"أتجوز؟! أتجوز واحدة ست؟" يسأل حنفى أبيه المعلم كتكوت الجزار عندما يقترح زواجه من نواعم ابنة زوجة أبيه.
حسن (عمر الحريرى) البطل الفقير وحنفى الغنى يتنافسان على نواعم (ماجدة) و لكن ما يبدأ كقصة حب معتادة فى أغلب أفلام الأبيض والأسود فى منتصف الخمسينيات سرعان ما يتحول إلى أكثر الأفلام التقدمية والمثيرة للجدل فى منتصف القرن الماضى.
بعد إصابته بألام شديدة ليلة دخلته، وبعد عملية تغيير جنس أعقبها ثلاثة شهور للنقاهة فى المستشفى، يتحول حنفى إلى فيفى، فتاة غير جذابة ذات ملامح رجولية تُكثر من استخدام أحمر الشفاة والبارفان. الشخصية القاسية الشوفينية هى نفسها أيضًا الضحية المُضطهَدة فى فيلم فطين عبدالوهاب "الأنسة حنفى" الذى أُنتج سنة 1954.
فى أول مشاهد الفيلم يظهر حنفى: رجل في منتصف العمر، قمعي، ضيق الأفق ويكره النساء، فهو يغلق شباك بيت العائلة بالمسامير ليمنع زوجة أبيه وابنتها من النظر خارجه. لاحقًا، تشعر فيفى برغبة فى فتح الشبابيك التى أغلقها حنفى، ولكن المجتمع متمثلًا فى زوجة أبيها فُلة (زينات صدقى) لا يسمح لها.
سلوك فيفى العدوانى يقود العرسان بعيدًا، ومثل أغلب بنات ذلك الجيل اللاتي يتأخرن فى الزواج، تُجبر فيفى على الزواج من رجل عجوز. تدق طبول الزفاف وتغنى فرقة العوالم "يا عروسة يا جنتلمان، ده قوامك غصن البان.. يا عروسة يا متربية يا ساقطة الابتدائية".
لم يكن "الأنسة حنفى" الفيلم الوحيد لفطين عبدالوهاب الذى يتناول فيه الأدوار الاجتماعية للجنسين، وكالعادة اختار ممثلين فائقى المهارة والقدرة التعبيرية، بالإضافة إلى استعانته بسيناريو ذكى وكوميدى.
قصة الفيلم للكاتب والصحفى الساخر جليل البندارى، مستوحاة من قصة حقيقية، ففى علم 1947 نُشر خبر فى جريدة "المصور" عن فتاة اسمها الأنسه فاطمة من أسرة فقيرة فى الشرقية خضعت لعملية تغيير جنس فى مستشفى قصر العينى فى القاهرة تحولت بعدها على إثرها لشاب وسيم تزوج بسرعة من جارته.
يغير البندارى من القصة قليلًا فيجعل شخصيته الرئيسية رجلًا، والذى يتكيف بدوره سريعًا مع حياته الجديدة كآنسة ويبدأ فى ملاطفة جيرانه الرجال وخاصة صديقه القديم أبو سريع.
هناك العديد من الشخصيات النسائية القوية داخل الفيلم. فمشاهد القمع النسائية تتكفل بها ذكية (وداد حمدى) طليقة أبو سريع الانتقامية. فهي لا تتوانى عن مهاجمة طليقها فى مكان عمله داخل محل الجزارة لتطالب بنفقتها المتراكمة. ذكية تمثل نوع آخر من النساء، النوع الذى يدافع عن حقه فى الحياة والحرية، وبالرغم من قلة مشاهدها فى الفيلم إلا أن شخصيتها مؤثرة، فهى ماكرة.. دائمًا ما تظهر بصحبة شاويش شرطة ليطبق القانون، فهى تعلم أنها الطريقة الوحيدة التى تضمن لها حقها فى مجتمع ذكورى منغلق.
وهناك ايضا أم السعد، الدلّالة والداية وقارئة البخت. وهى تمثل نوع آخر من السيدات اللاتى دفعهن المجتمع إلى الخروج للعمل لتعويض الأخريات اللاتى ليس مسموح لهن الخروج في العالم الحقيقي. فهذه الآداة المجتمعية التعويضية تأتى بالجوارب النايلون والتموين والعرسان لآنسات المنزل بالإضافة إلى توليد سيدات المنزل إذا لزم الأمر. أم السعد هى إحدى كمالايات مجتمع ضيق الأفق. اختفت مهنة الدلّالة بعد ما غادرت النساء منازلهن وأصبحن عضوات عاملات داخل المجتمع.
منذ البداية تشير شخصيات الفيلم النسائية إلى أدوار معينة فرضها المجتمع على النساء. فحنفى قبل العملية كان يحق له أن يتحكم فى زوجة أبيه وابنتها بموافقة أبيه ومباركة المجتمع، وكان الحل بالنسبة لفُلة هو الزواج للتخلص من المشاكل اليومية التى لا تنتهى، والسبب الرئيسى فيها هو سيطرة الرجل.
الفيلم أيضا يكسر كل المعايير الاجتماعية وكليشيهات السينمائية فى وقته. الصبي يحب الفتاة، الصبى يطارد الفتاة، الصبي يغني لعيون الفتاة جميلة، وأخيرًا الصبي يتزوج الفتاة. ولكن في الأنسة حنفي الصبي هو الفتاة! وهى/هو يختار العزوبية ويوّبخ كل من اختار الزواج.
الفيلم تقدمى وسابق لأوانه، لطرحه موضوع قد يكون حساسًا وشائكًأ بطريقة عفوية، وكوميدية، وغير مسيسة، فى قلب حى بلدى فى الخمسينيات. لم تقدم السينما المصرية مثل هذا النوع بخلاف بعض المحاولات للفنان الكوميدى عبدالمنعم إبراهيم فى فيلم "سكر هانم" سنة 1960، و"لوكندة المفاجآت" سنه 1959، حيث تدور الأحداث حول رجل يتنكر فى ملابس سيدة. لم تطابق السينما المصرية تجربة "الآنسة حنفى" إلا فى عام 1987، عندما أخرج رأفت الميهى "السادة الرجال"، والذى تتناول أحداثه التجربة المعاكسة، حيث تخضع سيدة متزوجة لعميلة تغيير جنس لتصبح رجل، وتتزوج من صديقتها المقربة.
"الآنسة حنفى" يمزج بجرأة عمليات تغيير الجنس وثقافة البوب فى الخمسينيات. الموسيقى من أقوى نقاط الفيلم، فقد اشترك ثلاثة فنانين كبار فى تلحينها، "الواد حنكورة" لمحمد الكحلاوى، "يا عروسة يا جنتلمان" لكمال أحمد على، والموسيقى التصويرية لإبراهيم حجاج، الذى أتقن بـ"كمانه" خلق جو من السخرية والغرابة فى كل ظهور لفيفي على الشاشة.
بخلاف الفكاهة، يمثل الفيلم كل ما هو غريب وغير مألوف بطريقة تجعله أمرًا واقعًا، مما يعطينا فرصة كمشاهدين ليس فقط للتعرف عليه، بل ولنرضى به ونحبه.
تقارير ذات صلة
محمد رشاد عن «المستعمرة»: أن تحكي حكاية تشبه الناس بطريقة تشبهك
تحاوره ناهد نصر عن الفيلم وحكايته وأبطاله
نادي المنتجين المصريين: أن تسبح خارج البحر
بروفايل للنادي من خلال حوار مع مؤسسه محمد تيمور
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن