تمرد داخل تمرد
منذ عام مضى، جلس أحمد عبده ومجموعة من الشباب في مقر حركة "كفاية" المعارضة، للتفكير في حملة لجمع توقيعات لإسقاط الرئيس السابق محمد مرسي ونظام جماعة الإخوان المسلمين الحاكم آنذاك.
والآن، وبعد مرور عام كامل من هذا الإجتماع، يقول عبده أنه أنهى علاقته بهذه المجموعة.
كانت هذه المجموعة نواة لما عرف فيما بعد بحركة "تمرد"، تلك الحركة التي نجحت في تجميع الملايين من التوقيعات لإسقاط مرسي، والتنظيم لتظاهرات 30 يونيو الحاشدة التي أدت بالفعل لإسقاط مرسي بعد ثلاثة أيام من اندلاع المظاهرات.
ولكن في 26 يوليو، أطلق وزير الدفاع آنذاك والرئيس المنتخب حاليا عبدالفتاح السيسي، دعوة للمصريين للتظاهر مرة أخرى لإعطائه "تفويضا" لمحاربة ما أسماه قوى الإرهاب. بعد أقل من شهر، قتل المئات من مؤيدي جماعة الإخوان المسلمين المعزولة من الحكم في فض اعتصامي رابعة والنهضة. أعتبر الكثير من النقاد أن دعوة السيسي كانت بمثابة طلب "رخصة بالقتل" ضد مؤيدي الجماعة المعزولة.
يقول عبده أنه قرر الاستقالة من تمرد مع مجموعة من المؤسسين بعدما أيدت الحركة بشكل رسمي دعوة السيسي للتفويض، مضيفا: "أحسست أن هناك لعبة قذرة تُحاك، وكأن أحدا ما قرر أن يلعب بنا". أكد عبده أن الحركة تم استخدامها بشكل أو بآخر لاضفاء شرعية على تدخل الجيش مرة أخرى في الحياة السياسية في مصر بعد عزل مرسي.
وحدث التطور الأهم الذي أثر على وحدة الحركة إبان الانتخابات الرئاسية الأخيرة حيث نشأ خلافا حادا بين الأقطاب الثلاثة المؤسسين للحركة حول هوية المرشح الذي يجب أن تدعمه الحركة. بعد عام واحد، انقسمت الحركة لجبهة تؤيد المرشح الناصري حمدي صباحي بقيادة مؤسسي الحركة حسن شاهين ومحمد عبد العزيز، وجبهة أخرى بقيادة المؤسس محمود بدر داعمة السيسي، لتكون محطة الانتخابات الرئاسية بمثابة إعلان تمرد داخل تمرد.
وبدأ التراشق بين الجبهتين بعدما أدعت كل منهما الملكية الحقيقية لأفكار وقواعد الحركة، حيث سيطرت جبهة بدر على الموقع الإليكتروني بينما سيطرت الأخرى على حسابات الحركة على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويرى أحد مؤسسي الحركة إسلام العيسوي الذي أيد صباحي أن بدر كان يرغب بتصدير صورة للرأي العام مفادها أن تمرد- والشباب بشكل عام- يؤيدون السيسي، وهي صورة يراها غير صحيحة، موضحا: "تمرد حركة غير مؤدلجة، بمعنى أن أعضاءها لديهم أفكار وتوجهات سياسية مختلفة، وما رآه الكثيرون خلافا حادا بين المؤسسين كان في الواقع خلافا سياسيا فقط".
بالنسبة لعيسوي، الذي ينتوي الترشح للانتخابات البرلمانية القادمة كمستقل، تمرد أصبحت "غير موجودة". ويضيف: "تمرد حققت هدفها الرئيسي وهو عزل مرسي والدعوة لانتخابات رئاسية مبكرة، أما وأن هذا قد تحقق بالفعل، فلا يوجد ما يجب أن نسميه تمرد الآن".
ويشارك عبده عيسوي الشعور نفسه. فبالنسبة إليه فإن تمرد قد "انتهت"، والكثيرون الآن يحاولون "استغلالها لأغراض سياسية بحتة".
حتى هؤلاء الذين أيدوا تمرد منذ عام مضى يرون أن الحركة لم تعد مؤثرة في المسار السياسي ما بعد الثالث من يوليو على الإطلاق.
الصحفية هاجر هاشم ذات الواحد والعشرين عاما أكدت لـ«مدى مصر» أنه على الرغم من توقيعها على استمارة تمرد للتخلص من نظام مرسي، فإنها ندمت على تصرفها في ضوء ما وصفته بالمسار السياسي غير المرضي الذي تم انتهاجه بعد الثالث من يوليو. وتحكي هاجر عن صدمتها قائلة: "تمرد خانت مطالب الثورة ومبادئها، مجرّد تأييدهم للتفويض، تدخل وزير الدفاع في الحكم، والتنازل عن مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة الذي كان في الأصل خريطة طريق تمرّد، كلها علامات أكدت لي أن أعضاء تمرد كانوا خونة لشباب الثورة الذين من المفترض أن تمثلهم".
أما ضياء حميد، أستاذ مساعد جراحة المسالك البوليه بكلية طب أسيوط الذي يرى أنه لم يندم يوما على توقيع استمارة تمرد، فيرى أن تمرد قد اختفت تماما من محافظة أسيوط بعد الثالث من يوليو خاصة بعد القبض على منسقها بالمحافظة بعد إعلان اسقاط مرسي. قال حميد أنه قد تم اصدار أمر ضبط واحضار لمعظم الشباب الثوريين بالمحافظة، حيث ظلوا هاربين من الملاحقة الأمنية حتى عادوا للظهور مؤخرا.
وأضاف حميد: "لا يوجد أي نشاط لتمرد في أسيوط استطيع من خلاله أن أقيم الحركة، أما بشكل عام فكل ما رأيته هو مؤتمرات شعبية لمحمود بدر وهذه لا قيمة لها".
وتعرضت تمرد لنقد لاذع من النشطاء الثوريين الذين أعلنوا رفضهم لتدخل الجيش في السياسة، النقد الذي وصل في بعض الأحيان لاتهامات صريحة للحركة أنها "صنيعة مخابراتية" غرضها إضفاء صبغة شرعية وشعبية لتدخل الجيش في السياسة.
إلا أن محمد نبوي، المتحدث الرسمي للحركة بجبهة بدر، نفى في حوار مع «مدى مصر» هذه الاتهامات مؤكدا: "فكرة أن 30 يونيو كانت باتفاق مسبق مع الجيش شرف لا ندعيه". وأضاف أنه لم يكن لأي جهة، سواء كانت تمرد أو المؤسسة العسكرية، السيطرة الكاملة على مجريات الأمور، "فقط الشعب المصري هو من حسم المعركة".
بالنسبة لنبوي، فإن لاعبيين سياسيين مختلفين انضموا لتمرد لأغراض سياسية مختلفة وأحيانا متضاربة، "مؤيدو الفريق أحمد شفيق جمعوا توقيعات لتمرد متوهمين أن اسقاط مرسي سيمهد الطريق لعودته ليكون رئيسا، ومؤيدو حمدين صباحي أرادوه أن يكون الرئيس القادم، وهناك آخرون فقط أرادوا اسقاط الإخوان. هناك اختلافات داخل الحركة، وعلى قدر هذه الاختلافات كان هناك الجدل".
وحتى كواليس اللحظات الأخيرة قبيل عزل مرسي كانت مثار خلاف بين الجبهتين. في حوار له نشر في جريدة الوطن، أكد شاهين أن السيسي ظل معارضا لعزل مرسي حتى الحظات الأخيرة مفضلا عقد استفتاء على بقاءه أو رحيله. طبقا لشاهين، ضغط شباب تمرد والحركات السياسية الحاضرة لاجتماع الثالث من يوليو هو ما دفع السيسي لتأييد عزل مرسي. وحينما سأل السيسي الشباب عمن يصلح لقيادة مصر بعد مرسي أكد الشباب، طبقا لشاهين، أن صباحي هو الشخص الملائم، إلا أن السيسي اكتفى بالصمت.
وأضاف شاهين متحدثا عن بدر: "وفى الساعة الرابعة فجراً إحنا التلاتة حطينا إيدينا على المصحف، وأقسمنا على الاستمرار فى العمل الثورى حتى إسقاط نظام جماعة الإخوان بكل الطرق السلمية، والاستمرار حتى بعد إسقاط النظام للعمل على انتصار مبادئ الثورة، وتحقيق مطالبها، وفيه ناس بتكمل فى القسم وفيه ناس مابتكملش، وكل واحد بيختار طريقه، ونترك للتاريخ والزمن والمجتمع الحكم على محمود بدر".
إلا أن بدر أكد بلهجة ساخرة في احتفالية لتكريمه بمناسبة مظاهرات 30 يونيو، أن شاهين لم يكن حاضرا لاجتماع الثالث من يوليو في المقام الأول، الأمر الذي أثار عاصفة من التصفيق من قبل الحاضرين.
ويؤكد نبوي أن الحركة سوف تقدم أوراقها قريبا للجنة شؤون الأحزاب لتسجيل نفسها كحزب سياسي، وهي نقطة خلاف أخرى رئيسية بين الجبهتين. حيث ترى الجبهة المضادة أن تمرد يجب أن تظل حركة سياسية أسقطت مرسي فقط. إلا أن نبوي يرى أن تحول تمرد لحزب سياسي مهم جدا لإيصال صوت شباب الثورة لمؤسسات الدولة عن طريق تأسيس حزب "الحركة الشعبية العربية: تمرد". ويقول: "ننتوي الترشح لانتخابات البرلمان والمحليات . حان الوقت لنكف عن الكلام ونحول مطالب الثورة لبرامج حقيقية".
ولكن العيسوي ما زال غير محبذ لتحويل حركة شبابية لحزب سياسي، مضيفا أن مستقبل الحركة كان أحد أهم أسباب الخلاف بين الجبهتين، حيث يرى أن الحركة يجب أن تظل فقط الحركة التي أسقطت مرسي وطالبت بانتخابات رئاسية مبكرة.
"ومع تحقيق هذين الهدفين، لا يجب أن يكون هناك أي وجود لتمرد" أضاف العيسوي.
تقارير ذات صلة
المسارات المتعددة لرحلة مصطفى النجار
النجار خاض طريقًا طويلًا في العمل السياسي ربما سقط من الأذهان مع طول اختفائه
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه عن المجتمع
منذ أن أطلقنا موقع «مدى مصر»، ونحن ننشر قصصًا من واقع الحياة اليومية في مصر، وفي قسم المجتمع كان هدفنا الكتابة عن الظواهر المجتمعية بحيث تبرز كمساحة للتعبير عن قضايا…
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه في الثقافة
يخبرنا المشهد الثقافي خلال 10 سنوات بالكثير عن التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها مصر، وما مرت به «مدى»، فالثقافة تغير ما حولها وما يشتبك معها، والعكس بالعكس. ناقشنا…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن