تخطي إلى المحتوى
Mada Masr
جارٍ البحث…
لا توجد نتائج لـ «».
تفكيك وجيه غالي: حتى لا يكون شخصية روائية

تفكيك وجيه غالي: حتى لا يكون شخصية روائية

هذا النص ضمن رُحنا وشُفنا#16 من «مُنتهى الأدب»

كتابة: هاني المصطفى 5 دقيقة قراءة
من ندوة استعادة وجيه غالي. المصدر: صفحة وكالة بهنا على فيسبوك

استعدادًا لحضور ندوة استعادة وجيه غالي وتفكيكه، لم أجد سوى روايته الوحيدة، «بيرة في نادي البلياردو»، قرأت عن يومياته ومراسلاته، لكن لم أجد نقدًا عنه باستثناء التركيز على زيارته لإسرائيل بعد 1967 ثم انتحاره في 1968. وبسبب هذا القليل عن الأدب والكثير عن الأديب «رُحت وشُفت» هذا الحدث في بلاتوه وكالة بهنا في الإسكندرية.

غالي كاتب مصري من خلفية اجتماعية ميسورة حاصل على تعليم عالٍ، يُغادر البلاد في مطلع الخمسينيات ويكتب رواية عن الفترة التي عاشها في مصر باللغة الإنجليزية، تتحمس لنشرها واحدة من أكبر دور النشر البريطانية «بينجوين» في 1964، بعد أربع سنوات من كتابتها. تحكي «بيرة في نادي البلياردو» عن شخص مرح مغامر ساخر يعيش الحياة بالطول والعرض. يظل كل ذلك خفيًا على القارئ العربي، حتى تُرجمت إلى العربية بعد نحو 40 عامًا من كتابتها، لتصبح واحدة من أكثر الروايات مبيعًا، ويتحمس لها القراء بل ويعلن بعضهم أن هذه هي الكتابة الروائية كما يجب أن تكون. 

يدفع الاهتمام بغالي بعض الكُتّاب والباحثين لمعرفة المزيد عنه، فتُتَرجم رواية محررة غالي، ديانا آتهيل، «بعد جنازة» المُستوحاة من علاقتهما شديدة التعقيد، ثم يوميات غالي نفسه ثم الرسائل المتبادلة بينهما. يكوّن كل هذا بالإضافة إلى واقعتي زيارة إسرائيل والانتحار أرشيفًا يظل لا يرسم صورة كاملة عن غالي، بل يضيف المزيد من علامات الاستفهام حول سيرته كشخصية «ترنو أن تصبح شخصية روائية» كما يقتبس غالي نفسه من ديستوفيسكي في مقدمة روايته. 

يسَّر علي العدوي ندوة استعادة غالي على يد زينب مجدي، التي حصلت على الدكتوراه عن أدبه، ومحمد الدخاخني، مترجم يومياته. وقدّم العدوي نبذة عن غالي. وُلِد في الإسكندرية أواخر عشرينيات القرن الماضي لعائلة تنتمي إلى الطبقة المتوسطة العليا. توُفي والده ووجيه في سن مبكرة فنشأ في كنف والدته وزوجها الجديد المنتمي لعائلة أرستقراطية، حصل على تعليم متميز بالتحاقه بـ«كلية فيكتوريا»، وعاش في الإسكندرية الكوزموبوليتانية في الثلاثينيات والأربعينيات. ثم انتقل إلى القاهرة لدراسة الطب، وهناك عاش حياة صاخبة. انخرط في الأوساط السياسية والثقافية دون أن ينتمي إلى أي منها. تبنى بعض المواقف التي تبدو متناقضة كنقده للبرجوازية دون ممانعته في العيش «على قفاها». سخر من الجميع كما ذكرت زينب مجدي، مشيرة إلى خلط القراء بين سيرة غالي وشخصية رام في «بيرة في نادي البلياردو»، حتى إن أحد الكُتّاب ادعى أن غالي شخصية مُختلقة غير حقيقية.

في مداخلته، أشار الدخاخني إلى الموضوعين اللذين سيطرا على اليوميات، وهما عدم الاستقرار العاطفي والمادي من ناحية، ومحاولات اقتناص لحظة للكتابة وسط هذه الدوامات، لم يفكر غالي في العودة إلى مصر، وعاش في أوروبا كمواطن أوروبي لا يمانع في زيارة إسرائيل ليكتب لجريدة تقريرًا سياحيًا عن زيارته. تغيّر هذا الموقف فيما بعد بمزيد من التحليل وإعادة النظر في تبعات الحرب، إلا أن الاكتئاب كان قد تمكن منه فأنهى حياته في شقة آتهيل عام 1968.

تشير مجدي إلى التضاد الشديد بين روايته المرحة الوثّابة ويومياته السوداوية الكئيبة، كما قارنت بين النبذة الشخصية التي كان يكتبها غالي عن نفسه، والتي أصبحت تُستخدم بعد رحيله. كان غالي يقدم نفسه كاتبًا له العديد من المشروعات الأدبية والفكرية وصحفيًا، وقد يذكر أيضًا المهن التي امتهنها مثل أنه كان موظفًا في ميناء وفي بنك وكان جليسًا لكبار السن. أما بعد رحيله، فلا حديث سوى عن علاقته بآتهيل وانتحاره وتعليقات عن حياته كما صورتها يومياته.

يلتقط الدخاخني الخيط من هنا ليتحدث عن اليوميات، التي قدمتها أهداف سويف بالإنجليزية، وعكف على ترجمتها للعربية، مركزًا فيها على هذه الجوانب:

بشكل مباشر، يطلب غالي في بعض مقاطع يومياته من القارئ ألا يصدق كل ما يكتُبه، ويخبره أن ذكر شيء ما لا يعني بالضرورة أنه صحيح. أحيانًا ترتقي اللغة إلى كتابة أدبية جيدة عندما يقدم شخصيات مرت في حياته في بورتريهات شخصية مكتوبة بإتقان. إلا أنها تظل مقاطع قليلة لا تقارن بباقي اليوميات التي كُتبت بلغة مختلفة تمامًا. 

لغة اليوميات بسيطة وتكرارية، بدارجة بريطانية قديمة. تصبح اللغة استشراقية في المواضع التي يتحدث فيها عن مصر. إلا أنه لم يستخدم كلمات عربية بالمرة في هذه اليوميات، عدا عبارة واحدة ذكرت في بعض المقاطع وهي «بسم الله الرحمن الرحيم» لكنها مكتوبة بشكل خاطئ.

كُتبت اليوميات على فترات متباعدة وبشكل غير منتظم. ونستطيع أن نقول إن معظمها كُتب في حالة نفسية سيئة، وكأن كتابتها كانت نوعًا من التنفيس عن هذه الحالة. لم يكتب غالي هذه اليوميات رغبة في نشرها. بل طلب في خاتمتها من آتهيل مراجعتها وتحريرها واختيار ما يصلح منها للنشر. أي أنها مجرد مادة خام للكتابة وليست عملًا إبداعيًا كُتب بوعي موجه إلى قارئ.

 في نقدها اللاذع لـ«بعد جنازة»، طلبت أهداف سويف من آتهيل أن تفرج عن الرسائل واليوميات بقولها إن «على الأرجح سيكون غالي أكثر سعادة لو حررت ديانا [آتهيل] يومياته» وبعد ذلك صارت هذه المادة متاحة للقراء.

بحسب العدوي، فإن ما قرأناه كان ما اختارته لنا آتهيل أن نقرأه. فقد تحفظت على هذه المادة الغنية لمدة زادت عن 20 عامًا، بل نشرت رواية «بعد جنازة» في 1986، وترجمتها إلى العربية نرمين نزار، لتحكي عن علاقة عاطفية شبيهة بعلاقتها بغالي الذي أسمته «ديدي». ينطبق ذلك على الرسائل المتبادلة بينهما التي وقعت في طريق الباحثة ديبرا ستار بالصدفة البحتة فصورتها وقدمتها إلى جامعة كورنيل، ونشرت فيما بعد في كتاب منفصل، ترجمه إلى العربية وائل عشري. يشير العدوي أنها كانت ما تبقى من رسائل وليست كل ما كتب. 

حاول غالي كتابة رواية ثانية دون نجاح. وتساءل العدوي عن عدم استخدامه خبرات حياته الثرية بالتجارب الإنسانية المثيرة للاهتمام في كتابته، كالمهن المتفرقة التي عمل بها. 

هكذا يتعقد الموقف لندرة المادة المتوفرة عن هذا الكاتب، ولهذا أثارت هذه الاستعادة المزيد من الأسئلة التي ستدفع عددًا من الحضور وقراء هذا العرض -وكاتبه قبل الجميع- لقراءة المزيد عن غالي إن وُجِد أو ظَهر. 

عن الكاتب

هاني المصطفى

مصور فوتوغرافي ومخرج أفلام قصيرة. يزور الكتابة أحيانًا كي يصف صورًا مرت عليه دون أن يلتقطها. يسافر في البلاد يُدرس الأطفال ويمشي في الأسواق. يسمي الله ويأكل مما يليه.

تقارير ذات صلة

دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.

اشترك الآن