما أكبر التنظيمات المسلحة في المنطقة تحت قيادته. يقول فيمن إن حزب الله منظمة مؤسسة جيدًا، «وهناك بالتأكيد طبقة تالية لمن كانوا في السلطة».

لكن هذا الاغتيال يأتي في لحظة حساسة في الحرب التي تشنّها إسرائيل على غزة، طوال ما يقرب من عام، وعلى لبنان الآن. ويجعل هذا من انتقال القيادة إلى صف جديد، خصوصًا بعد سلسلة الاغتيالات التي تعرضت لها، تحديًا كبيرًا.

يرى فيمن أنه «كانت هناك ثقة كبيرة بعد نجاح 2006، وقليل من الحسبان للتطور الكبير تكنولوجيًا وعسكريًا في إسرائيل. ربما يكون القادة القادمين أكثر واقعية فيما يمكن تحقيقه، وعلى الأرجح يملكون خبرة قتالية كبيرة من [حرب] سوريا، يمكن استخدامها إذا ما حدث اجتياح بري. لكن يصعب التصديق بأن تنظيم الحزب لم يُضعَف، خاصة مع اختراق الاتصالات. في أوقات الحرب، تحتاج اتصالات آمنة، وهم فقدوا هذا».

فقد الحزب كثيرًا في هذه اللحظة الحرجة من الصراع. تقول كرباج إن «الحزب هو خيارنا الوحيد في المعركة مع إسرائيل. وهذا شيء منفصل عن المعارضة الداخلية. أنا مع جبهة الاسناد. هي فعلًا كانت عم تعلّي تكلفة الحرب على إسرائيل بسبب تهجير سكان المستوطنات الشمالية. ونصر الله خاض الحرب بشكل دقيق وبدون تهور. هنترحم عليه وعلى انفتاحه ورصانته واعتداله».

بالنسبة إليها، و«بغض النظر عن الاختلافات والنقد [نصرالله] هو الزعيم العربي الوحيد، هو آخر زعيم عربي كنا لسة بنسمعه وعنده مصداقية». لهذا يمثل اغتياله «النكسة» يمثل «الانهيار المدوي للأحلام». والآن تأتي لحظة «سكون مدوي جدًا، فترة انكسار، ما لازم إنكار الواقع، شعور بالعري». الآن، بحسب وصفها، «ما عندنا حدا».

عن الكتّاب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن