تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
بدون أسى: أمومة لم تكتمل وصورة لم تلتقط

بدون أسى: أمومة لم تكتمل وصورة لم تلتقط

تصوير شبح الابن الغائب للتخلص من شبح محاولتي الغائمة في أن أصبح أمًا

كتابة: ي. خ 12 دقيقة قراءة

طُّور هذا النص ضمن ورشة للتفكير والمشاركة فى حوار جماعي، عن الأمومة والفوتوغرافيا، مع إيمان مرسال، بعنوان «كيف تجد أمك فى صورتها»، كدعوة للتفاعل بشكل مختلف مع تساؤلات كتابها «كيف تلتئم.. عن الأمومة وأشباحها»، وخلق مساحة لتفكيك المحتوى وتقديم منظور شخصي عن مفهوم الأمومة. نظمت الورشة  مجموعة سفينة 7 وأنثروبولوجي بالعربي، في أغسطس 2023. 

«أغمضي عينيكِ، وتخيلي الصورة الفوتوغرافية المثالية لعيد ميلادك الأربعين. تقول صديقتي بصوتها المخلص لمساعدتي في إيجاد إجابة».

أغمضت عيني ورأيتني في الأربعين.. قصيرة الطول، أقف مستندة على طاولة خشبية، وأمامي كيكة صغيرة، عليها شمعة تُشير إلى رقم 25. في الصورة، أقف بينهما، كلاهما يحيطني بذراعه المُحبة.. زوجي على يساري يبتسم في فرحة حقيقية، بينما ابني الوحيد على يميني، غير قادر على مداراة نظرة ارتباك مَن يتابع أمه تكبر وتتغير.

فتحت عيناي ونظرت إلى صديقتي. قلت لها في الصورة، على يميني، ابن على أعتاب المراهقة، بشعر ناعم مثل أبيه، وأنف مدبب مثل أنفي. أكدت للصديقة أنني لا أريد له أبدًا أن يرث أنف أبيه. ضحكنا معًا قبل أن تضيف هي، إمعانًا في التهريج: «عليكِ أن تبدأي في الإجراءات الآن إذا أردته مراهقًا في خلال سبع سنوات فقط». أجفلت وتوقفت عن الضحك.

جاء هذا اللقاء قبل موعد عيد ميلادي الثالث والثلاثين بأيام. احتفلت به مع زوجي وحدنا في ملابسنا التي تليق بنهاية شهر ديسمبر بمدينة مشمسة جنوب البلاد. وقفنا سويًا أمام كل أثر فرعوني، نحيط بعضنا البعض بأذرع مُحبة تحاول ملء فراغ ما. نلتقط صورًا تذكارية بكاميرا بولارويد Polaroid. أهداني زوجي هذه الكاميرا في عيد ميلاد سابق، ذلك الذي تلا وفاة جدي ببضعة أشهر. 

caption

تُوفي جدي في نهاية سبتمبر. كنت ما زلت في ملابسي الخريفية المُحيّرة. عُدنا من المسجد يوم العزاء وجلسنا جميعًا حول حقيبة بلاستيكية ضخمة ممتلئة بصور التقطها جدي قديمًا، إلّا صورة واحدة، التقطها قريب للعائلة بكاميرا بولاريود، كان قد ابتاعها من كندا في السبعينيات.

 أتأمل الصورة فأجدها في منتصفها. جدتي تتوسط الصورة وتشع بطاقة قدسية الأم، كما وصفتها أمهات الكتب. تجلس خلف طاولة خشبية تبتسم ابتسامة وقورة وبجانبها زوجها وحولها أبنائها الثلاثة. في الواقع كانت في مثل عمري الآن تقريبًا. أشبهها كثيرًا من حيث الشكل، إلّا أن أبنائها كانوا قد فاقوها طولًا، فأبدوا اليوم وكأنني أصغر منها سنًا. أخذت الصورة إلى منزلي وعلقتها على حائط، أنظر له كل صباح ومساء كتحية للصورة المقدسة.

ابتاع لي زوجي الكاميرا نفسها في عيد ميلادى، الذي حل، بعد شهرين، من هذا الحدث كتحية لجدي الراحل. في مدينة الجنوب في سن الثالثة والثلاثين، أخذت صورة مع زوجي، خرجت من رحم هذه الكاميرا في ثوان معدودة. أجري تجاهها، وأضعها داخل ملابسي لتلمس رحمي من الخارج، فأحميها من الشمس. تأخذ الصورة تسع دقائق تمر كتسعة أشهر. نبدو في البداية كأشباح تعود تدريجيًا للحياة، فنصبح آدميين ننظر للكاميرا في ثبات، فيمر الزمن ونبقى وحدنا في الصورة بينما الحياة تحدث.  

عدت من الجنوب. علقت صورتي بجانب صورة جدتي. أخذت القرار أنني سأبدأ في الإجراءات.

***

نهار داخلي. حمام منزل صغير في مدينة نائية. تقف البطلة خلف باب الحمام الموصد وهي ترتعش. تقبض كفها الصغير على شريط دواء من أربع حبات. تقترب البطلة من الحوض وتفتح المياه وتبتلع حبتين مرة واحدة. تترك المياه تنساب أمامها بينما تنظر مليًا للحبتين المتبقيتين. تقبض البطلة على شفتيها في ارتباك، وهي تقف في منتصف الحمام وتخلع عنها لباسها الداخلي، و تقرب الحبتين من جسدها. قطع.

«أغمضي عينيكِ وتخيلي كيف سيتم تصوير هذا المشهد». يقول لي زميلي، منسق الورشة، وهو يقرأ سيناريو مشروع الفيلم ضمن ورشة تطوير الأفلام. أتردد في الإجابة ثم أقترح أن يتم تصويره من خارج الحمام. نرى البطلة وكأن الكاميرا تتلصص عليها من فتحة الباب الموصد. يعترض على اقتراحي وينبري في التأكيد أنني قطعت المشهد في أهم جزء. يؤكد أننا لا نرى من آلام المرأة التي تتخلص من حملها إلّا القليل. يؤكد أن هذه فرصتي. أتوقف عن التلصص المعتاد، وأحكي للجمهور ما هو خلف الباب الموصد. أنظر للزميل ولا أسمع ما كان لديه ليقوله. أقاطعه وأؤكد بحسم أن دون أسى يا زميلي، لكنك وغيرك لن تتحملوا أبدًا ما يحدث خلف ذلك الباب المغلق.

***

كتبت هذا المشهد مع بدايات المحاولات. أحاول أن أحمل دون نجاح يذكر، وأكتب عن زوجة تكتشف أنها حامل فتقرر أن تجهض جنينها. توقفت عن تصوير نفسي طوال فترة المحاولات، ولم أعرف كيف أصور مشاهدي في الفيلم. أنظر إلى صورة جدتي المعلقة على الحائط كل صباح ولا أرى سوى شبح طفلين يحيطان بها مع أبنائها الثلاثة. يسألني زميلي ولماذا الحمام هو اللوكيشن؟ أتذكر قصة جدتي، الحامل، للمرة الرابعة، في توأم . 

شعرتْ بألم شديد ودخلت الحمام وجلست على المقعد وملابسها الداخلية تكاد تلمس الأرض. عدة انقباضات تلاها جنينين صغيرين في قعر المقعد يطوفان على سطح الماء. كل مرة أضغط فيها على السيفون في منزل جدتي، أشعر أنني أعيد قتل أخوالي الأشباح. أتذكر هذا وأتساءل عن ماهية تلك المعلومة الغائمة. لا أعرف حتى إذا ما كانت الذكرى حقيقة. أتذكر هذه الحكاية الغائمة عن جدتي، ولا أجيب الزميل. أقول له هيا نعود للتلصص من جديد على بطلة فيلمي. 

تتلصص عليّ الممرضة من خلف ستار غرفة الكشف. تعرف أن الطبيبة صديقة للأسرة، فتدخلني قبل مرضاها الآخرين. تتلصص عليّ الطبيبة نفسها، فتنظر لي بطرف عينها وهي تضع الجِل البارد على رحمي من الخارج. ملمسه كملمس الصورة البولارويد في حرارة الجنوب، في ديسمبر. وصلنا لشهر يونيو دون نجاح، وها أنا بدّلت ملابسي الشتوية بأخرى صيفية وما زلت أشعر بالحر. في هذا العالم الكل يتلصص بحذر ولا أحد يواجه. تبتسم الطبيبة ابتسامة عريضة وهي تشير لي على الشاشة بجانب سرير الكشف. ست بويضات. تذكر الرقم بفخر كبير وكأنها إله الكون خالقة الخلق. أسمع صوت صفير الطباعة. تعطيني صورة من رحمي وبه البويضات الفارغة ما زالت.

«أغمضي عينيكِ وتحركي خطوتين للمطبخ». تقول لي صديقتي بصوت متحمس. أفتح عيناي، فأجدني أمام الثلاجة وأمامي صورة لرحم الصديقة وبه بويضة ملقحة. أقدم لك ابني الصغير. كنت أعرف أنها حامل ولكنها أرادت ترسيخ موقعها الجديد فى الحياة منذ هذا اليوم. أفكر أن صورة رحمها وهو يحتفظ داخله بحبة فاصوليا صغيرة تمهد طريقها لقدسية لن تُنتزع منها أبدًا. أفكر في صورة بويضاتي التي ألقيت بها في سلة مهملات متسخة أمام باب طواريء المستشفى في شارع أحمد عرابي بمدينة القاهرة. اعتقدت يومها أن هذه ليست بالصورة المهمة، وأن الأخرى قادمة لا محالة، بعد عدة أسابيع.

خرجت، في ذلك اليوم، من غرفة الكشف وذهبت إلى الصيدلية لأشتري الحقنة المطلوبة. مررت بصيدلية، والثانية والثالثة قبل أن أجدها في الرابعة. أشعر بإعياء شديد، لا يمنعني من الاتجاه إلى ميدان لبنان لاستكمال حصص ورشة تطوير الفيلم. أقول لنفسي في التاكسي الذي ملّ من مطاردة الصيدليات واحدة بعد أخرى، إنني إن لم أصبح أُمّا سأصبح بالتأكيد كاتبة. يتشكك زملائي في الورشة من هذه الحقيقة. يسألونني تكرارًا عن سبب شحوب وجهي وعيوني الزائغة. ينصحونني أن أعود من حيث أتيت وأرتاح من الكتابة اليوم. أصمم أن أنضم لهم واستمر في فعل الكتابة، وأفكر أن زميلي لن يعرف أبدًا ما يتطلبه إنتاج ست بويضات في الشهر.

***

«أغمضي عينيك وتخيلي ما حدث منذ خمسة أشهر عندما أخذت البطلة قرار الحمل». أكتب بحماس التدريب الذي طلبه منّا زميل الورشة عندما وجدني عطلانة في كتابة ما حدث بعد مشهد الإجهاض. أغمض عيناي، وأتخيلها في رحلة إلى العين السخنة للاحتفال بعيد ميلادها الخامس والثلاثين. تنسى عن قصد أن تضع في حقيبتها الواقي الخاص بزوجها. تفكر أنها قد تكون الليلة. في الليل، بعد البحر والعشاء والهدية الرسمية، تطلب من زوجها في دلال هدية أخرى. تدفعه بحب نحوها وتغرق وجهه بالقبلات. وتؤكد أنها مستعدة. 

في بروفايل الشخصية مكتوب أن لديها قطة صغيرة. أضيف في المشهد أن زوجها يؤكد أنه بعد القطة وتعلقه بها، أصبح هو الآخر مستعدًا لاستقبال طفل. أتوقف عن الكتابة ولكني أكمل تخيلها في علاقة مشبعة برومانسية، على خلفية صوت موج البحر، من خارج غرفة الشاليه.

«أغمضي عينيك جيدًا حتى لا تفسدي المفاجأة». أفتحهما بعد ثوان لأجد هدية أمامي مثل كل الأمهات. جاء شهر مارس فى منتصف دورة حياة المحاولات التي لم تسفر عن شىء بعد. ابتعت هدية لجدتي وأمي وخالتي للاحتفال بعيد الأم سويًا مثل العادة. ذهبت للتجمع العائلي لأجد جدتي وقد أهدتني في المقابل هدية لهذا العام بالتحديد. اعتقدت في البداية أنها لعبة اجتذاب طاقات. إذا ما احتفلت بعيد الأم كأم حقيقية تحصل على هدايا، من الجائز أن طاقة الأمومة تتعرّف علي، وتعترف بي، وتأتي لرحمي، فتنفخ فيه من نفحاتها فأصبح حاملًا في الصباح التالي. جاءني قميص نوم، مثل أي أم مقدسة تجلس ساعات في المطبخ فتحتاج لملابس منزل مريحة تساعدها على قضاء صباحاتها ولياليها في سلام. فتحت عيناي واستلمت الهدية بارتباك شديد لدرجة أنني أردت إغلاقهما ثانية، حتى لا أرى من حولي ولعلي أختفي ولا يروني أبدًا. ذهب الارتباك بالتدريج، مع كل الهدايا اللاحقة، التي جاءتني في أعياد أم تالية. لم تكن لعبة طاقات، ولم افهم أبدًا ماذا كانت. فقط أحصل على قمصان نوم كل عيد أم. كان بالفعل قميصًا مريحًا، قطني واسع يشبه ملابس جدتي في شبابها. ارتديته طوال فصل الصيف، ونظرت للصورة كل صباح، وارتبكت تجاه النفحات التى لم تأت حتى جاءني الخريف، وهلت ذكرى رحيل جدي. 

«أغمضي عينيكِ وخذي نفسًا عميقًا، اخرجيه فقط مع خروج الحقنة من بطنك». لا أخاف الحقن عادة، لكن هذه كانت مؤلمة حقًا. يرحل رجل الصيدلية، فيرن هاتفي، ويأتيني صوت أمي تطمئن أنني أخذت الحقنة في سلام. يعرف الجميع أننا سنمارس الجنس الليلة لمحاولة إنتاج طفل. أغمض عيني، وأتخيل أبطالي على البحر، ولا أحد يعرف عن خطتهم شيئًا. أتذكر كلمات زوج بطلة الفيلم الرقيقة لها، بينما ينطق زوجي باسم الحقنة التي أخذتها للتو. الحقنة المُفجّرة. تضحك صديقتي بقوة وأنا أحكي لها عن محاولتي الفاشلة مع الحقنة التي لن تفجر شيئًا في الحقيقة سوى نفسيتي. أؤكد لها بدون أسى أن هذا هو الاسم المتداول للحقنة التي تخرج بويضاتك المقدسة لمساحة أرحب، لتكون مستعدة لاستقبال السائل المنوي، بعد اثني عشر ساعة، بالضبط من حقنها.

أنظر في ساعتي الليلة لأحدد متى سأتوقف عن الطعام. كنت قد عدت لملابسي الشتوية من جديد لمواجهة بدايات البرد الذي يُصعّب عملية الصوم كما أكد الطبيب. طبيب آخر يتلصص على ردود أفعالي وهو يقترح عملية هذه المرة. كنت قد انتهيت من كتابة السيناريو وحضور الورشة وشراء هدية لصديقتي الحامل وزيارة جدتي التي تبعد أمتارًا عن المستشفى التي سيتم فيها الإجراء. في غرفة كبيرة تبدو لي كمصنع أجنة، تفتح الممرضة كشاف نور ضخم وكأننا في استوديو تصوير. أغمض عيناي بسرعة كرد فعل للإضاءة العالية. أسمع صوت عجل كرسي الطبيب على الرخام وهو يتحرك من سرير المريضة بجانبي لسريري. تعدل له الممرضة الإضاءة العالية، حتي يرى ما بداخلي جيدًا. يقبض بقوة على أعلى ساقاي، ويدخل حقنة جديدة أجهل اسمها هذه المرة. أصرخ. بدون أسى، لم أصرخ مثل هذه الصرخة في حياتي من قبل. لن  يتحمل زميلي ما يحدث أبدًا خلف كل تلك الأبواب. يتركني الطبيب ليتجه بكرسيه للسرير الآخر على يميني.

أغمض عيناي محاولة كتم الألم. أعرف أن بعد خمسة عشر دقيقة يجب أن أقف على قدماي، وأفرغ سريري، وأرحل من مركز الأجنة. يتوقع الطبيب وزوجي وإدارة المركز ومديري في العمل.. العالم أجمع يتوقع أن بعد هذا الإجراء سأكون قطة نشيطة قادرة على القفز وممارسة الحياة. أحاول جاهدة أن أكون هذه القطة لكن الألم لا يذهب، أغمض عيني أكثر لأرى بوضوح أن على يميني ابني المراهق يحتضنني في الصورة، فيشعر كلانا بارتباك تخطي الأربعين المرتقب. أتذكره، لعلي أحتمل، ولكن على العكس تستمر كل الآلام المربكة. 

***

«أغمضي عينيكِ وادعي المولى أن تجدي القط في القريب العاجل». تنصحني إحدى عاملات موقع التصوير بعدما وقفت أبكي كطفلة فقدت لعبتها، أو الأوقع كأم فقدت جنينها. كنت قد بدأت تصوير مشاهد من الفيلم. جاءت بدايات التصوير فور إجرائي العملية، فلم أقدر على الاعتذار. في الحقيقة لم أرد الاعتذار. فمستقبل بطلتي يهمني كمستقبلي. في موقع التصوير حمام سباحة وقطة ولدت للتو. خمس قطط صغيرة، ماتت جميعها إلا واحد فقط. صغير في حجم الكف، لونه رمادى غير متعلق بأمه، يدخل الكادر كل مرة فيفسد علينا المشهد، ونضطر لإعادته. أحببته. أصبح عندي ألبوم صور كامل على الموبايل للقط الصغير. بعد عشرة أيام قررت مشاركة زوجي الصور فأحبه هو الآخر وأهداه اسم «أبو هيف». ففي النهاية، نحن وجدناه في حمام سباحة. يوم إجازة التصوير ذهبت مع زوجي، مثل بطلتي، واشترينا أدوات القط من محل كبير، ثم اتجهنا لموقع التصوير، حتى نأتي به إلى منزلنا في أمان. وهناك، في هذا الصباح، لم أجده. رحل مع أمه إلى مكان مجهول. ظللت أبكي مرددة «ده كان هنا امبارح واحنا بنصور». تنصحني العاملة بالدعاء لعله يستجيب. لم يستجب، ولم أجده أبدًا، فأعدت ما اشتريته للمحل، وعدت لمنزلي، متشككة فيما سيحدث لي لاحقًا. حاولت التحدث إلى صديقتي، لأحكي لها، فأكدت أن «القط بينادي على صاحبه». لم ينادى علي أحد، لا قط ولا طفل. أعدت تدوير مشاعرى المتشككة في ذاتي، في مشهد إضافي في الفيلم، لعلي أشعر بتحسن حتى لو مزيّف.

 

نهار داخلى. غرفة نوم البطلة. تنام على السرير، ولا تقوى على النهوض في الصباح. الستائر مغلقة، والغرفة تبدو مظلمة، بالرغم من شمس الشتاء الدافئة في الخارج. تغمض البطلة عينيها، ولا تقوى على فتحهما. تشعر باكتئاب، يظهر في ملابسها المتسخة التي لم تغيرها لأيام، وساعات نومها التي زادت بشكل ملحوظ بعد العملية. مازالت تنزف، فتظهر بقع حمراء متسربة على أطراف قميص نومها القطني الواسع المريح. تداري الدماء بيدها، قبل أن تكمل نومها للعصر. تستيقظ من نومها وتصارع ارتباكها جراء ما فعلته منذ أسبوع مضى. قطع.

شعرتُ بارتباك عندما رأيت قطرات الدم في ملابسي الداخلية بعد هذا اليوم بثلاثة أسابيع. فكرت أنني لن أحصل إذًا على صورة الرحم من شاشة المونيتور، التي ستؤكد قدسيتي الأبدية، لأضعها على الثلاجة مثل كل الصديقات. لن أكون مقدسة، ولن تكون الجنة تحت قدمي، ولن أعيد إنتاج صورة جدتي على طاولة سفرتها. أتصل بصديقتي وأخبرها بدون أسى ما حدث للتو.

أمر هـذا اليوم على جدتي لتدللني. لا أعرف ما إذا كانت قد عرفت أنني أحمي نفسي الآن بفوطة، يُقال إنها صحية أم لا! حكت لي عن قطتها التي كانت تمتلكها، وهي في مثل سني. أفكر أن الصورة على الحائط لا ينقصها إذًا أشباح أخوالي التوأم فقط، لكن أيضًا قط صغير. تنصحني أن أحصل على قط بدوري. كانت هذه طريقتها في الدلع. أو المواساة، لا أعرف يقينًا. أكدت أنني لم أكن يومًا مغرمة بالقطط. شعرت بمغصة أو بغصة، لا أعرف يقينًا.

رحلت عنها وعدت لمنزلي. انتزعت صورتي مع زوجي، ليخلوا الحائط إلّا من صورة الجدة فقط. وقررت التوقف عن المحاولات.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن