تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
«50 متر».. عن الأبوة وأشباحنا

«50 متر».. عن الأبوة وأشباحنا

كتابة: فادي سامي 6 دقيقة قراءة

يعلمنا الآباء أول دروس حياتنا: الاصطناع. في فيلمها التسجيلي الأول «50 متر». تحاول المخرجة والمؤلفة يمنى خطّب تحدي ذلك.

جزء من الاصطناع ألا تفسح المجال لقلقك. أن تبدو دائمًا متماسك. لا يصح لك الأسئلة في سياق عام، عن مشاعرك، وعن المستقبل، وعن النجاح، والصراع مع الوقت، تلك النوعية من الأسئلة التي لا تنجح في التعامل معها أنفسنا الهشة، ولكن في«50 متر» تنطلق يمنى من كل تلك الأسئلة بلا خجل وبشجاعة المجهول. وتأتي بشاهد ليحضر ذلك أمام أبيها وأصدقائه: الكاميرا.

في اللحظات الأولى من الفيلم يبدو لنا كفيلم تسجيلي تقليدي. الأب أكرم يحتفل بعيد ميلاده مع أصدقائه وبعد انتهاء الحفل ورحيل الأصدقاء يأتي صوت يمنى مسائلًا عن مشاعره. يتحدث أكرم باقتضاب، ثم يُكسر هذا المشهد التقليدي بظهورها وإعطائها توجيهات له. تدخل يمنى عالم أبيها الحميمي مع أصدقائه، ولقاءاتهم الروتينية، في نادي المعادي، وممارستهم تمارين الأيروبيكس المائية، وهي محملة بأسئلتها الخاصة، والتي تكسر الاصطناع التسجيلي، على أمل أن يرشدها أبيها وربما أصدقائه. في أحد المشاهد المبكرة في الفيلم. تسأل يمنى والدها:

«دورك إيه في الفيلم؟» 

 يجيب: «في الفيلم مفيش.. إنتي اللي بتعملي الدور» 

لم تكن مقولة الأب مجرد مناورة بل توصيفًا صحيحًا للفيلم. تنتقل يمنى بسلاسة بين دورها كمخرجة تركت عملها كمعاون وزير بعد 12 عامًا لتمارس حلمها بالإخراج بلا أي ضمانات، تحاول استكشاف أبيها عن طريق أسئلة مليئة بالشك واللايقين خاصة بالعمر والمستقبل والنجاح والأبوة والأمومة. تنقسم لقطات الفيلم بينها وبين أبيها وأصدقائه الذين لا نشاهدهم إلا أثناء أو بين تمرينات رياضته المفضلة.

تمثل مساحة الـ50 مترًا، وهى مساحة حمام السباحة الذي يتدربون فيه مساحة أيضًا للاستكشاف وللخروج من مساحتنا الآمنة. عالم طريف وبسيط. يخبرنا أحد أصدقاء والدها: «الواحد بييجي شايل همومه وهو داخل التمرين، بيتخلص من كل حاجة وهو ماشي»، تحاول يمنى الدخول في تجربة الخلاص تلك، حاملة همومها وقلقها الشخصي، سواء مع أبيها على انفراد أو وسط أصدقائه الذين يعلمون أنها تصنع فيلمًا عنهم.

caption

وبين تلك اللقطات لا تقاطعنا إلا لقطات يمنى الصغيرة، مصوِّرة من قبل والدها نفسه، بواسطة كاميرا فيديو قديمة. تعمل اللقطات الأرشيفية من طفولة يمنى كفواصل في إيقاع الفيلم. لحظات ربما لزمن أفضل، لالتقاط الأنفاس، بين أسئلتها المستمرة ومناورات أكرم وتهربه من الإجابات دائمًا. يفلت الفيلم من الاستخدام الكليشيهي للأرشيف ولا يسقط في فخ النوستالجيا، فهو ليس بالضرورة زمنًا أفضل بل أيضًا زمن مليء بالقلق، والطلبات والشرود.

تُعامل المشاهد الأرشيفية كالمحلل النفسي. يأتي كل مشهد في توقيته المناسب، ليكشف شيئًا جديدًا، شعورًا جديدًا قد ندرك أحيانًا وجوده من الطفولة. في مشهد منهم تحاول يمنى الصغيرة استعراض حركة جمباز، وهي حركة القبة بجسدها حيث تستند على قدميها ويديها، تثني ظهرها وتصبح بطنها للسماء، وذلك بناء على طلب والدها المتكرر. تفشل يمنى مرارًا. ومع أنها تقترب كل مرة أكثر فأكثر، لكنها تفشل. ربما من القلق، ربما من كثرة الطلبات. تنتقل بنا المشاعر بلا مرسى. 

لا تحاول يمنى أن تضع لنا شعورًا أو إطارًا معينًا نتحرك به على مدار الفيلم. والأهم لا تقع في فخ الغضب من الأب، بل تحاول التواصل، إيجاد إجابات. وإن لم نجد فقد نجد حتى مساحات مشتركة أو حتى وقت ممتع.

تضيف لقطات الكواليس وغرفة ملابس النادي طبقة أخرى في الفيلم، نرى فيها مخاوفها الشخصية كصانعة أفلام، فلا تصبح يمنى فقط تلك الشخصية الساعية لاستكشاف علاقتها مع أبيها، بل تتحرر من أسئلتها الخاصة لأبيها من أجل إتاحة المجال لأسئلة أكبر خاصة بدورها كصانعة أفلام وعن أي طبقة أو حتى سلطة تضيف إلى الفيلم. تسجل يومياتها أثناء التصوير وكوابيسها التي تأتيها كل ليلة بغضب أبيها منها. نجد جانبًا أكثر شفافية منها، ومخاوف أكبر فأكبر.

 «كنت بتخيل إن بابا هيبقى مخرج جريمة زي هيتشكوك بس ده محصلش ويمكن انا كمان مبقاش مخرجة» 

تركت يمنى عملها بعد 12 عامًا كمعاون وزير، لكي تصبح صانعة أفلام، دون ضمانات. تمامًا كما تحتم عليك صناعة الأفلام، فهي صناعة أنانية، كالفريك لا تقبل شريك، تستنفزك أو تستنزفها، شعارها البقاء للأقوى ورغم ذلك فهي كريمة للغاية. ولكن حتى يأتي ذلك الكرم، على صانع الأفلام تَحمُّل جميع أنواع العذابات، بما فيها الأسئلة الوجودية.

كل من يصنع الأفلام أو يحاول أن يصنع الأفلام تأتيه تلك الأسئلة. هل أستطيع أن أكون صانع أفلام؟ هل هناك سن معين لذلك؟ هل سألحق أم سيمر الزمن دون شيء؟ هناك دائمًا تلك النكتة: صانع أفلام دون أفلام. تبدو صناعة الأفلام كالفيل في الغرفة، الشيء الضخم الذي يخاف الجميع منه فيما يراه ويستخدمه الجميع.

 الأب.. الحاضر الغائب

يأتي «50 متر» في سياق عدد من الأفلام التسجيلية أبطالها هم الآباء والأبناء، بدءًا بفيلم «النسور الصغيرة» (2016) لمحمد رشاد، وحتى فيلم «أبو زعبل 89» (2024) لبسام مرتضى، ولكن على عكس الفيلمين اللذان يتبنى مخرجاهما مواقف مركبة تجاه والديهما، وبقصد أو دون قصد يأتي نوع من المواجهات والاعتراف من الآباء في لحظة ما، لا نجد تلك اللحظات في فيلم يمنى. وكأن «50 متر» يأتي حتى ثائرًا على الأفلام التي عالجت نفس الموضوع قبل ذلك.

تحاول يمنى الحفاظ على مساحة استكشافية هائلة، دون الانجراف إلى الأحكام، لا عليها ولا على أبيها أو حتى أصدقائه. تظل على القرب وفي نفس الوقت على الحياد. لا تريد مواجهة. يتهرب أباها من الإجابات دائمًا، يناور، تحاول أن تناور هي أيضًا. حتى تستسلم. لتدرك أنه أحيانا لا نحتاج للمناورة في حياتنا قدر ما نحتاج أن نسير مع التيار، ونرى إلى أين سيرسو بنا. تسير يمنى مع أبيها ولا يرسو بها إلى نقطة معينة. في نقطة ما تتأقلم مع أبيها. ترضى بأن تبتعد وتترك له المساحة. ربما في قلة تعبيره تعبير بحد ذاته. ولكن بطريقته.

يتركنا أكرم والد يمنى في «50 متر» بلا مرسى معين، بلا إجابات صادمة، وبلا لحظات مواجهة درامية، فقط أن نتقبل، ونحاول، ونقلق ونتساءل، ونتواصل. في النهاية لا يأتي العزاء عن طريق مواجهة صدامية أو مونولوجات طويلة، ولكن عن طريق عرض الفيلم لأول مرة مع أبيها وأصدقائه، فأحيانًا قد تأتينا السكينة عن طريق تلك المحاولات المستمرة للاستكشاف. لتحسس الطرق، ومشاركتها مع من شاركونا بها، بأن نستسلم لريبتنا تجاه الأشياء والأسئلة الكبرى فأحيانًا قد تفتح لنا الريبة أبوابًا أوسع مما قد نتخيل.

تتركنا رحلة يمنى بـ«50 متر» بأسئلة أكثر من الإجابات. عن كيف نتحرك في عالم تحركنا فيه مخاوفنا؟ وأين موقع الآباء منا؟ وكيف نناور لتغييره أو حتى نتأقلم معه؟ 

أتساءل بعد ان انتهت رحلة يمنى وأكرم عن رحلتي الشخصية وسؤال ماذا يعني الآباء لي ولجيلي. أشعر دائما -وقد يكون ذلك خاطئًا- بأن عالمي به الآباء أبعد. وليس هذا تصريح على الطريقة الثورية، من نوعية أننا جيل بلا آباء. فبينما اختارت الأجيال السابقة أن يكونوا آباء أو لا فقد ولدنا بلا آباء. كيف يمكن الصمود في عالم تخلى فيه الآباء عن أبنائهم؟ لم تعد هناك بين من أعرفهم من جيلي حتى رفاهية قضاء وقت مثلما قضته يمنى مع والدها. وبالتأكيد ليست رفاهية المواجهة أو محاولة الفهم. يبني الآباء حواجز بطرق مختلفة. قد تكون تلك الحواجز هي دليلنا لفهمهم وأحيانا للثورة عليهم.

تتساءل يمنى عن موقع أبيها في حياتها، تتحدى هذا الموقع، تناور ليتغير. لتعود مرة أخرى مكانها. فربما مع كل عودة حتى لو لنفس النقطة يتحطم حاجز، مهما كان صغيرًا، فيفتح لنا الباب نحو أسئلة أكبر، وعالم أوسع وفهم أكثر، حتى إن كان في 50 مترًا فقط.

عن الكاتب

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن