10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه في الثقافة
يخبرنا المشهد الثقافي خلال 10 سنوات بالكثير عن التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي مرت بها مصر، وما مرت به «مدى»، فالثقافة تغير ما حولها وما يشتبك معها، والعكس بالعكس. ناقشنا القضايا الثقافية بما يعطي صورة للمشهد الأكبر، لكن هذا لم يجعلنا نغفل عن مناقشة الأعمال الفنية والأدبية بمنطقها الخاص ومن داخل لغتها الفنية. حاولنا الاشتباك مع أنواع الثقافة بإنتاجاتها المختلفة المعروفة من أدب وموسيقى وفن معاصر وسينما ودراما، لكننا مع التغيرات المتلاحقة، والتي غيرت شكل عالمنا بمفاهيمه، طرحنا أسئلة عما هو تعريف الثقافة. اشتبكنا بالأشكال الصحفية الكلاسيكية، وأيضًا أولينا اهتماما كبيرًا بالتجريب، سواء من داخل النصوص أو في الشكل الذي ستخرج عليه.
هنا نعيد نشر أمثلة من إنتاجنا، ونحكي عن عشر سنوات من التضييقات الحكومية على صُنّاع الفن، وتقاطع السينما والدراما مع المجتمع والسياسة، ثم نأخذكم في جولة مع بعض النقاشات الثقافية والجدالات الأدبية والموسيقية التي اشتبكنا معها، ونعرفكم على سلاسلنا الثقافية المختلفة التي نتفاعل بها مع الإنتاج الفني.
كيف حكينا الحكاية؟ | 10 سنوات من التضييقات الحكومية على صُنّاع الفن
تغير النظام، فتغيرت القوانين، ومع إقرار قوانين جديدة في بداية العقد الفائت، نظرنا إلى تأثير القانون في صناعة الفن والأدب، وتحدثنا عن الرقابة وما تفعله بالفن، وعن تعريفه في نظر القانون والقضاء، وسط قوانين قديمة وجديدة تحبس الفنانين أو تمنعهم أو تغرِّمهم إذا ما خالفوها.
كتبنا عن إنشاء «اللجنة الدائمة لتنظيم إقامة المهرجانات والاحتفالات»، بصلاحيات عامة وغير محددة، ومهمتها باختصار «منع» أي احتفالية ومهرجان بدون موافقتها، بعد تزايد وقائع منع وإلغاء الحفلات الفنية في العقد الماضي، بدون إبداء أي أسباب، وفي ظل سيطرة الأجهزة الرقابية التقليدية في مصر على معظم الأنشطة الفنية.
ولمَّا أصبح وجود الشارع المصري في أفلامنا مهددًا بالخطر بعد تصريحات حكومية متضاربة، حاولنا شرح المشهد المعقد مستعينين بطيف واسع من آراء السينمائيين المنخرطين في التعاطي مع الأزمة، ليكشفوا لنا عن ارتباك في التنسيق بين الجهات المسؤولة عن صناعة السينما في مواجهة القرارات المصيرية التي تخص الصناعة، ووجود خلاف حول الممثل الشرعي للصناعة أمام الجهات المختلفة.
تناولنا «نكسة» الإنتاج الدرامي في مصر، في ظل احتكار الشركات التي تدعمها الدولة للمشهد. ومع ضعف فرص الإنتاج، انقسم الممثلون بين عاطلين أو هاربين أو أبناء للشركة. ورغم الاحتكار، شهدت هذه الشركات تنافسًا على النصيب الأكبر من الكعكة، وأصبحت «مصارين الاحتكار بتتعارك»، فرصدنا هذه العركة. وتابعنا الصعود القوي للسعودية -«هوليوود الشرق الجديدة»- منافسًا لمصر في الإنتاج الفني.
كيف صورتنا السينما والدراما؟ | في التقاطع مع المجتمع والسياسة
نؤمن أن الثقافة غير منعزلة عن محيطها السياسي والاجتماعي، لذا وعلى مدار سنوات نشرنا موضوعات مهتمة بالتمثيل السينمائي لعدد من القضايا السياسية والمجتمعية، محاولين الوقوف على التصورات البصرية التي يجري بها تشكيل وعينا، فتأملنا العملية التي جرى بها تشكيل خيالنا، كمصريين، عن ثورة 1919، ومقارنتها ببعض المعلومات والوقائع. كما ناقشنا تحول السينما إلى إحدى الأجهزة الأيديولوجية للدولة في الحقبة الناصرية، واستخدامها كأداة تعبئة، من خلال رصد مقاومة سينما نجيب محفوظ لتلك الشروط السياسية والاقتصادية. أيضًا تقفينا تجليات نكسة 67 سينمائيًا، وتفاعلها مع الأثر المدوّخ لحركة 1968 ومساراتها الثقافية والفنية، على اختلافها بين أوروبا وبين سياقاتنا الجنوبية العالمية، وكتبنا عن انتفاضة 1977 التي لم تُوثق سينمائيًا كما ينبغي.
تابعنا الموت التدريجي للمجال العام بعد 2013، وما لحقه من إغلاق المساحات الفنية الباقية، وكيف صار شغلنا الشاغل إيجاد طرق للمراوغة. تأملنا في صراع الصور بين الدولة والمقاول المنشق وجذوره التاريخية في السينما المصرية، وبعد نية الحكومة رفع سعر الخبز المدعّم تتبعنا كيف ترتبط صورة «رغيف العيش» في السينما بالتحولات الكبرى وعصور الاحتقان السياسي. كما اشتبكنا مع الإحلال العمراني الذي تقوم به الدولة بعد 2013، وولعها بالكباري والمحاور، بما يغير تاريخ الفضاء العام.
رصدنا كيف يمكن أن تكون السينما أداة قمع تحت شعارات «قيم المجتمع»، فناقشنا مفهوم الشرف وعلاقته بالاستقطابات الاجتماعية، وبعد موجة الاعتقالات التي تلت رفع أعلام قوس قزح في القاهرة في 2017، تتبعنا كيف أثرت السينما المصرية على الخطاب الاجتماعي تجاه المثليين والمثليات، وناقشنا آثار موجة «السينما النظيفة» والتطبيع مع ثقافة العنف الجنسي في السينما التجارية، وتأملنا في حالة فتيات التيكتوك، والقبض عليهن باسم «قيم الأسرة».
وقفنا على التطورات الكبرى التي شهدتها الدراما المصرية السنين الأخيرة، بتحليلات مطولة تربطها بالأدب والمسرح والموسيقى والإنترنت والثورة وفنونها. ثم تابعنا انهيارها التدريجي، وتأثير تدخل يد الدولة لتقدم بروباجندا درامية تعكس صورتها المرجوة وبأوامر عُليا، بل وكتبنا السيناريو المحفوظ الذي تحبه الدولة، وتخيلنا أنضف سيناريو في العالم، بما يليق بحكاية التلفزيون المصري من طأطأ لإعلام المصريين، وجوهر فكرته عن المواطن الصالح.
نقاشات ثقافية| بودكاست وجدالات فنية وأدبية وموسيقية
اهتممنا بفكرة النقاش الحي والجدل غير الملتزم بالأزياء الرسمية للفعاليات الثقافية، وعلى مدار سنوات، دعونا فنانات وفنانين وفاعلات وفاعلين ثقافيين وسينمائيات ومؤرخين لجلسات تتحرك فيها الأفكار بحرية وأريحية. بدأنا باستضافة «سابع جار» في مدى مصر، في لقاء بلا أخلاق، حيث تجمّع فريقنا، وتحدينا بعضنا على عدم استخدام كلمتي «الأخلاق» و«الطبقة الوسطى». تابعنا آثار انطلاق مهرجان الجونة ببذخه واستعراضاته على مهرجان القاهرة السينمائي وسألنا ما الذي تبقّى لمهرجان القاهرة؟ وثقنا الفعاليات السينمائية بأشكال متعددة، لكن في فعالية زاوية لأفلام يوسف شاهين المرممة، فضلنا دعوة سينمائيين لنقاش مفتوح يفكر في ارتباط مسيرته بالأحلام والهموم الجماعية لجيله. وفي الهم الجماعي لجيلنا، فتحنا الكلام مع عدد من الفاعلات والفاعلين الثقافيين، حول عدد من المصطلحات أو العبارات المفتاحية في السنوات الأخيرة كـ فن مستقل، والوعي بالموقع وبالامتيازات، التعليم البديل، العلاقة بين الجمالي والسياسي، الهوية البصرية.
وحينما حل كورونا ضيفًا ثقيلًا على العالم، عدنا للتاريخ، بحوار مع المؤرخ خالد فهمي، أستاذ الدراسات العربية الحديثة بجامعة كامبريدج، ضمن سلسلة «مفردات عالم الكورونا» عن عبارة «تسجيل عدد الوفيات»، متتبعين تاريخ تسجيل الوفيات أثناء موجات الأوبئة التي مرت على مصر في القرن التاسع عشر، وارتباط ذلك بنظام الصحة العامة في القرن المفتاحي في فهم حياتنا المعاصرة. ثم بعدها فكرنا في التبعات اللاحقة لآثار الوباء، فناقشنا مصطلح «الشغل من البيت»، وسط الضغوط لنكون أكثر إنتاجية في قلب محنة عالمية.
*
تابعنا المشهد الأدبي عن كثب، وسألنا العديد من الأسئلة، بداية من ما هو الأدب؟ وحتى ماذا فعلت الثورة بالكتابة؟ وكيف نكتب عن حدث كبير؟ وقدمنا سلسلة «عشب المحميات» التي تعنى بإعادة نشر ترجمات قديمة، لأعمال -أدبية في أغلبها- تأتي مما صار يُطلق عليه مؤخرًا «الجنوب العالمي». وقدمنا مراجعات أدبية للعديد من الأعمال الفارقة والموثرة لكاتبات وكتاب، أثروا الحياة الثقافية، على سبيل المثال هيثم الورداني، وأحمد ناجي، وفاطمة قنديل وياسر عبد اللطيف، وإيمان مرسال وشادي لويس وشارل عقل ومحمد الحاج.
*
وفي الشأن الموسيقي بحثنا عمّن يقول يا ليل، أو آه يا ليل. وقدمنا بروفايلات للعديد من الموسيقيين المؤثرين تابعنا بها الجديد في المشهد والحالة الفنية التي خلقها. كما تابعنا معارك نقابة المهن الموسيقية ورئيسها السابق هاني شاكر مع مغنيي المهرجانات، وسألنا هل هي حرب الذوق العام أم الكاشات. ودفعنا هذا الصراع للعودة لعشرينيات القرن العشرين وصالات الموسيقى في الأزبكية، لنقرأ كيف يعيد التاريخ نفسه، والسؤال المتكرر: عوالم أم مطربات؟ الذي ألهم بدوره إنتاجات موسيقية معاصرة.
*
كان مشهد الفن من ضمن اهتماماتنا، فسألنا أسئلتنا عن حمى الأرشيف، وعلاقته بالتاريخ الرسمي ومؤسسات الفن. ورصدنا زحف يد الدولة على المساحات الفنية الناشئة في السنين الأخيرة، وإطلاقها فعاليات «بديلة» وظهور مشهد فن معاصر جديد، تقوده هي بخلاف المشهد الكلاسيكي. كما ناقشنا معارض وأعمال فنية محاولين قراءتها من زوايا مختلفة.
*
ووسط كل المتابعات، لم ننس أننا ننشر على الإنترنت، الذي غير شكل الثقافة في العقد الأخير، فتفاعلنا مع أنماط التعبير الجديدة التي خلقها مثل الميمز وفيديوهات التيكتوك، ووقفنا عند تأثيره على سوق الفن بظهور منصات استماع وعرض جديدة، وتمعّنا في النصيحة الخالدة للمعلم سردينة.
السلاسل الثقافية
وفي مسارات ثقافية مستمرة، أطلقنا عددًا من السلاسل، نتفاعل بها مع الإنتاج الفني، ونبني من خلالها بالتراكم صورة ديناميكية للمشهد.
سينما صيفي: بودكاست حلقات سينمائية يقدمه بسام مرتضى، وفيه نحكي عن السينما واختلاطها بالشارع «اللي جاي منه صنّاعها وجمهورها».
كتالوج: بودكاست عن صناعة المزيكا، من إنتاج مها النبوي وأدهم زيدان، نقابل من خلاله مجموعة متنوعة من الموسيقيين.
مختارات مترجمة: باب مهتم بنقل نصوص بارزة أسهمت في إثراء نقاشات فكرية وثقافية إلى اللغة العربية، وقدمنا فيه نصوصًا لجوديث بتلر، ديفيد جريبر، سيديا هارتمان، فالتر بنيامين، رايمند وليمز، هيتو شتايرل، مارك فيشر، بوب بلاك، وآخرين.
حوارات مدى: سلسلة تركز على الحوار المعمق مع صانعات وصانعي الثقافة بأشكالها المختلفة، بما يقدّم قراءة للمشهد انطلاقًا من المنتج الفني والتجربة الشخصية. قدمنا فيها حوارات مع سلمى الطرزي، وإيمان مرسال، وأوكسانا تيموفيڤا، ونادية منير، وهلال شومان، ومحمد نعيم، ويوسف رخا، ووليد الخشاب، وهيثم الورداني، وآخرين.
كوكبة: سلسلة برمجة أدبية وفنية، يقدّم فيها كل مرة المبرمج/ة توليفة لعدد من الأعمال الفكرية أو الإبداعية، لتكون بمثابة اقتراح لبرنامج قراءة أو مشاهدة. قدمنا فيها العديد من البرامج منها «العالم رواية بوليسية»، و«البطل حيوان»، و«شهود عيان»، و«خزعبلاتي الجميلة»، و«كيف نفهم الألم؟»، و«أدب القرين».
سابع مدى: باب مهتم بالكتابة الإبداعية، نشرنا فيه نصوصًا لمحمد عبد النبي، عمرو عزت، أحمد الفخراني، نائل الطوخي، هبة خميس، أحمد ناجي، جيلان صلاح، محمود عزت، أحمد وائل، محمد فرج، هدى عمران، وغيرهم.
تقارير ذات صلة
المسارات المتعددة لرحلة مصطفى النجار
النجار خاض طريقًا طويلًا في العمل السياسي ربما سقط من الأذهان مع طول اختفائه
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه عن المجتمع
منذ أن أطلقنا موقع «مدى مصر»، ونحن ننشر قصصًا من واقع الحياة اليومية في مصر، وفي قسم المجتمع كان هدفنا الكتابة عن الظواهر المجتمعية بحيث تبرز كمساحة للتعبير عن قضايا…
10 سنين صحافة مستقلة: ما قلناه في الاقتصاد
كانت مصر تمر بأزمة سياسية واقتصادية استثنائية حين انطلق موقع «مدى مصر» منذ عشر سنوات. واليوم، نعيش في ما يبدو ذروة تقاطع الأزمة السياسية مع الاقتصادية. منذ بدايتنا ونحن نرصد…
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن