«شهادة ميلاد للدواء»: الدولة تطلق منظومة التتبع لمواجهة العقاقير المزيفة
في 2015، بدأ محمد علاجًا دوائيًا منتظمًا للاكتئاب باستخدام عقار «سيبرالكس»، ظل رفيقًا يوميًا له طوال سنوات، حتى منتصف عام 2023، حين بدأت الأعراض المرضية تعود دون سبب واضح. «فضلت 5 شهور حالتي النفسية بتسوء، ومش لاقي تفسير. كل حاجة كانت زي الأول، لكن مفيش تحسن»، يقول محمد.
استمر هذا الوضع حتى أشارت طبيبته إلى احتمال لم يخطر بباله: «أنت بتجيب سيبرالكس منين؟ دا نادر جدًا في السوق، أغلب اللي بيجيبه دلوقتي مزيف». خلال خمسة أشهر، كان محمد يتناول أقراص لا تحتوي على المادة الفعالة. فقط بودرة بلا مفعول. حين غيّر العقار إلى آخر بديل يحمل المادة الفعالة نفسها، وهو «لوسترال»، شعر بتحسّن واضح خلال أسابيع. «الدكتورة قالت لي إرمي الأدوية اللي عندك كلها، ومتشتريش من الصيدلية دي تاني».
محمد لم يكن استثناءً، بل أحد وجوه أزمة أوسع، تتغذى على نقص الأدوية وغياب الرقابة الميدانية على سوق الدواء. وفي ظل غياب منظومة تتبُع فعالة، تتسرب الأدوية المزيفة ومنتهية الصلاحية إلى السوق، وتُشترى وتُستهلك يوميًا دون أن يفهم المريض سبب تدهور حالته.
لذلك، بدأت الدولة أخيرًا تنفيذ خطة للتتبع الدوائي، أطلقت المرحلة الأولى منها في 4 مارس الجاري، وهي الآلية التي تمثل، بحسب عدد من العاملين في قطاع الدواء، أداة مهمة في ضبط الأدوية المغشوشة المتداولة في الصيدليات، والتي زاد انتشارها الفترة الماضية في ظل ارتفاع أسعار بعض الأدوية. في الوقت نفسه، شدد المختصون على أن فعالية الخطوة مرتبطة بتطبيقها على جميع الصيدليات في كل أنحاء الجمهورية، وما يستلزمه ذلك من تقديم دعم اقتصادي وتقني للصيدليات الصغيرة التي قد لا تمكنها قدراتها المحدودة والضغوط المادية عليها من الدخول في منظومة التتبع الدوائي.
تشير بعض المصادر أيضًا إلى دور الأدوية المزيفة المهربة من الخارج، المباعة خارج الإطار الرسمي الذي ستحكمه المنظومة، إذ تمثل أكثر من 60% من الأدوية المزيفة في السوق المصرية، وتستدعي، بحسب قولهم، آليات أخرى للسيطرة عليها.
أطلق رئيس هيئة الدواء المصرية، علي الغمراوي، المرحلة الأولى من منظومة التتبع الدوائي، أوائل الشهر الجاري، بزيارة ميدانية إلى صيدلية الإسعاف بالجيزة.
أوضح الغمراوي، في حديثه لعدد من الصحفيين خلال الزيارة، أن المنظومة تعتمد على بنية تقنية ونظام رقمي يسمح بمتابعة حركة الدواء منذ خروجه من المصنع أو دخوله إلى البلاد وحتى وصوله إلى المريض. وأكد أن هذا النظام يمثل خطوة مهمة لتعزيز الرقابة على سوق الدواء وضمان سلامة الأدوية المتداولة في السوق، مضيفًا أن الهيئة وضعت منظومة حماية متكاملة تضمن سرية البيانات الخاصة وعدم إتاحتها لأي جهة خارجية.
يشرح رئيس لجنة التصنيع الدوائي بنقابة الصيادلة، محفوظ رمزي، لـ«مدى مصر»، أن عملية التتبع تبدأ من دخول المادة الخام إلى المصنع، أو منذ وصول الدواء المستورد إلى البائع النهائي، مضيفًا أن المنظومة ستعتمد على تطبيق إلكتروني يكشف رمز مصفوفة البيانات (Data Matrix) الخاصة بالتتبع الدوائي، بحيث تحمل كل عبوة دواء «بصمة» خاصة بها. ويوضح: «لو كانت دفعة إنتاج الدواء مكونة من خمس تشغيلات [مجموع ما يتم إنتاجه في دورة التصنيع]، وكل تشغيلة 10 آلاف عبوة، يعني 50 ألف عبوة إجمالًا، فكل عبوة سيكون لها بصمة مختلفة عن الأخرى». وبمجرد حصول المريض على الدواء تُحذف العبوة من النظام.
بحسب رمزي، سيساعد التتبع الشركات على إدارة أرصدتها من الدواء على مستوى الجمهورية. «المنظومة هتوفر للشركة معلومة إن المستحضر متوفر في مكان، وفيه ركود في مكان تاني»، كما ستتمكن هيئة الدواء من معرفة أماكن توافر المستحضرات ومواضع النقص، ما يخلق قاعدة بيانات دقيقة عن حركة الدواء في السوق.
تتيح المنظومة أيضًا، بحسب محمد فاضل، مفتش صيدلي بوزارة الصحة، للصيدلية أو المريض معرفة التاريخ الكامل لكل عبوة دواء، حيث يمكن تتبع مسار العبوة منذ خروجها من المصنع من خلال اتصال الصيدلية بالتطبيق الخاص بالمنظومة، وبذلك، «مستحيل [الأدوية المزيفة] تدخل السلسلة دي»، فسجل العبوة بالمنظومة سيصبح «كأنه شهادة ميلاد للدواء».
ويشير رمزي إلى أن النظام سيقضي على بيع الأدوية داخل العيادات، فبعض المراكز مثل مراكز الخصوبة التي تبيع هرمونات مباشرة ستُمنع من ذلك، وستُصرف هذه الأدوية عبر الصيدليات فقط، مؤكدًا: «لن نقبل أن تُباع أي علبة دواء خارج الإطار الرسمي»، وبالإضافة «لن يكون هناك شيء اسمه صيدلية إلكترونية».
بدأت هيئة الدواء بالفعل تجربة التتبع الدوائي على بعض أصناف الدواء المستورد، إضافة إلى ستة أصناف مما يسمى أدوية الجدول، وهي الأدوية ذات التأثير الإدماني التي تتطلب روشتة لصرفها، في إطار تشغيل تجريبي لاختبار المنظومة قبل التوسع فيها، بحسب رمزي.
تأتي الآلية إلى الأسواق المصرية متأخرة، بحسب ما يراه فاضل، الذي قال إن مشروع التتبع الدوائي مطبق بالفعل في عدد من الدول الخليجية، وكذلك في تركيا منذ 2012، مشيرًا إلى أنه جرى اقتراح تطبيق التتبع الدوائي في نفس العام، وأبدت شركة تركية حينها استعدادها لدعم وزارة الصحة المصرية في تنفيذ النظام، لكن المشروع تأجل. كما طُرح مرة أخرى في عام 2016 من جانب وزير الصحة، إلا أنه لم يُنفذ حينها كذلك. والآن، «أخيرًا أعلنوا تطبيقه في مصر».
في المقابل، يقول مصدر في هيئة الدواء لـ«مدى مصر» إن منظومة التتبع الدوائي طُبقت منذ سنوات على مستوى المصانع، نظرًا لأن تطبيقها هناك كان أسهل نسبيًا. ويضيف أن التحدي الأكبر كان في تطبيقها داخل الصيدليات، وهو ما أدى إلى تأخر تنفيذها في هذه المرحلة.
بحسب فاضل، تُعَد مصر مركزًا إقليميًا لغش الدواء، مشيرًا إلى أن تقديرات غير رسمية كانت تُتداول داخل أجهزة التفتيش الدوائي في 2020 أشارت إلى أن نحو 30% من الأدوية في السوق المصرية مغشوشة، بينما يتراوح المتوسط العالمي بين 1% و10%.
في أسوأ الظواهر المتعلقة بالأدوية المزيفة، بحسب كل من رئيس جمعية الحق في الدواء، محمد فؤاد، ومالك صيدلية، فضل عدم ذكر اسمه، في حديثهما لـ«مدى مصر»، تسببت حقن مضاد حيوي مغشوشة، تسربت إلى السوق ووصلت الصيدليات في 2022، في 13 حالة وفاة، أغلبها من الأطفال. ونسب كل من المصدرين جذور هذه الفاجعة إلى غياب آليات فعالة للحد من انتشار الأدوية المزيفة في السوق. يقول مالك الصيدلية إن مصانع غير مرخصة تقوم بإنتاج حقن أو كبسولات تُباع داخل الصيدليات، في ظل عدم علم الصيدلي بها. نفت المصانع والشركات حينها مسؤوليتها، بحسب فؤاد، الذي قال إن هذا المثل يثبت أهمية تطبيق منظومة التتبع الدوائي للتأكد من تنفيذ المساءلة في هذه الحالات.
في الأشهر الأخيرة، بحسب عضو آخر في نقابة الصيادلة لـ«مدى مصر»، ازداد عدد المصانع التي تنتج الأدوية المزيفة محليًا، وذلك بسبب نقص الأدوية وارتفاع أسعار المواد الخام على المصانع المرخصة، كما أن جزءًا كبيرًا من الأدوية منتهية الصلاحية يُعاد تدويره، في ظل مماطلة الشركات في سحبها من الصيدليات في إطار مبادرة هيئة الدواء الممتدة منذ أكثر من عام، والتي فشلت في تحقيق أهدافها بحلول الموعد الرسمي لانتهائها في أغسطس الماضي.
بحسب المصدر، تتركز مصانع الأدوية المزيفة في مناطق مثل نبروه في الدقهلية و6 أكتوبر في الجيزة، وتستخدم ماكينات قديمة اشترتها من مصانع استبدلتها بأخرى أحدث. وتمد مصانع الأدوية المزيفة عددًا كبيرًا من مخازن الأدوية في نفس المناطق، توزع منها لباقي المحافظات.
«اليومين دول تجارة الأدوية المزيفة أصبحت رائجة، وكلما زاد النقص، ازداد التزييف»، يقول عضو نقابة الصيادلة، مضيفًا أن هيئة الدواء أصدرت مئات من المنشورات خلال السنوات الأخيرة حذّرت فيها من أدوية غير مطابقة للمواصفات وطالبت بسحبها من السوق.
لكن بقدر ما يبدو سوق الدواء المصري في أمس الحاجة لمنظومة التتبع الدوائي الجديدة، إلا أن تطبيقه بصورة فعالة يحتم دخول جميع الصيدليات فيه، بما في ذلك الصيدليات الصغيرة التي تعاني أصلًا في ظل زيادة أسعار الأدوية وتأثر مكاسبها، والتي قد لا تسعفها إمكانياتها للانضمام.
يقول مالك الصيدلية إنه مع تدشين المنظومة جرى تطبيقها في سلاسل كبيرة مثل صيدليات العزبي وصيدليات الإسعاف، متسائلًا: «طيب باقي الصيدليات هتروح فين؟».
سوق الصيدليات، بحسب المالك، «اتضرب» في الفترة الأخيرة بسبب زيادة أسعار الأدوية، والصيدليات الصغيرة، خاصة التي تقع خارج المدن الكبرى والتي قد لا تمتلك حتى اتصالًا بالإنترنت، تحتاج إلى دعم اقتصادي حتى «يقفوا على رجليهم»، حسب وصفه، لما تتطلبه المنظومة من أجهزة إلكترونية وتدريب تقني للعاملين بها لاستخدامها. كما يدعو المصدر إلى إلزام الشركات بسحب الأدوية منتهية الصلاحية والتعويض عنها، لما يسهم به ذلك في توفير بعض الدخل لها، مشيرًا إلى أن شركات الأدوية «لسه بتلعب بينا».
من الطبيعي، نتيجة فارق القدرات، أن يكون تطبيق المنظومة أسهل في الصيدليات الكبرى، حسبما يشير المالك، ومع جهود الحكومة في تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل في جميع المحافظات، قد يسفر ذلك عن إقصاء الصيدليات الصغيرة من مكاسب بيع أدوية التأمين، «ودا معناه إنك بتدمر الصيدليات الصغيرة».
يتفق رمزي على مسألة التحدي المتمثل في عبء التكلفة على الصيدليات، إضافة إلى المشكلات التقنية مثل انقطاع الكهرباء. ويطالب بتقديم حوافز للصيادلة لدخول المنظومة، مثل استرداد الأدوية منتهية الصلاحية وإرسال الأدوية الناقصة بالتساوي بين الصيدليات، وليس إلى «الشركة المصرية» أو صيدليات الإسعاف فقط. كما يرى أن على شركات الدواء أو الهيئة توفير أجهزة الـPOS وشاشات اللمس للصيدليات لتفعيل المنظومة.
ودعا رمزي إلى مد فترة توفيق الأوضاع لدخول المنظومة، بعدما حُدد الموعد النهائي لها أغسطس المقبل، بحيث تكون كل الشركات قد انضمت للنظام.
يرى فؤاد أن الانتهاء من تطبيق المنظومة بشكل كامل سيستغرق وقتًا طويلًا، إذ لا تزال في «مرحلة التجربة»، ضاربًا المثل بتركيا، التي قضت خمس سنوات لتنفيذه بالكامل مع بذل مجهودات كبيرة.
يقول مالك الصيدلية، مشيرًا إلى التحضيرات اللازمة من جهة الحكومة لتنفيذ الآلية، إنه لا يوجد حتى الآن موقع رسمي لتسجيل الصيدليات ضمن المنظومة، ولا تمتلك هيئة الدواء موقعًا مهيئًا لاستيعاب هذا الكم من البيانات، فرغم أن المنظومة كان من المفترض تطبيقها منذ سنوات، «لكن للأسف إمكانياتنا ما تسمحش إننا نطبقه بسرعة».
وبينما يمثل مشروع التتبع خطوة مهمة للحد من الأدوية المزيفة المنتجة محليًا، لكن الأدوية المهربة ستظل خارج هذه المنظومة، بحسب المالك، الذي يرى أن الحل الوحيد لذلك هو التوسع في ترخيص الأدوية وتسجيلها لدى هيئة الدواء، إلى جانب تشديد الرقابة على التهريب. ويشير إلى أن أكثر من 60% من الأدوية المزيفة تأتي عبر التهريب من الخارج، وغالبًا ما تكون من أدوية علاج الأورام بسبب ارتفاع أسعارها محليًا، وهو ما يجعل غشها أسهل في ظل غموض مصادرها. ذلك إلى جانب أن معظم الأدوية المهربة لا تدخل الصيدليات من الأساس.
يؤكد رمزي على هذه النقطة، فبينما سيحد النظام الجديد من وصول الدواء المزيف إلى المنظومة الرسمية، لن يتمكن من السيطرة على الأدوية المتداولة خارجها. «الدواء اللي دخل المنظومة رسمي صعب يتغش، لكن الأدوية اللي جاية من بره بشكل غير رسمي صعب السيطرة عليها». ويضيف أن ما يسمى بـ«تاجر الشنطة» يظل خارج نطاق السيطرة لأنه لا يعمل داخل المنظومة أصلًا. ويؤكد أن هدف الهيئة هو مراقبة الأدوية داخل سلاسل التوريد المعتمدة فقط.
يتفق معه فؤاد، الذي قال إن الدواء القادم من الخارج له حلول أخرى، مثل السيطرة على منافذ التهريب بجانب السيطرة على منافذ البيع الأونلاين، وتلك لها قوانين تحكمها، وعلى مباحث التموين وقانون الإعلان الطبي وجهاز حماية المستهلك حماية المريض من بيع الأدوية والترويج لها على السوشيال ميديا.
رغم تحديات تطبيقها، تعد منظومة التتبع الدوائي المريض بالحماية من الدواء المزيف، «اللي مستحيل يعدي من السيستم»، بحسب مالك الصيدلية.
تقارير ذات صلة
«الميثادون» يطيح برئيسة أمانة الصحة النفسية لكن مأساته مستمرة
تجري الرقابة الإدارية تحقيقًا واسعًا في مخالفات مالية وإدارية ومنها نفاد الميثادون
«إسعاف 24».. الحكومة تدخل سوق الدواء على طريقة «ماكدونالدز»
احتكار جديد في الطريق
هل تتكرر أزمة الدواء؟
ما تبعات سيطرة الشركات العالمية على سوق الدواء في مصر؟
دعمك هو الطريقة الوحيدة لضمان استمرارية الصحافة المستقلة والتقدّمية
عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ«برنامج عضوية مدى» وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا.
اشترك الآن