تركنا زياد في «هدوء نسبي» ورحل
كان خبر رحيل زياد رحباني أول ما قرأته عندما استيقظت صباح السبت. وكي أستوعب الخبر، جلست أستمع إلى مقطوعة موسيقية أبدأ بها أغلب أيامي، خاصة في عطلات نهاية الأسبوع، كنوع من الهدوء الصباحي الجميل. وفي كل مرة أسمعها، أتساءل: كيف أقنع زياد السيدة فيروز بأن تشارك في تلك الأغنية بهمهمات، وبكلمة واحدة فقط: «وقمح»؟.
للأغنية وقع مختلف في ظل الخبر الصادم والمجاعة ورائحة الموت في غزة. ورغم أن زياد لحّن الموسيقى متأثرًا بأغنية «سنيورة» لشفيق جلال وألحان كمال الطويل، بدا وكأن المقطوعة أصابها الحزن من أثر الرحيل، حزنًا ألمّ بالجميع، وكأنه صديق الكل، ورفيق الأيام والسنين.
رغم كل هذا الحزن، سيبقى زياد وأعماله خالدة ومستمرة معنا ومع الأجيال الصغيرة، وسيشعر كل من يكتشف أعماله ويعيد الاستماع إليها أن صوته وأفكاره ومشاعره حاضرة بقوة، في أغلب أعماله الموسيقية. موهبة متفجرة منذ الصغر، رغم كل ما شهده في طفولته من أجواء عصيبة في البيت، ومحاولات الصلح بين الأب عاصي الرحباني والأم فيروز. كانت الموسيقى مساحة الهرب الجميل للطفل زياد.
ومع خطواته الأولى في مرحلة الشباب، وبداية عمله مع فيروز ومرض عاصي في مطلع السبعينيات، وبعد نجاحات أولى صغيرة وأعمال تجارية حاول بها توفير قوت يومه، وقراره ترك بيت أهله والاعتماد على نفسه، وجد نفسه أمام حرب أهلية مخيفة وصعبة، حتى أنه يحكي كيف عاش في منطقة تماس بين بيروت الغربية وبيروت الشرقية، ليعيد القدر له الوقوف بين جبهتين، كما كان بين فيروز وعاصي.
يحكي زياد عن 100 يوم من القصف والاشتباكات المستمرة، بعد ما يقارب من عشر سنوات من الحرب الأهلية، تتبعها هدنة مؤقتة، ينخفض صوت الرشاشات، لكنه لا يختفي من الخلفية. في أوقات الهدنة كانت الفصائل تشتبك مع نفسها، وتدور حروب فرعية صغيرة. لم يعد سهلًا السيطرة على شهوة الدم والطلقات، خاصة مع قطع الكهرباء، لا يوجد شيء نفعله إلا اللعب بالرصاص. كانت الإذاعات اللبنانية تسمى تلك الفترات بـ«الهدوء النسبي»، ومن وحيها خرج إلينا أحد أهم ألبومات مسيرة زياد، «هدوء نسبي»، الذي أحاول استعادته هنا، لمناسبته اللحظة.

يقول زياد عن «هدوء نسبي» إنه «محاولة موسيقى شرقية يفهما العالم»، وكي يتعرف الجمهور والتاريخ على الألبوم وكيفية صنعه، قرر أن يسجل فيلمًا يقدم فيه تصوراته عن الألبوم وعن الموسيقى، ويتخلص به من الهالات المحيطة بالفنان، وفكرة الوحي، والإبداع، ليقول أن الأمر أبسط من كل التعقيدات.
على غلاف الألبوم نرى سيدة تضبط حذاءها بينما تنظر لنا، وخلفها بندقية كلاشينكوف، تعبير دقيق عما تعيشه لبنان في تلك المرحلة. لم تكن المرة الأولى التي نرى فيها أسلحة في غلاف ألبوم لزياد، فقبل الحرب الأهلية قدم مسرحية «نزل السرور»، وكانت صورة المسرحية لجوزيف صقر وسامي حواط بالأسلحة وبجانبهما كارمن لبس. وقد اقتبس زياد فكرتها من القصة الحقيقية لاقتحام بنك أوف أمريكا، في تبعات حرب أكتوبر 73.

يتضمن الفيلم كواليس تحضير بعض أغاني الألبوم، بجانب تسجيلات حفلة الجامعة الأمريكية ببيروت، وكان غلافه صورة من الحفلة، بجانب صورة صغيرة لإحدى صور ألبوم «هدوء نسبي»، تصور ممرًا باللون الأزرق وفي نهايته كلمة «Exit». في تلك الصورة وفي صورة الحفلة نجد جملة «Oriental Jazz»، جاز شرقي.

في الألبوم هناك ستة تراكات من 12 مختلفة بين نسختي الألبوم ونسخة الفيلم بالحفلة المصورة داخله، والتي قدم فيها أغان سابقة على الألبوم، مثل «أبو علي» و«مقدمة 83 و«ع السنسول»، و«إذا بعد في مجال»، ومقطوعات كلاسيك موزارت وشوبان.
في تلك المرحلة كان مشروع زياد قائمًا على تقديم الجاز الشرقي، فعل ذلك بألبوم هدوء نسبي وحفلته، ثم ألبوم «بهالشكل». في هذه السنوات، في منتصف الثمانينات، حاول زياد تقديم جاز شرقي حقيقي متفاعل مع فكرة الجاز الأمريكية، وفي الوقت نفسه موسيقى لبنانية جديدة. في الفيلم يعرّف زياد الجاز، أنه ما هو إلا مساحة من الارتجالات المستمرة، قصة واحدة يحكيها أشخاص مختلفين كل منهما بشكل مختلف. وهي الفكرة التي يجد لها صدى في الموسيقى الشرقية، وارتجالاتها في الغناء. ويضرب مثالًا على جملة «بقى يقولي وأنا اقوله» لأم كلثوم من أغنية «الحلم»، وكيف يمكنها إعادة تلك الجملة فقط، بعدد لا نهائي من الارتجالات، دون أن تشعر بالملل، بل على العكس تمامًا ستطرب، حتى أن هناك بعض اللحظات ستقع الكلمات نفسها، وتبقى «أقوله» فقط، كلمة ليس لها أي معنى أو وقع، لكن مع الموسيقى، يمكنك أن تبحر معها وتطرب نفسك، وهذا ما فعله الشيخ محمد عمران والشيخ ممدوح عبد الجليل مع نفس الجملة. لذلك نجد زياد يقدم أغنية روح خبر على لحن أغنية «soul shadows»، أيضًا عند تقديمه لمقطوعة «Yardbird Suite» من standard Jazz للعازف الجاز المهم تشارلي باركر. حتى في حديثه عن موسيقى البلوز يوضح للجمهور أنه بتغيير بسيط في تلك الموسيقى، نجد أنفسنا أمام مقام الحجاز، وهو مقام ننوح عليه أيضًا، كما ينوح الأمريكان ذو الأصول الأفريقية على موسيقى البلوز.

في الفيلم نرى إدراك زياد للعلاقة بين الموسيقى العربية والموسيقى الغربية، فقام بعزف السيمفونية الأربعين لموزارت على العود، والتي غنت عليها فيروز أيضًا أغنية «يا أنا يا أنا». أيضًا نجد محاولات عازفي النفخ والبيز جيتار لعزف الربع تون الشرقي على تلك الآلات الغربية. زياد يدرك أن مقطوعات الموسيقى الصِرفة ليس لها سوق حقيقي في مساحتنا العربية. ضَع كلمات على الموسيقى كي تنتشر وتحقق نجاحات، خاصة لو كانت بصوت مطرب أو مطربة مشهورين، ولا يوجد أحد أشهر من صوت والدته فيروز، لكنه لم يأخذ طريق الآخرين، وكان مؤمنًا بما يقدمه.
قدم زياد أيضًا في الألبوم أغانٍ حققت نجاحًا قويًا مثل «بلا ولا شي» و«ما تفل»، بصوت سامي حواط و«بصراحة»، بصحبة صوت زياد وأصوات نسائية، مثل مونيكا عسلي في أغنية «خلاص»، وستيفاني ستيفان في أغنية «من كل بد».
وعن مقطوعة «هدوء نسبي»، يتحدث زياد في الفيلم، بأنها قائمة على موسيقى شرقية وإيقاع شرقي خالص، «واحدة كبيرة»، وكيفية تقديمه تلك الروح الشرقية والإيقاع الشرقي على آلات غربية مثل البيانو، «مش مخترعين شيء، ممكن تقول عليها موّال، بس إحنا عملنا موسيقى». تفكير ومحاولات من أجل تقديم شيء جديد، حقيقي وصادق، وسط الحرب، ومثل ما تقول إحدى بطلات الفيلم من المطربات: عم بنعرج بس اللي بيعرج بيمشي بس يمشي بطيء».
خلال الفيلم نجد بين كل أغنية والأخرى مشهدًا لزياد، يسأل أحد العاملين في الاستديو عن التليفون، وهل توجد حرارة أو لا، بلمسة سينمائية ساخرة من منى الصبان، والتي مَنتجت الفيلم، وكتبت عن التجربة: «المونتاج تم سنة 1985 في ستوديو مونتاج تحت الأرض بأربعة طوابق، تحسبًا لأي قنابل تنزل، وبالرغم من هذا كنا كثيرًا ما نسمع أصوات القذائف التي تنزل في منطقة الحمرا، التي يقع فيها الاستوديو. استغرق المونتاج حوالي ثلاثة أشهر، ويوميًا يبدأ العمل من الساعة 11 صباحًا، وينتهي حوالي الثالثة أو الرابعة». بجانب مشاكل الكهرباء والمواصلات ووصول الفنانين للاستديو والمعابر والرصاص، ووسط كل تلك الأمور الإنتاجية الصعبة كان شريط «هدوء نسبي» ينسخ في الأسواق بشكل ردىء بالطبع.
لم يحاول زياد إرضاء الجميع، أو البحث عن مكسب شخصي في تلك الفترة الصعبة، حتى أن الأغاني التي بها كلام كانت أقرب للأغاني العاطفية من أي شيء آخر. وإذا كنت بلا دراية بكل ظروف العمل وتوقيته، فإن ذلك لن يؤثر على تجربتك السمعية، سواء كنت لبنانيًا أو غير لبناني. ستظل تلك الأعمال خالدة، غير مرتبطة بزمن أو بحالة.
ربما ما زاد حزني المفجع عند سماع خبر رحيل زياد، له علاقة بتلك اللحظة التي رحل فيها ورمزيتها، فزياد سيبقى دائما بيننا، حاضرًا بكل قوة، وستتعرف عليه الأجيال القادمة أيضًا. لكن في ظل ما تشهده المنطقة العربية من حروب دامية، ووسط مذبحة غزة وصمت العالم، ومجاعة على بعد كيلومترات منا، يتصرف الجميع وكأننا في «هدوء نسبي»، هدوء زائف ومخيف وحزين. غياب زياد غياب لفكرة الفنان الحقيقي، صاحب وجهة النظر، وليس صاحب السلطة ومسؤولي الترفيه. الرحمة لزياد والصبر للسيدة فيروز في فقدها وفقدنا.
تقارير ذات صلة
أطياف التمرد والدروشة والتطهر في «سر» مريم صالح
ينتظر مريم صالح وفريقها تحدٍ موسيقي كبير في تحويل هذا الألبوم بكل طبقاته إلى لايف
الأغنية في أفلام داود عبد السيد
تُختار الأغاني بعناية ودقة، لا تشعر بها في أغلب الوقت، ولكنها تضيف بعدًا للمشهد
بلاي ليست «البوب الجديد»: أغاني واكتشافات سوق الموسيقى في 2025
ما خرجنا به من سوق أغاني 2025 الجماهيرية
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن