جغرافيا النزوح: رحلة أسرة لينا من شمال غزة إلى جنوبها
«أهلي تحت الموت وأنا بعيدة عنهم» تلخص لينا بتلك الكلمات مأساتها. «أبدأ يومي بتفقد أسماء العائلات الذين استشهدوا». باتت لينا تخاف من النهار مثل الليل، تباغتها الكوابيس في الصباح والمساء، تتنفس الصعداء كلما أتتها رسالة هاتفية أو مكالمة قصيرة من أسرتها يطمأنوها بأنهم ما زالوا أحياء ودورهم لم يأت.
تركت لينا منزلها في حي الرمال الساحلي الراقي في غربي غزة، في أول سبتمبر الماضي، وسافرت إلى العاصمة اللبنانية بيروت لدراسة الماجستير في العلوم السياسية، وفي السابع من أكتوبر أخبرتها والدتها بأن جدتها مريضة وأنها دخلت مستشفى شهداء الأقصى لإجراء عملية جراحية عاجلة في المعدة.
في صباح اليوم التالي، أخبر المستشفى خال لينا بأنهم مضطرين لإخلاء المستشفى من كل المرضي لاستقبال قتلى وجرحى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، ويجب نقل الجدة إلى المنزل لاستكمال علاجها به. شاركت والدة لينا وخالها في نقل الجدة التي أجرت لتوها عملية جراحية لاستئصال جزء من الأمعاء إلى بيت عائلة الأم في مخيم دير البلح، وسط القطاع.
في تمام الثانية والنصف من صباح الثامن من أكتوبر الماضي، انهار منزل لينا، الذي عاشت فيه أعوامها الـ24، فوق رؤوس والدها ووالدتها وشقيقتيها وشقيقها الأصغر، حيث قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي منزل قيادي بارز في حركة حماس، يفصله عن بنايتهم المكونة من سبعة طوابق أرض خالية وبجوارها مدرسة المأمونية التابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين «الأونروا». من شدة الضربة، انهار جزء كبير من البناية. تمكنت أسرة لينا من النجاة بأعجوبة من الركام والحطام وركضت تحتمي بسيارتهم. بالكاد استطاع الأب تشغيل السيارة في وسط العتمة وضباب ودخنة القصف، وانهار زجاج السيارة على أفراد العائلة. غابت عن الأب تمامًا ملامح الطريق التي حفظها عن ظهر قلب. لم يدرِ من أي اتجاه يذهب، لكن بأعجوبة لم يدركها أحد، ووسط صراخ وبكاء وخوف الجميع، استطاع أخوات لينا وصف الطريق لأبيهم حتى وصلوا إلى بيت الجد الذي يبعد شارعًا واحدًا فقط عن بيتهم.
ركضت الأسرة إلى بيت عائلة الأب في حي الرمال نفسه، واحتموا بداخله شأن باقي أفراد العائلة الموجودين بالحي. لم تمر سوى ساعات قليلة قبل أن يسمع المختبئون أصوات دوي طلقات النيران والقذائف الصاروخية.
ثم فجعت الأسرة ووصلها خبر وفاة الجدة المريضة في مخيم دير البلح. طلبت الأسرة هناك سيارة إسعاف، غير أن المستشفيات أخبروهم هاتفيًا بعدم وجود سيارات وأن المستشفيات المحيطة بالحي لا مكان خالي بها. تواصل الضرب والقذف فوق رؤوسهم، وظل جسد الجدة بالبيت حتى تمكن خال لينا ومعه عدد قليل من أفراد الأسرة من الخروج به من باب المنزل لدفنه.
«لم تستطع أمي وخالاتي وداع والدتهم»، تقول لينا، ولم يستطع باقي أفراد الأسرة مصاحبتها إلى مثواها الأخير.
مر يومان والأسرة التي يزيد عدد أفرادها عن 30 شخصًا يعيشون في شقة عائلة لينا من ناحية الأب في حي الرمال تحت القصف والقذائف.
في 13 أكتوبر، ألقت طائرات الاحتلال منشورات على سكان الحي، تحذرهم من البقاء، وتطالبهم بالإخلاء والذهاب إلى جنوبي قطاع غزة، وإلا سيتم اعتبارهم شركاء لحماس.
ذهب جيران لينا وغالبية سكان حي الرمال إلى مستشفى الشفاء ليقيموا أمام بوابة المستشفى وداخله وفي الطرقات والممرات، على اعتبار أنها منطقة آمنة ولها حماية خاصة وقت الحرب بموجب القانون الدولي الإنساني. ولكن منذ نهاية أكتوبر، هددت إسرائيل باستهداف المستشفى بحجة وجود أنفاق وقواعد عسكرية تابعة لحماس، قبل أن بقصف جيش الاحتلال ساحات المستشفى ومحيطه، الجمعة 10 نوفمبر، ما خلف مئات القتلى.
بعد أن قضت الطائرات الإسرائيلية على حي الرمال الذي كان يعرف بأنه «أرقى أحياء القطاع»، وحولت منازله وبناياته إلى كومة من الركام والحديد، ذهبت الأسرة بداية من 13 أكتوبر إلى مخيم دير البلح في وسط قطاع غزة. استقر النازحون من الأسرة في شقة صغيرة تخص عائلة الأم، مكونة من غرفة وصالة، سقفهما زينجو (صفيح) وحوائطها حجرية. اختارت الأسرة أن يعيش أكثر من 30 شخصًا في مكان واحد صغير جدًا، على أن يحتمي أيًا منهم في مستشفي أو مدرسة أو مركز لإيواء اللاجئين لمعرفتهم بأن الاحتلال لا يراعي الاعتبارات الإنسانية ويستهدف الأضعف.

انعدمت الاتصالات بين لينا وأسرتها منذ أن وصلت الأسرة مخيم دير البلح، ذو الأزقة الضيقة، والذي يصنف كأصغر مخيمات اللاجئين في قطاع غزة، وتقلصت من ثلاث مرات باليوم إلى مرة واحدة عندما تستطيع الأسرة الحصول على مصدر للاتصالات أو الإنترنت لإرسال رسالة نصية قصيرة «إحنا بخير» أو لعمل مكالمة سريعة تخبرهم فيها عن أحوالهم.
«الحديث على الهاتف خطير جدًا. لا يستطيعون ذكر كلمة عن الحرب أو عن حماس أو فلسطين. كل شيء مراقب ومسموع» تقول لينا. وتوضح أن أهلها مقطوعين عن أخبار باقي غزة «ميعرفوش شيء غير صوت القصف. شعورهم إنها إبادة وينتظرون دورهم».
حكت والدة لينا لها عن مأساتهم في الحصول على الخبز والماء بعد أن قصفت غالبية المخابز المحيطة بهم، ووقوف فرد من أسرتها يوميًا في طوابير تستمر لست أو سبع ساعات للحصول على قارورة مياه غير نظيفة، ولكن لا بديل عنها للشرب.
في صباح 26 أكتوبر، تلقت لينا مكالمة هاتفية قصيرة جدًا من والدها ووالدتها طمأنوها على حالهم. وفي اليوم التالي، تلقت لينا رسالة هاتفية مقتضبة من قريبة لها أخبرتها بأن المخيم تم استهدافه، ما أسفر عن تضرر جميع البنايات المجاورة للبيت الذي تقطن فيه عائلتها. أخبرتها القريبة بأن والدتها ووالدها وأشقائها بخير دون إشارة للأخوال والخالات وأسرهم، وأنهم في طريقهم إلى حي خان يونس في جنوبي قطاع غزة.
لا تستطيع لينا التفكير في أي شيء سوى رغبتها في وقف إطلاق النار بأي شكل من الأشكال. «ليش بس بيوتنا اللي بتروح، ليش بس ولادنا اللي بيستشهدوا. لو الناس بدها تحرر فلسطين هل بس أهل غزة اللي هيدفعوا ثمن تحريرها؟ هل بس دم أهل غزة اللي هيهدر؟ مش هادي قضية كل العرب؟»
انقطعت الاتصالات مساء اليوم نفسه، وظلت لينا تفكر في مصير أسرتها ووجهتها القادمة. وفي فجر 28 أكتوبر عادت الاتصالات الساعة الرابعة والنصف فجرًا وتمكنت من الحديث معهم.
تعيش الأسرة من وقتها وحتى كتابة هذه السطور في 11 نوفمبر في شقة صغيرة مع عائلة أحد أقارب الأب في خان يونس بجنوبي قطاع غزة، وذلك بعد أن انضم إليهم في الجنوب آلاف الفلسطينيين من مناطق شمالي غزة كافة.
وتقدر الأمم المتحدة عدد النازحين من شمالي غزة إلى وسطها وجنوبها، رضوخًا لتحذيرات الجيش الإسرائيلي الذي دعاهم إلى الانتقال، بحوالي 600 ألف فلسطيني. يعيش أغلبهم في منازل أقاربهم وأصدقائهم، أو في مراكز إيواء ومدارس تابعة للأونروا، غير مؤهلة لاستقبال هذه الأعداد والاستجابة لحاجاتهم الأساسية.
تقارير ذات صلة
كيف اعترفت إسرائيل بصوماليلاند دولة مستقلة؟
تعود الاتصالات بين مسؤولين إسرائيليين وآخرين من صوماليلاند إلى ما لا يقل عن أربع سنوات
«ضاق المخيم»: اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بين الحرب والحصار
بينما يتصاعد عدوان الاحتلال يعيش اللاجئون الفلسطينيون في لبنان خطر الحرب والنزوح في بيئة معقدة
«صحاب الأرض» و«أرض محرمة».. قراءة مقارنة
كلا العملين مقدم للعالم وليس مجرد استهداف محلي
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن