ربما يكون أكبر دليل على القوة غير المحدودة لشركات الأدوية العالمية الكبرى هو إطاحتها برئيس مكتب براءات الاختراع المصري السابق، عادل عويضة، بعدما أصدر قرارًا غير مسبوق برفض منح براءة اختراع لعقار «سوفالدي»، أول دواء قادر على علاج فيروس الكبد «سي». هذا القرار هو ما سمح للدولة بالتفاوض على سعر منخفض لشراء الدواء لتتمكن من بدء حملة مكافحة المرض الذي استوطن مصر، في واحدة من أنجح الحملات الصحية في تاريخ مصر وأكثرها إثارة للإعجاب.
الشركة منتجة عقار «سوفالدي» هي «جلياد ساينسيز»، وتمتلك حقوقًا حصرية لتطوير الدواء لمدة 20 عامًا. حددت الشركة سعره في البداية عند 85 ألف دولار للجرعة الكاملة. بررت الشركة ذلك بتكاليف البحث والتطوير. لكن في الواقع، لم تخترع الشركة هذا الدواء، وإنما استحوذت عليه مع استحواذها على شركة فارماسيت، وهي شركة صغيرة للتكنولوجيا الحيوية مقرها في نيوجيرسي قامت بتطوير العقار. هذا السعر الهائل يتجاوز في المتوسط أكثر من 800 ضعف تكلفة إنتاجه، والتي تتراوح بين 68-136 دولارًا، بحسب تقدير دراسة من جامعة ليفربول. السبب، بحسب الباحثة في مجال الصحة، هبة ونيس، هو أن الشركة قارنت الدواء بتكلفة زراعة الكبد، البديل الوحيد الناجع الذي كان متاحًا وقتها. منطق الشركة هو أن «المريض علشان الواحد يروح يعمل زرع كبد هيتكلف أد إيه، خلاص أنا هسعّر بنفس ثمن زراعة الكبد»، بحسب تعبيرها.

تقدمت الشركة إلى مكتب براءات الاختراع المصرية لتسجيل العقار. لكن رئيس المكتب وقتها، عادل عويضة، رفض منحها البراءة بسبب افتقادها شروط «الجدة والابتكار»، وهي أحد الشروط الأساسية التي يجب توافرها لمنح البراءة بحسب القانون.
سمح هذا الرفض لمصر بالتفاوض مع الشركة وخفض ثمن الجرعة من 85 ألف دولار إلى 22 ألف جنيه فقط، لتتمكن بعدها حملة التخلص من فيروس سي من الانطلاق. لكن هذا انتهى بالإطاحة برئيس المكتب في كل الأحوال.
تتجاوز سطوة هذه الشركات حتى سلطة الدول نفسها عبر بنية قانونية وتشريعية تتجاوز حدود الدول، سمحت لها بفرض السعر الذي تريده ومنع إنتاج أي بديل له، دون وجود أي قوة مقاومة حقيقية من أي طرف آخر، حتى الدولة نفسها. تركيبة هذه البنية تطورت طوال عقود لتجعل الفكاك منها أمر مستحيل. خلال الأشهر الماضية، تحدث «مدى مصر» إلى مجموعة من متنوعة المصادر من مرضى وأطباء ومسؤولين عن الصحة والدواء وتراخيصه في مصر لفهم البنية التي سمحت بفرض نفوذ شركات الدواء العالمية الكبرى، والتي تُعرف شعبيًا بالـ«بيج فارما»، وتبعاتها.
يقول عويضة لـ«مدى مصر» إنه تعرّض في ذلك الوقت لضغوط هائلة قام بها لوبي شركات الدواء لمنح الشركة براءة الاختراع. الفاحصة السابقة في مكتب براءات الاختراع المصري، منة الكتيمي، التي كانت مسؤولة عن فحص ملف «سوفالدي»، تؤكد أنه كانت «هناك رسائل تصل إلى عويضة من جهة ما تضغط عليه لقبول طلب شركة جلياد الأمريكية بحقها بحصول العقار على براءة الاختراع في مصر». بحسب مصدر رفيع من المكتب على معرفة وثيقة بما دار وقتها، اشترط عدم نشر اسمه، وصلت هذه الضغوط إلى درجة أن عويضة اشتكى منها في جلسة جمعته بمسؤول في جهاز المخابرات العامة التقى به لشرح ما يتعرض له.
هذه الضغوط لم تأت فقط من الشركات. كانت هناك كذلك ضغوط دبلوماسية مارستها السفارة الأمريكية في مصر، والتي سعت لدى مسؤولين كبار في الحكومة المصرية لإجبار المكتب على منح البراءة لـ«جلياد» وبالتالي منع أي شركات أخرى من إنتاج أدوية جنيسة (بديلة بأسعار أرخص)، بحسب مصدر رفيع آخر من مكتب براءة الاختراع.
لكن عويضة صمم على موقفه، ليصبح المكتب المصري ضمن ثلاثة مكاتب فقط حول العالم رفضت منحها البراءة. ولهذا نجحت مصر في خفض السعر.
وبينما كانت وسائل الإعلام المحلية تنقل التجربة المصرية الفريدة، والتي جعلتها نموذجًا لدول أخرى منخفضة ومتوسطة الدخل، تسببت الضغوط الكبيرة في النهاية في عدم التجديد لعويضة في منصبه، بحسب إجماع المصادر.

في كثير من الأحيان، تصبح هذه السطوة مسألة حياة أو موت. كان هذا واضحًا بالنسبة لرضوى محمد، 24 عامًا.
لم يكن يفصل بين رضوى والموت سوى دواءً واحدًا. الأمر بسيط فقط إذا لم يكن سعر العلبة الواحدة من هذا الدواء 36 ألف جنيه.
اكتشفت رضوى إصابتها بسرطان اللوكيميا النخامية قبل عامين تقريبًا. خاضت رحلة معاناة للعلاج لكن حالتها انتكست مرة أخرى. قرر طبيبها إجراء عملية زرع نخاع تلاها بتغيير البروتوكول العلاجي وتكثيف جرعات العلاج البيولوجي إلى جانب أدوية أخرى.
أحد أهم العلاجات الموصوفة لها كان دواء «جكافي 20 مجم» من إنتاج شركة نوفارتس السويسرية، إحدى أكبر شركات الدواء في العالم. طُرح الدواء في الأسواق عامي 2011-2012، لكن سعره يتجاوز الآن 36 ألف جنيه للعلبة الواحدة، وتكفي شهرًا واحدًا.
عملت رضوى عاملة في مصنع ملابس لكنها تركت عملها بعد انتكاس حالتها. أما زوجها فيعمل في كافيه بيومية 100 جنيه، ولديهما طفل عمره ثلاث سنوات. لهذا لا يمكن لأسرة مثلهم تحمل دواء باهظ الثمن بهذه الدرجة. «أول لما عرفت سعره مبقتش عارفة أعمل إيه، لفيت على كل مستشفيات الأورام لكن للأسف قالولي إن العلاج ده مبيكونش على نفقة الدولة»، قالت رضوى.
في الحالات الخطرة مثل حالتها، يبدأ السرطان في مهاجمة الوجه ثم ينتقل إلى الرئة والكبد إذا توقف الدواء. جمع بعض الأطباء تبرعات واشتروا لها علبة منه. بدأت رضوى في التحسن بالفعل. معظم الحالات تضطر للجوء إلى الأطباء والمعارف للمساعدة بتكاليف العلاج، لكن لا شيء يمكنه الاستمرار في تغطية تكلفة كهذه كل شهر لمدة عام.
ما يزيد الأمر تعقيدًا هو أن «جكافي» ليس له بديل مصري. وبسبب ثمنه الكبير، لا تستطيع قرارات العلاج على نفقة الدولة تغطيته، كما يشرح طبيب أمراض الدم، رمضان عيد، الذي أشرف على علاج رضوى.
ـــ
تطور تأثير شركات الدواء العملاقة عبر العقود الماضية، وتطلب هذا تغييرًا في البنية القانونية والتشريعية التي تحكم أعمالها، محليًا ودوليًا.
في البداية، وحرصًا على توفير الأدوية للمرضى بأسعار معقولة تتناسب مع مستويات الدخل فيها، اتجهت تشريعات الدول النامية إلى استبعاد الاختراعات الدوائية من الحماية المقررة ببراءة الاختراع، أو تقليص هذه الحماية للحد من سيطرة شركات الأدوية العملاقة متعددة الجنسيات ومغالاتها في أسعار الدواء.
اتبع القانون المصري الملغى رقم 32 لسنة 1949 بشأن براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية هذه السياسة التشريعية. كانت المادة 2 فقرة (2) من القانون تحظر منح براءة اختراع للاختراعات الكيميائية المتعلقة بالأغذية والعقاقير الطبية أو المركبات الصيدلانية. وبفضل هذه السياسة التشريعية، تكوّنت شركات صناعات دوائية في الدول النامية ومن بينها مصر.
شهدت الصناعة نهضة كبيرة في مصر قبل مرحلة الانفتاح الاقتصادي في السبعينات. توضح ناهد يوسف، خبيرة صناعة الدواء وإحدى من شاركوا خلال فترة النهضة هذه، في كتابها «دواء وعلل: قصتي مع صناعة الأدوية من الازدهار إلى الأزمة» والذي يحكي عن تاريخ صناعة الدواء في مصر، أن مؤسسة الأدوية التي تأسست في 1962 قادت حملة لتوفير الدواء لـ500 وحدة صحية، واستعانت في ذلك بالمصانع الصغيرة التي كانت موجودة آنذاك، إلى جانب تأسيس شبكة من ثمانية مصانع جديدة. كان الهدف من ذلك زيادة الإنتاج المحلي من المستحضرات الدوائية من 5% إلى 85%.
في تلك المرحلة أيضًا، تأسست أكبر شركة لصناعة الدواء في الشرق الأوسط، شركة النيل للأدوية، والتي بُني مصنعها العملاق خلال عامين، وتولى الخبراء المصريون تصميم وتصنيع جميع المستحضرات الدوائية اللازمة لمختلف التخصصات. ووفرت مؤسسة الأدوية الحماية اللازمة لتلك الصناعة في مواجهة شركات الأدوية العملاقة التي عملت جاهدة على إفشالها، لأن مصر كانت تستورد منها معظم احتياجاتها من الأدوية والخامات. خلال أقل من عشر سنوات، حققت تلك الجهود الهدف المنشود، وأصبحت المصانع المصرية تغطي 85% من الأدوية وبعض خاماتها، إذ صارت تنتج نحو خمسة آلاف صنف من الحقن والأقراص والسوائل والمراهم والمحاليل. وأصبح في مصر 120 مصنعًا للدواء بحلول أوائل السبعينيات.
لكن في السبعينيات، تعرضت الصناعة لحملة تفكيك ممنهج في ظل سياسة الانفتاح. أثرت سياسات تشجيع القطاع الخاص التي تبنتها الدولة في ذلك الوقت بشكل خاص على صناعة الدواء. ونجح هجوم شركات الأدوية العملاقة ضد صناعة الدواء المصرية، حتى انخفضت نسبة المنتج المحلي من الدواء الآن إلى 5% مرة أخرى. وأصبحت نسبة لا تقل عن 40% من الأدوية التي تنتجها المصانع المصرية تُصنّع لحساب الشركات الأجنبية والباقي يستورد من الخارج. وصارت تلك الشركات تحول أرباحها للخارج بالعملات الصعبة، دون أن تبني مصنعًا أو تُعين عاملًا، ودون أن تضيف مستحضرًا محليًا لعلاج أمراض كالسرطان بدلًا من الاعتماد في ذلك على الاستيراد، بحسب كتاب يوسف.

كانت الخطوة الأولى إبرام الشركات العالمية اتفاقات مع شركات القطاع العام لتصنيع مستحضراتها بموجب ترخيص «under license» دون أي محددات أو شروط تحمي المستحضر المصري المماثل.
كذلك بدأ تغيير البنى التشريعية التي سمحت من قبل بتطوير هذه الصناعة محليًا. في سبتمبر 1986، أصدر المؤتمر الوزاري المكون من وزراء تجارة الدول الأطراف إعلانًا وزاريًا ببدء جولة جديدة من المفاوضات التجارية. وحدّد الإعلان الموضوعات التي تشملها المفاوضات، وكان من بينها لأول مرة الملكية الفكرية.
تم التوقيع على وثيقة الإعلان الوزاري هذه في مدينة مراكش بالمغرب في أبريل 1994، والتي أسفرت عن تأسيس منظمة التجارة العالمية. وكان من أهم الاتفاقات التي أسفرت عنها الجولة اتفاقية الجوانب المتصلة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية (اتفاقية تريبس). وضعت «تريبس» حدًا أدنى من معايير حماية حقوق الملكية الفكرية، وأوجبت المادة الأولى منها على الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية توفير معايير الحماية المذكورة في تشريعاتها الوطنية.
ألزمت الاتفاقية الدول الأعضاء بمنح براءات الاختراع وضمان حقوق ملكيتها دون تمييز على أساس مكانها. وأوجب هذا على الدول التي كانت تستبعد الاختراعات الدوائية من الحماية على منح براءة الاختراع طالما توافرت شروط ثلاثة هي: الجدّة، والخطوة الإبداعية، والقابلية للتطبيق الصناعي.
وضعت اتفاقية تريبس نظامًا لحماية الأسرار التجارية أطلقت عليه «المعلومات غير المفصح عنها/ Undisclosed information»، وأدخلته فى عداد الملكية الفكرية. هذا النظام يتفق فى كثير من الوجوه مع نظام «حماية أسرار التجارة/ trade secrets» فى القانون الأمريكى، على الرغم من اختلاف المسميات.
وتناولت المادة 39 من الاتفاقية الشروط العامة لحماية المعلومات غير المفصح عنها، وتوجب توافر شروط معينة فى المعلومات حتى يمكن حمايتها قانونًا وهى السرية، وأن يكون للمعلومات قيمة تجارية نظرًا لكونها سرية، وأن يتخذ حائز المعلومات تدابير جدية للمحافظة على سريتها.
كما خصت الاتفاقية الصناعات الدوائية والكيميائية الزراعية بنوع خاص من الحماية دون غيرها من المجالات، إذ أوجبت المادة 39 على الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية بحماية تلك البيانات أو المعلومات من الاستخدام التجاري غير العادل ومن الإفصاح عنها إلا عند الضرورة.
يعد نظام حماية المعلومات غير المفصح عنها الذي استحدثته اتفاقية تريبس أحد أكثر عناصر منظومة الملكية الفكرية سلبية في تأثيرها على الصناعات الدوائية فى الدول النامية، وذلك لأن حماية بيانات الاختبارات السرية والمعلومات الأخرى التي يلزم تقديمها إلى الجهات الحكومية المختصة للحصول على ترخيص بتسويق الأدوية والمنتجات الكيميائية الزراعية تعرقل نشاط شركات صناعة الدواء في الدول النامية، لأن هذه الشركات كانت تعتمد بصفة أساسية على إنتاج الأدوية غير المحمية ببراءة اختراع/ generic drugs، التي ابتكرتها شركات الأدوية الكبرى، وسبق لها اختبار صلاحيتها من خلال التجارب التي أجريت عليها للتأكد من الأمان والفاعلية.
كانت للشركات العالمية الكبرى دور مهم في صياغة نصوص «تريبس»، وكان هناك ممثلون عن الشركات يصحب الوفود الرسمية من الحكومات في الدول الكبرى لتأخذ الموقف الدفاعي عن الشركات، بحسب أستاذ القانون التجاري بجامعة حلوان وعضو اللجنة الفنية التي وضعت قانون الملكية الفكرية المصري، حسام الصغير.
تأخر تطبيق الاتفاقية في مصر عشر سنوات، وهي فترة شكّلت مهلة لمصر لتطوير وتصنيع أدوية جديدة والابتعاد عن قبضة شركات الدواء العالمية، كما يشرح رؤوف حامد، أستاذ علم الأدوية في الهيئة القومية للرقابة والبحوث الدوائية، مؤكدًا أن هذه الفرصة لم تستغل.
ــــ
مع بدء التطبيق في بداية 2005، سقطت صناعة الدواء المصرية في قبضة حفنة من شركات الدواء العالمية. أصبحت معظم الأدوية الحديثة التي تنتجها الدول المتقدمة تتمتع بحماية حق امتيازات تصنيعها (براءة الاختراع)، ما يتيح للشركات متعددة الجنسيات احتكار إنتاج وبيع هذه الأدوية. ومنذ ذلك الحين، أصبح تطوير أدوية مصرية جنيسة أمرًا صعبًا.
أحد الأمثلة على هذا كان النزاع الذي بدأته شركة «ميرك شارب» الأمريكية مع شركة الدواء المصرية «ماركيريل» حين بدأت الأخيرة في 2018 إنتاج دواء «سيتاجلبتين»، والذي يستخدمه مرضى السكر. ضغطت الشركة الأمريكية على نظيرتها المصرية لإيقاف المنتج بحجة أنها حاصلة على براءة اختراع للدواء.
يقول حسام الصغير إن الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية وصل إلى مصر بعد إنتاج الشركة المصرية للدواء لمقابلة وزير الصناعة، حيث طلب منع بيع الدواء المصري، رغم أن منتج الشركة المصرية مختلف عن الدواء الأمريكي، لأن المادة الفعالة فيه هي «سيتاجلبتين» وليس «سيتاجلبتين مونوهيدرات» المستخدم في المنتج الأمريكي، حسب الصغير.
لجأت الشركة المصرية إلى القضاء الإداري اختصمت فيها الشركة الأمريكية ومسؤولي وزارة الصحة لتوضيح الفارق والتأكيد على أن الشركة الأمريكية لا تتمتع بحقوق مادة «سيتاجلبتين »، وأن هذا يسمح للشركة الأمريكية باحتكار الدواء في بلد مثل مصر والتي يعاني فيه 11 مليون مواطن من مرض السكر. كما اشتكت الشركة المصرية من الضغوط التي يمارسها السفير الأمريكي على وزير الصحة لإيقاف بيع المنتج، بحسب ادعاء الشركة في أوراق القضية التي حصل «مدى مصر» على نسخة منها وشرح الصغير لأبعادها.

كما تستخدم الشركات ألعاب مختلفة لإطالة مدة سريان البراءات وبالتالي أمد احتكارها. حين تسجل شركات الدواء العالمية أحد الأدوية، فإنها تحصل على براءة اختراع تمتد لفترة 20 سنة بحسب القانون.
قبل انتهاء فترة الـ20 سنة، تحاول شركات الدواء المصرية بدء تسجيل بدائلها حتى تتمكن من إنتاجه بمجرد انتهاء الفترة لأن الحصول على ترخيص تصنيع الدواء قد يستغرق فترة تصل إلى خمس سنوات منذ تسجيله.
لهذا تمارس شركات الدواء العالمية ضغوطها على المسؤولين لمنع تسجيل أي دواء قبل انتهاء فترة الـ20 سنة. ويتسبب هذا في أن شركات الدواء المصرية ستبدأ العملية بأكملها بعد انتهاء الفترة لتستغرق سنوات إضافية حتى تبدأ الإنتاج الفعلي. وتستفيد شركات الدواء العالمية من فارق هذه الفترة: بدلًا من أن تتمكن الشركات المصرية من إنتاج الدواء بمجرد انتهاء 20 سنة، قد يستغرق الأمر 25 سنة، مانحة الشركات العالمية سنوات إضافية تتمتع فيها باحتكار الدواء حتى بعد انتهاء الفترة.
منذ عام 2019، تحاول الكثير من شركات الدواء المصرية أن تحصل على تصريح لتسجيل دواء بديل من «إنتريستو»، أحد أهم علاجات ضعف عضلة القلب والذي تنتجه شركة «نوفارتس». سعر الدواء في السوق حاليًا 2800 جنيه، ووصل حجم مبيعاتها منه عالميًا عام 2022 إلى 4.6 مليار دولار. وضغطت «نوفارتس» على مسؤولي الشركات المصرية ولجأت حتى إلى التقاضي لعدم السماح لأي شركة بتسجيل دواء بديل قبل انتهاء الفترة والتي كان من المفترض أن تنتهي العام الماضي. وبالفعل لم تتمكن أي شركة مصرية من التسجيل المسبق، ما يعني أن الشركات المصرية ستحتاج سنوات حتى تتمكن من إنتاج البديل على الرغم من انتهاء فترة الحماية.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا، لأنه حتى بعد انتهاء فترة الملكية الفكرية بعد 20 عامًا، تلجأ العديد من الشركات إلى إدخال تعديل طفيف على المادة الفعالة للحصول على براءة اختراع جديدة وإطالة أمد احتكارها مرة أخرى، بحسب أستاذ أمراض الكبد، علاء عوض.
حتى الأدوية غير المحمية ببراءة الاختراع، تتمكن الشركات من حمايتها من خلال اللوبي السياسي من خلال ما يعرف بالمعلومات غير المفصح عنها. يشير الصغير إلى أن هذه الشركات تتمتع بنفوذ سياسي كبير يمكنها من التدخل والضغط من خلال حكوماتها. «لا يخفى على أحد أن الولايات المتحدة تتدخل وتطلب طلبات من الحكومة المصرية وتريد معايير حماية مرتفعة للأدوية تفوق معايير التربس»، يقول الصغير، «الأمر يصل إلى أن السفير الأمريكي يتصل برئيس الوزراء المصري لمنع تصنيع أدوية جنيسة، وذلك أمر معروف لدينا».
في معظم الحالات، لا تتمكن دول العالم الثالث من مقاومة ضغوط هذه الشركات بسبب خوفها من وضعها على القائمة السوداء للدول التي لا تحترم حقوق الملكية الفكرية، والتي يصدرها الممثل التجاري للولايات المتحدة الأمريكية سنويًا، وتتضمن الدول التي تنتهك حقوق الملكية الفكرية، وذلك تطبيقًا لقانون التجارة الأمريكية. ويمنح هذا القانون صلاحيات للممثل التجاري الأمريكي لرصد الدول وتقسيمها إلى: دول لا تنتهك الملكية الفكرية، دول تنتهك، ودول أكثر انتهاكًا. وتتعرض الدول الأكثر انتهاكًا لعقوبات اقتصادية مثل ما حدث مع البرازيل على سبيل المثال، حين تحدّت شركات الدواء العالمية في 2008 وقررت إنتاج أدوية لمرض الإيدز.
ــــــ
توفي والد محمد، طبيب أسنان، قبل عامين عن عمر 60 عامًا بعد اكتشاف مرضه بسرطان القولون والمعدة. قبل عام ونصف من وفاته، تعرض والد محمد لحالة من الصدمة بعد وصف الطبيب المعالج له دواء « جليفيك إيماتينب» من إنتاج شركة نوفارتس وسعره يصل إلى 35 ألف جنيه. «والدي أول لما عرف سعر العلاج كان متفاجئ وكان بيقول «دوا إيه اللي بالسعر ده، هاخده هخف على طول يعني، وكان رافض»، يقول محمد.
لجأ طبيب الأسنان إلى سيولة إدخارية لديه لتوفير الدواء لمدة عام ونصف العام تقريًبا، وقرر، في حال تعرضه لأزمة مالية، البدء في بيع أي شيء يمتلكه يمكن أن يوفر ثمن العلاج لوالده. «طبيعي أفكر أن أبيع أي حاجة معايا سواء شقة أو عربية أو أي حاجة العائلة تمتلكها»، يقول، «أنهي عيلة في مصر حتى لو مش فقيرة تقدر تشتري علاج بالسعر ده لفترة طويلة، ده غير مصاريفك الشخصية؟»
من المفترض أن سعر دواء «جليفيك إيماتينب» يصل إلى 35 ألف جنيه بحجة أن الشركة صرفت عليه أموالًا طائلة في البحث والتطوير، وبالتالي تبيعه بسعر مرتفع وتحتكره لمدة 20 عامًا. ولكن في يناير 2017، خلال المؤتمر الأوروبي للسرطان، تم إصدار نتائج تحليل تكاليف تصنيع أدوية الأورام المدرجة في قائمة منظمة الصحة العالمية للأدوية الأساسية. وكشفت البيانات عن أنه يمكن تصنيع معالجات مختلفة بنسبة 1% من الأسعار المفروضة عليها. وقالت الدكتورة ميليسا باربر، من كلية لندن للصحة والطب الاستوائي: «على سبيل المثال، يمكن إنتاج إيماتينب الذي يستخدم ضد ابيضاض الدم النخاعي المزمن، مقابل 54 دولارًا شهريًا». ومع ذلك، تبيع «نوفارتس» هذا العلاج بأسعار باهظة في دول العالم الثالث.
بعد وفاة والد محمد، تبقى علبة وشريط من الدواء، ليقرر أن يكتب منشورًا على وسائل التواصل الاجتماعي أنه يمتلكها، وعلى من يريد العلاج التواصل معه. «جالي كمية رسائل كبيرة أوي عايزة العلاج وحالتهم تعبانة أوي بس مكنش معايا غير علبة ونصف قسمت على كل مريض شريط»، يقول محمد.
في بعض الأحيان، تصل أسعار الدواء إلى مستويات لا يمكن تصديقها. مرضى الضمور العضلي النخاعي، على سبيل المثال، يحتاجون إلى دواء «ريسدبلام» والذي يصل سعره إلى 50 ألف جنيه ويُفترض الحصول عليها مدى الحياة، أو حقنة لمرة واحدة يصل سعرها إلى مليوني دولار أمريكي (حوالي 100 مليون جنيه مصري).
يتفق عدد من العاملين في المجال الصحي على أن عدم الاتساق بين قواعد الملكية الفكرية مع الصحة العامة وحقوق الإنسان يتسبب في منع وصول الدواء لقطاع كبير من المرضى، خصوصًا الفقراء منهم. يوضح رئيس لجنة الدفاع عن الحق في الصحة، محمد حسن خليل، أن المنظمات الحقوقية عارضت اتفاقية تريبس في بداية التخطيط بسبب احتكار الشركات متعددة الجنسيات للدواء وغلاء سعره.
لكن هذا لا يعني عجز الدول عن استخدام بعض الأدوات المتاحة للتخفيف من وطأة هذا الاحتكار.
أحد هذه الأدوات هو السماح بإنتاج الأدوية التي سقطت عنها حماية براءات الاختراع أو حتى تم رفض طلبات براءة الاختراع لها من مكتب براءة الاختراع المصري.
تشير ونيس إلى أن الكثير من هذه الأدوية يستمر استيرادها بمبالغ طائلة لغياب بديل مصري لها، رغم إمكانية إنتاجها محليًا بشكل مشروع وبسعر معقول. على سبيل المثال، الأدوية المستخدمة في علاج نقص فيروس نقص المناعة البشرية ومنها تركيبة «lopinavir/ritonavir»، والمعروفة تجاريًا باسم «Kaletra»، ليس لها طلب براءة اختراع في مصر. مع ذلك، فهي غير مسجلة من قبل أي شركة أدوية جنيسة في مصر.
وفقًا لموقع هيئة الدواء المصرية، لا يتوفر الدواء في السوق المصرية على الرغم من أنه يُوصى به لبعض الأشخاص المصابين بالإيدز. وتم رفض طلب براءة اختراع «Dolutegravir»، المعروف بالاسم التجاري «Tivicay» في مصر، وهو أحد الأدوية التي يوصي بها البروتوكول المصري لعلاج متلازمة نقص المناعة المكتسبة (الإيدز). ومع ذلك، لا توجد منه نسخة جنيسة مسجلة في مصر، ولهذا يستمر استيراده.
حتى إذا استمر الاستيراد، تختلف الأسعار كثيرًا بحسب المصدر التي يتم الاستيراد منه. بحسب ونيس، ترفض وزارة الصحة أو هيئة الدواء المصرية استيراد الكثير من الأدوية الجنيسة التي سقطت من براءة الاختراع لها بالفعل من أمريكا اللاتينية أو آسيا، مفضلة استيرادها من الدول الأوروبية، وتلزم الشركات المصرية المستوردة للدواء بذلك، بحجة أن هذه الأدوية في تلك الدول تصنع بطرق رديئة وغير صحية.
لكن خليل يشير إلى سبب آخر، وهو الضغوط على المسؤولين في وزارة الصحة والعلاقات الشخصية والمالية بين الشركات متعددة الجنسيات والمسؤولين عن الصحة في مصر. يشير خليل إلى أن أدوية الأورام في دولة كوبا (وهي دولة لديها إمكانات قوية في هذا المجال)، على سبيل المثال، تُنتج بسعر منخفض للغاية عن سعرها العالمي، ومنها أدوية سقطت بالفعل من نظام براءة الاختراع. رغم ذلك، تستورد مصر أدوية بسعر مرتفع للغاية.
هذا الموقف «عجيب»، بحسب وصف خليل. يقول: «هناك جلسة جمعتني مع سكرتير أول سفارة كوبا، أخبرني خلالها أنه تمت مناقشة وزير الصحة المصري لتوريد تلك الأدوية الجنيسة بأسعار أرخص بكثير، ونفس المادة الفعالة، ولكنه رفض، وتعجب السفير من سبب رفضه». لكن السبب، بالنسبة إليه، معروف. «الشركات متعددة الجنسيات لديها علاقات قوية مع المسؤولين في وزارة الصحة والمسؤولين عن المناقصات واستيراد الأدوية وتريد مكاسب لهم»، مضيفًا: «ممكن يكسب من الدواء الغالي اللي تستورده بـ15 ألف على سبيل المثال حوالي خمسة آلاف جنيه، لكن هيكسب إيه من دواء جنيس لما استورده بـ100 جنيه».
إلى جانب هذا، هناك أداة أخرى تُعرف بالتراخيص الإجبارية، وهي أداة تسمح بإنتاج منتجات لا يمكن تصنيعها عادة لأنها محمية ببراءات الاختراع إذا كان الغرض حماية الصحة العامة. وتم الاعتراف بهذه الآلية في اتفاقية الجوانب المتعلقة بالتجارة من حقوق الملكية الفكرية، المعمول بها منذ عام 1995، وإعلان الدوحة، الذي وقعته الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية عام 2001.
لكن المشكلة هي أن قِلة من الحكومات تعمل على موازنة انتهاكات شركات الأدوية متعددة الجنسيات في احتكار الدواء من خلال هذه الأداة.
كشفت قاعدة بيانات جمعها بحث عن أداة الترخيص الإجباري أن 13 دولة فقط من بين كل دول العالم هي التي استخدمت حق الترخيص الإجباري، ليس من بينها مصر. على سبيل المثال، استخدمت البرازيل هذا الحق في 2001 لخفض تكلفة دواء «إيفافيرينز» المستخدم في علاج فيروس نقص المناعة البشرية من إنتاج شركة «ميرك أند كو»، وهي شركة أمريكية متعددة الجنسيات. الولايات المتحدة نفسها كانت أول دولة تستخدم هذا الحق على الرغم من معارضتها استخدامه من قبل دول العالم الثالث ومنها مصر. استُخدم هذا الحق 44 مرة بين عامي 1960-2017، وتشترك الإكوادور مع إندونيسيا في الرقم القياسي للتراخيص الإجبارية بتسع مرات لكل منهما.

يوضح الصغير أسباب عدم استخدام مصر لهذا الحق حتى الآن. أحد الأسباب هو أن اللجنة الوزارية التي توافق على الترخيص الإجباري للدواء لم يتم إنشاؤها إلا منذ عامين فقط، رغم صدور القانون منذ عام 2002. كما أن الشركات الكبرى تمارس ضغوطًا كبيرة عليها لعدم استخدامه. ولأن نفوذ الشركات متعددة الجنسيات الكبرى هائل لدرجة تصل إلى تغييرها حكومات يمنحها قوة مخيفة لأي حكومة في دول العالم الثالث، بحسب الصغير، ولذلك هناك دائمًا حسابات لتطبيقه.
يتفق خليل على أن الترخيص الإجباري له كلفة سياسية، لذلك قليل للغاية من الدول لجأ إليها. أحد الأمثلة كانت جنوب إفريقيا التي لجأت إليها أوائل الألفية بسبب انتشار كبير لمرض الإيدز. بدأت الشركات في شن حملات قوية ضد جنوب إفريقيا بسبب هذا، وبدأت في رفع دعاوى لوقف تصنيع الأدوية المستخدمة في العلاج. من جانبها، بدأت منظمات الحقوقية شن حملات قوية ضد نظام الاحتكار. وبسبب هذه الحملات، يقول خليل، اجتمعت مجموعة من الشركات الكبرى في سويسرا «وقالت إن سمعتنا أصبحت أسوأ من تجار المخدرات، وتنازلت عن الدعوى».
يضيف خليل أن اتفاقية تريبس تسمح في حالة الوباء بكسر احتكار الدواء، لكن هذا لم يحدث في حالة «كورونا». على العكسو تدخلت الحكومات بقوة لصالح الشركات وتلك بالقطع كانت «فضيحة»، بحسب وصفه، أجبرت الحكومات الغربية على منح جرعات مجانية لدول العالم الثالث بما يكفي لتطعيم 20% فقط من سكانها. لكن حتى هذه النسبة الضئيلة لم يتم الالتزام لها، ولم تغطها، وكان ما وصل إلى إفريقيا أقل من 5% من السكان. وفي مقابل ذلك، حققت شركة فايزر مبيعات زائدة في الربع الأول من 2021، العام التالي لكورونا، وصلت إلى 900 مليون دولار، وقدر حينها وصول أرباح «فايزر» إلى ثلاثة مليارات دولار خلال فترة الوباء.
ترى الكتامي أن الترخيص الإجباري للدواء لكسر احتكاره ليس الحل الأمثل، وذلك لأنها أداة تصادمية وليست تفاوضية مع الشركات، بحسب رأيها. وتضيف أن الوصول لحل وسط مع الشركة بسعر مناسب أفضل، لكن يبقى الترخيص الإجباري «أداة مفيدة» و«يجب أن تكون في يدك للتفاوض مع الشركات».
لكن رضوى لم تمتلك الوقت انتظارًا لهذه المفاوضات والتفاهمات. توفيت رضوى في نوفمبر الماضي بسبب انتكاس حالتها بعد معاناة مع مرض سرطان اللوكيميا النخاعية. رسالتها الأخيرة لـ«مدى مصر» كانت تقول فيها: «لو سمحت آخر شريط جكافي معايا قرب يخلص ومحتاجة اي مساعدة من أي جمعية تساعدني اجيب شريط تاني».
تقارير ذات صلة
«شهادة ميلاد للدواء»: الدولة تطلق منظومة التتبع لمواجهة العقاقير المزيفة
تقديرات أشارت إلى أن نحو 30% من الأدوية في السوق المصرية مغشوشة
«الميثادون» يطيح برئيسة أمانة الصحة النفسية لكن مأساته مستمرة
تجري الرقابة الإدارية تحقيقًا واسعًا في مخالفات مالية وإدارية ومنها نفاد الميثادون
«إسعاف 24».. الحكومة تدخل سوق الدواء على طريقة «ماكدونالدز»
احتكار جديد في الطريق
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن